فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 2431

وقد حمى القرآن الكريم الاقتصاد من السفه بالحجر على السفيه، رعاية لمصلحته، ومحافظة على ماله، وحتى لا يكون عالة على غيره.

قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء:5] .

قال السعدي: «السفهاء: جمع «سفيه» وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها؛ لأن الله جعل الأموال قيامًا لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها.

فأمر الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولًا معروفًا، بأن يعدوهم -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبرًا لخواطرهم.

وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار» 139.

وفي سياق حماية الاقتصاد من السفه، أمر الله تعالى بحفظ مال اليتيم.

قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ? وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ?) [النساء:6] .

أي: اختبروا اليتامى المقاربين للرشد، فإن تبين رشدهم وصلاحهم في أموالهم، وبلغوا النكاح، فادفعوا إليهم أموالهم كاملة.

(وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا) أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم.

(وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها 140.

فحمى القرآن الكريم مال اليتيم من تصرف اليتيم نفسه حال سفهه، ومن ولي اليتيم في رعايته لذلك المال.

رابعًا: الإسراف:

ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل إفساده: حمايته من الإسراف.

قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) [الإسراء:29] .

قال ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامًا للبخل ناهيًا عن السرف: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ) أي: لا تكن بخيلًا منوعًا ...

وقوله: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا، وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك ...

ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا» 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت