أولًا: المكان:
اتفق المفسرون على أن مدين التي ذكرت في القرآن الكريم هي: اسمٌ لقوم شعيب عليه السلام، وهم قبيلة من العرب، وكانوا يسكنون في شمال غرب الجزيرة العربية وجنوبي الشام، بالقرب من مدينة معان، وتبوك، وبحر القلزم (الأحمر حاليا) ، وأن الله تعالى أرسل إليهم شعيبا عليه السلام، وهم من بني مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام على ما ذكره جمهور المفسرين والمؤرخين 1.
ولكن اختلف المفسرون وغيرهم من الجغرافيين والمؤرخين في تحديد الموقع الجغرافي لـ (مدين) على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الإمام ابن كثير وابن عاشور وبعض المفسرين إلى أن مدين مدينة تقع بالقرب من مدينة معان في شرقي الأردن، من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، وقريبًا من بحيرة قوم لوط 2.
ومدينة معان حاليًا هي: مدينة في المملكة الأردنية الهاشمية، تقع جنوب العاصمة عمان، وتبعد عنها بحوالي (216) كيلومترًا، وهي أكبر محافظات الأردن مساحة، وأول منطقة دخلها الإسلام في بلاد الشام 3.
القول الثاني: إن مدين تقع شمال خليج العقبة في بلاد فلسطين في قرية تسمى: (كفر مندا) ، وهي قرية عربية فلسطينية، تقع في الجليل الأسفل، وتبعد (16) كيلومترًا شمال غربي الناصرة المحتلة من قبل الصهاينة 4.
وذلك وفقا لما ذكره المؤرخ الشهير ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان تحت اسم «كفر مندا» ، والذي مر بالمكان سنة (1230 م) ، حيث ذكر أنه يوجد في القرية بعض الدلائل التي تشير لذلك، وأهمها البئر الموجودة في ساحة القرية، وقبر بنات شعيب، ولكن يرجح الحموي أن تكون مدين: قرية على بحر القلزم بمحاذاة تبوك 5.
القول الثالث: ذهب الجغرافيون المسلمون في تحديد بلاد مدين بوضوح وبلا اختلاف بينهم، وكذلك جمهور المؤرخين إلى أن: مدين تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك وبحر القلزم (البحر الأحمر) ، على بعد (132) كيلًا من تبوك، مما يلي جهة الشام قريبًا من مدينة معان وخليج العقبة، من أطراف الشام، وهي كذلك قريبة من بحيرة قوم لوط عليه السلام 6.
وتعرف مدين اليوم باسم: (البدع) ، وهي بلدة بين تبوك وساحل البحر الأحمر على بعد (132) كيلًا غرب تبوك، وشرق رأس الشيخ حميد - على البحر - بمسافة (70) كيلًا، وهي تابعة لمنطقة تبوك التي تقع شمال غرب المملكة العربية السعودية 7.
ومن خلال الاطلاع والبحث عن موقع مدينة مدين عند المفسرين والجغرافيين القدماء والمعاصرين يمكن القول بأن مدين على الصحيح: كانت تمثل إقليمًا كبيرًا وواسعًا، وكانت تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك والبحر الأحمر، على بعد (132) كيلًا غرب تبوك، وكانت عاصمتها ومركزها الرئيس في مدينة البدع السعودية حاليًا، وكان لها منفذ بحري على البحر الأحمر، وكانت ممتدة إلى معان في الأردن، وبئر السبع وكفر مندا في فلسطين، وكانت في فترات ازدهارها تصل إلى طور سيناء في حدود مصر.
ويؤيد هذا ما ترجح لدى الجغرافيين وعلماء الآثار المعاصرين: أن أرض مدين كان مركزها في بلدة «البدع» بين تبوك والساحل، وهي في واد بين الجبال، ويسمى واديها: «عفال» ، وأنها كانت ممتدة في أصقاع واسعة، قد تصل إلى معان في شرقي الأردن مما يلي ناحية الحجاز 8.
ومما يؤيد ذلك أيضا أن (مغاير شعيب) وآثارهم وبيوتهم وقبورهم تقع حاليا في محافظة البدع، وهي إحدى محافظات منطقة تبوك السعودية، وتبعد عن تبوك (132) كيلًا إلى الشمال الغربي منها 9.
ثانيًا: التسمية:
سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام باسمين الأول منهما: وهو مدين، والآخر بأصحاب الأيكة كما يأتي على هذا التفصيل:
أولًا: سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام بمدين في مواضع في القرآن الكريم.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:85] ، وقوله سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:84] .
وقوله عز وجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) } [العنكبوت:36] .
بالإضافة إلى تسمية مدين في قصة موسى عليه السلام من دون ذكر النبي شعيب عليه السلام: قال سبحانه: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} [طه:40] .
وقال تقدست أسماؤه: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) } [القصص:22] .
وقال عز وجل: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) } [القصص:23] .
وقال جل شأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص:45] .
وفي تسمية قوم شعيب بمدين قولان:
أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، فقيل مدين، والمراد بنو مدين، كما يقال مضر والمراد بنو مضر.
الثاني: أن مدين اسم مدينتهم، فنسبوا إليها، ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفًا، وعلى اعتبار أنها اسم مدينة فهل هو اسم أعجمي أو عربي، فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي، والثاني: أنه اسم عربي، وهل هو اسم مشتق أو جامد، فقد ذكر المفسرون أنه اسم مشتق، واختلفوا في مادة اشتقاقه على وجهين: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان، إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة، والثاني: أنه مشتق من قولهم دينت، أي ملكت والميم زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم رجل 10.
وأما شعيب فتصغير شعب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل، والثاني: أنه القبيلة العظيمة، والثالث: أنه مأخوذ من شعب الإناء المكسور 11.
ثانيًا: سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة في عدة مواضع من كتابه فقال سبحانه: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) } [الحجر:78] .
وقال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) } [الشعراء:176 - 178] .
وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) } [ص:12 - 13] .
وقوله سبحانه: {وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) } [ق:14] .
والأيكة عند أهل اللغة هي: الشجر الكثير الملتف، وتسمى أيضا الغيضة، وجمعها أيك، وكل شجر ملتف فهو عند العرب أيكة، وقيل: هي الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر 12.
ولكن تسمية قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة محل خلاف بين المفسرين على أقوال:
القول الأول: ذهب أكثر المفسرين على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام.
القول الثاني: ذكر بعض المفسرين عن قتادة: إن شعيبًا عليه السلام أرسل مرتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا جميعًا 13.
القول الثالث: هناك من المفسرين من يجعل أصحاب الأيكة فريقًا من قوم شعيب غير أهل مدين: فأهل مدين عندهم هم سكان الحاضرة، وأصحاب الأيكة هم باديتهم، وقيل: من ساحل البحر إلى مدين، وكان شعيب رسولًا إليهم جميعًا، وفيهم قال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) } [الشعراء:176 - 178] .
وفي آية أخرى: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) } [الحجر:78 - 79] .14.
قال الإمام ابن كثير: «وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين على الصحيح،.، والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة» 15.
وقد كان نبي الله شعيب عليه السلام من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجر كثير ملتف، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} ، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ، فقطع نسب الأخوة بينهم، للمعنى الذي نسبوا إليه من عبادة الأيكة، وإن كان أخاهم نسبًا، وبعض المفسرين لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم 16.
وأما موقع الأيكة ومكانها الجغرافي هو ضمن موقع مدين، وعلى وجه التحديد يمكن الاستئناس بما ذكره علامة الجزيرة في التاريخ حمد الجاسر في كتابه: في شمال غربي الجزيرة: «أن الأيكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي قبل تبوك التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر غزواته، وأهل تبوك يقولون ذلك ويعرفونه، ولم أجد هذا في كتب التفسير، بل يقولون الأيكة الغيضة الملتفة بالأشجار، والجمع أيك، والمراد بأصحاب الأيكة أهل مدين، قلت: ومدين وتبوك متجاورتان، وأقول: لا يزال يطلق اسم الأيكة على واد من روافد عفال في المنطقة المعروفة ببلاد مدين، والتي فيها مغاير شعيب عليه السلام» 17.
ثالثًا: الزمان:
لقد بين القرآن الكريم الزمن الذي كانت فيه مدين وعاش فيه النبي شعيب عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) } [هود:89] .
والمراد بالبعد في الآية هو: بعد الزمن والمكان والنسب، فزمن لوط عليه السلام غير بعيد من زمن شعيب عليه السلام، وكان مدين بن إبراهيم عليه السلام وهو جد قبيلة شعيب المسماة باسمه، وقد ذكر بعض المفسرين أن مدين كان متزوجًا بابنة لوط عليه السلام 18، وقيل: إن المراد بالبعد هو أنهم غير بعيدين في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية، بأنواع الحيل والشبهات، والجمع بين هذه الأقوال ممكن، فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانًا، ولا مكانًا، ولا صفاتٍ 19.
ويعتقد بعض المفسرين أن شعيبًا عليه السلام قد عاش بعد إبراهيم الخليل، وبعد يوسف عليهما السلام 20، قال ابن كثير: «كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} ، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد» 21.
رابعًا: تاريخ مدين:
يعتقد بعض علماء الآثار المعاصرين أن آثار بلدة قرية البدع التي تقع في شمال تبوك ترجع إلى قوم مدين، وأن مدين كانت معاصرة لعهد موسى عليه السلام، ويرون في هذا دليلًا على قدم وجودها وإمكان نسبتها إلى ما قبل القرن الثالث عشر ق. م على أقل تقدير عندهم.
ويعتقدون أن النبي شعيبًا عليه السلام الذي ذكر في القرآن الكريم رسولٌ لأهل مدين، بأنه يحتمل
توقيت عهده بأوائل فترات ازدهار تاريخها القديم 22.
ويرجح بعض الباحثين المعاصرين من علماء الآثار والتاريخ: أن عصر شعيب عليه السلام إنما كان قبل عصر موسى، معتمدين في ذلك على أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر شعيبًا في القرآن الكريم - كما في سورة الأعراف وهود والحج والشعراء والعنكبوت- بعد نوح وهود وصالح ولوط، وقبل موسى 23.
ومن خلال تقديرهم لعصر الخليل عليه السلام، والذي كان بين: (1940 - 1765 ق. م) ، وأن لوطا عليه السلام وقومه إنما كانوا معاصرين لأبي الأنبياء عليه السلام، قال بعض الباحثين المعاصرين: «إن شعيبًا وقومه إنما كانوا يعيشون بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وخاصة أن المصادر التاريخية تذكر أن مدين هو من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، فقدر هؤلاء - حدسًا عن غير يقين- أن القوم إنما كانوا يعيشون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، على صحة فرض ما ذهب إليه بعضهم من أن يثرون كاهن مدين وصهر موسى، إنما هو شعيب نبي مدين العربي، وذلك لأنهم يقدرون رحلة خروج موسى من مصر متوجهًا إلى مدين، إنما كانت في هذا القرن الثالث عشر ق. م» 24.
ويمكن القول: إن هذا التقدير ربما قد يكون صحيحا أو يقارب الصحة الى حد كبير؛ لأن بعض المفسرين يذكرون أن بين الخليل عليه السلام وموسى عليه السلام أربعمائة عام، وكذلك بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام 25، بالإضافة الى ما يذكر من أن شعيبا عليه السلام كان من المعمرين، فقد ذكرت بعض المصادر أن شعيبًا عليه السلام عمر (240) عامًا 26.
ورد ذكر مدين في القرآن الكريم (10) مرة في (7) سورة، وقد ذكروا بلفظ (أصحاب الأيكة) (4) مرات.
وأما قصتهم فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
الأعراف ... 85 - 93
هود ... 84 - 95
العنكبوت ... 36 - 37
الفتح ... 29
أولًا: رسول الله إلى مدين:
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الرسول الذي أرسله إلى مدين هو شعيب عليه السلام.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف:85] .
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:84] .
وقوله تعالى أيضًا: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) } [العنكبوت:36] .
و كذلك قوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) } [الشعراء:176 - 177] . 27.
واختلف المفسرون في نسب نبي الله شعيب عليه السلام على أقوال:
الأول: أنه شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه عليه السلام، وإن أمه بنت نبي الله لوط، وقال ابن إسحاق هو: شعيب بن ميكائيل بن يزجر بن مدين بن إبراهيم وأم ميكائيل بنت لوط.
الثاني: ما قاله عطاء بأنه: شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام.
الثالث: شعيب بن يثرون بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام 28.
قال الإمام ابن عاشور معلقًا على الاختلاف في نسب النبي شعيب: «وشعيب عليه السلام هو رسول الله لأهل مدين، وهو من أنفسهم، اسمه في العربية شعيب عليه السلام واسمه في التوراة: (يثرون) ، ويسمى أيضا (رعوئيل) ، وهو ابن (نويلى أو نويب) بن (رعويل) بن (عيفا) بن (مدين) ، ثم قال: وقد خبط في نسب مدين، ونسب شعيب عليه السلام جمع عظيم من المفسرين والمؤرخين، فما وجدت مما يخالف هذا فانبذه» 29.
ويلاحظ من أقول المفسرين أنهم متفقون على أن شعيبًا عليه السلام من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام 30.
وقد ذكر جمهور المفسرين أن شعيبًا عليه السلام من الأنبياء الأربعة العرب اعتمادًا منهم على حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عند ذكر الأنبياء والرسل: (وأربعة من العرب، هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر) 31.
وكان النبي شعيب مشهورًا بالفصاحة وعلو العبارة، وببلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان والإسلام، فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبًا قال: (ذاك خطيب الأنبياء) 32، يعني: لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته 33.
[انظر شعيب: نبذة عن شعيب عليه السلام ومكانته]
ثانيًا: رسالة النبي شعيب عليه السلام:
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) } [الأعراف:85 - 86] .
وقال سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) } [هود:84 - 86] .
وقال عز وجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) } [العنكبوت:36] .
فهذه الآيات السابقة تبين المحاور الرئيسة لدعوة النبي شعيب عليه السلام وهي: الأمر بتوحيد الله في العبادة، والنهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم، والأمر بالفضيلة التي تقابلها 34، وهذه المحاور هي:
إن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد، ويأمرون بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة غير الله، وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء، وعليه مدار دعوة الرسل عليهم السلام كلهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل:2] .
كما قال تعالى بخصوص أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب:؛ {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) } [الشعراء:176 - 179] .
لأن معرفة الله تعالى وتوحيده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتجاهد من حاربها وقام بضدها.