أولًا: المعنى اللغوي
بداية لا بد من إعطاء معنى لغوي للفظتي: (اليوم) و (الآخر) ؛ لكون مصطلح الدراسة مركب منهما، وذلك بالرجوع إلى معجمات اللغة.
اليوم لغةً: تدور دلالة اليوم غالبًا في المعجمات اللغوية على الزمن المقيد أو المطلق، فالياء والواو والميم: كلمةٌ واحدةٌ، هي اليوم المعروف، وهو غالبًا عند العرب في كلامها يدل على النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد تطلقه على الليل والنهار كليهما. وقد يستعمل اليوم في اللغة للدلالة على مطلق من الزمان أي: الوقت الحاضر من الزمان 1. وقد يراد به «الوقت مطلقًا، ومنه الحديث: (تلك أيام الهرج) 2 أي: وقته» 3. ومن معاني اليوم لغة أيضًا: الدهر، ويستعمل أيضًا بمعنى: الدولة وزمن الولايات، وبمعنى: الوقائع. ويستعار عند العرب للشدة والأمر العظيم 4.
الآخِر لغةً: خلاف الأول والمتقدم ونقيضهما، وهو من الفعل أخرته فتأخر،، يقال: جاء آخرًا، أي: أخيرًا، والجمع: أواخر، والآخر من أسماء الله تعالى قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] .
والآخِر: هو الباقي بعد فناء خلقه كله الذي ليس بعده شيءٌ 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
فقد تطور من معناه اللغوي وأخذ منه في معنى مناسب له في الكلام. ولليوم الآخر تعريفات عدة عند العلماء متقاربة.
ويمكن تعريفه بأنه اليوم الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسمي بذلك؛ لأنه آخر انقراض الدنيا وآخر أيامها ولا يوم بعده، فهو آخر الأوقات المحدودة الذي لا حد للوقت بعده 6.
ورد (اليوم الآخر) في القرآن الكريم (28) مرة 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اليوم الآخر ... 28 ... {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة:18]
اليوم: اسم لما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والآخر: خلاف الأول وبعده، و (اليوم الآخر) في الاستعمال القرآني: اسم يطلق على يوم القيامة، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى 8.
للإحاطة بدلالة اليوم الآخر في التعبير القرآني لابد من دراسة الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم تدل على اليوم الآخر وتشير إليه من قريب أو بعيد، وإذا نظرنا في القرآن الكريم نرى كثرة في الألفاظ الدالة عليه وتعددها بشكل لافت، وكل ذلك تقرير لحقيقة هذا اليوم وبيان ماهيته، ومما يجليه أمام العيان عن طريق وحي الألفاظ الدالة عليه.
وتوارد هذه الألفاظ في القرآن الكريم التي هي بعضها أسماء له، وتنوعها وكثرتها يدل على عظيم قدره وهوله وشدته ويبين شدة أهوال ذلك اليوم وتأثيره في الناس قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1 - 2] .
بالإضافة إلى ذلك فإن كثرة أسمائه وأوصافه تدل على أهميته وشرفه؛ لأن كثرة الأسماء والأوصاف الدالة على الشيء الواحد تدل على شرف المسمى وكماله غالبًا، قال الفيروز آبادي (ت 817 هـ) : «اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته، وكثرة أسماء يوم القيامة دلت على كمال شدته وصعوبته، وكثرة أسماء الداهية دلت على شدة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي -عليه الصلاة والسلام- دلت على علو رتبته، وسمو درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه، وفضيلته؟!» 9.
والقرآن الكريم عندما يستعمل هذه الألفاظ للدلالة عن ذلك اليوم العظيم، فإن كل لفظ منها يجلي صفة من صفاته وأهواله، و «كلها تشير إلى انفراط عقد هذا الكون المنظور، واختلال روابطه وضوابطه التي تمسك به في هذا النظام البديع الدقيق، وتناثر أجزائه بعد انفلاتها» 10 من هذه الروابط والضوابط التي تضبطها بقدرة الله وإرادته. كما أن تعددها وتجمعها على صعيد واحد يقرب إلى الأذهان والقلوب على نحو من التوكيد صورة ذلك اليوم على الكون والانسان وأهواله وشدته، فيحدث الاستجابة النفسية التي يهدف إليها القرآن، والملاحظ أن هذه الألفاظ أغلبها قد جاءت في سور مكية التي من أبرز أهدافها تأسيس أصول الدين والعقيدة السليمة في القلوب، وهي توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته للكون والخلائق جميعًا، وفي مقدمتها: الإنسان الذي كرمه الله أيما تكريم وفضله على كثير ممن خلق تفصيلًا، لذلك كان من «صفات السور المكية وبخاصة السور القصيرة منها أنها ذات أسلوب وإيقاع قويين شديدين في وقعهما يعملان على قرع القلوب بحقائقها التي تؤديها» 11، ومنها هذه الألفاظ الدالة على اليوم الآخر التي ترد كثيرًا في مطالع هذه السور وفي آياتها فتلفت الانتباه لفتًا قويًا في تلقي المعاني والأصول الكبرى للدين الحنيف، وسنتناول في هذا الموضع بالتفصيل أسماء اليوم الآخر والألفاظ ذات الصلة به؛ لنحاول أن نجلي للمتلقي ونكشف له عن المعنى الذي ينطوي وراءها قدر الإمكان:
1.القيامة.
جاء هذا اللفظ للدلالة على اليوم الآخر في سبعين آية من آيات القرآن الكريم، وهو من أجلى الأسماء والصفات لذلك اليوم وأشهرها. ولم يرد هذا الاسم إلا مركبًا (يوم القيامة) من ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ? وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ?87?) [النساء: 87] .
وقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى? وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ? مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ?97?) [الإسراء: 97] .
وغيرها من الآيات الكريمة. والقيامة لغة: مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث؛ للمبالغة، وسمي بذلك؛ لما يقوم فيه من الأمور العظام التي بينتها النصوص. ومن ذلك قيام الناس لرب العالمين 12.
2.الساعة.
من الألفاظ الدالة على ذلك اليوم العظيم أيضًا: الساعة، وورد هذا اللفظ تسعًا وثلاثين مرة في خمس وثلاثين آية من آيات القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ?59?) [غافر: 59] .
وقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ? كَذَ?لِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ?55? [الروم: 55] .
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: 1] .
وغيرها من الآيات. وأطلق لفظ الساعة على اليوم الآخر؛ إما لقربه، أو لأنه يأتي بغتة، أو في لحظة، أو في ساعة معينة وإذا باليوم الآخر قد قام، والناس غير منتبهين. قال القرطبي رحمه الله: «والساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بالآن، وسميت به القيامة إما لقربها، فإن كل آت قريب. وإما أن تكون سميت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود. وقيل: إنما سميت بالساعة؛ لأنها تأتي بغتة في ساعة» 13.
3.الواقعة.
يأتي لفظ الواقعة للدلالة على اليوم الآخر في موطنين من القرآن الكريم فقط، وذلك في قوله تعالى: (ڑ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) [الواقعة: 1 - 7] .
والموطن الثاني في قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ?13?وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ?14?فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ?15?) [الحاقة: 13 - 15] .
وسمي بالواقعة؛ لتحقق كونه ووجوده؛ لأنه يقع لا محالة، أي: إذا وقعت التي لا بد من وقوعها، ووقوع الأمر نزوله 14. ولفظ (الواقعة) من الأسماء التي انتقلت من الوصفية إلى الاسمية؛ لأنها ختمت بالتاء، وأوثر التعبير بلفظ (الواقعة) على وزن (فاعلة) ؛ ليدلَّ على العموم والشمول والشدة والمبالغة 15.
4.الحاقة.
جاءت (الْحَاقَّةُ) ؛ للدلالة على اليوم الآخر ثلاث مرات في موطن واحد عند قوله تعالى: (ے الْحَاقَّةُ ?1?مَا الْحَاقَّةُ ?2?وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ?3?كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ?4?) [الحاقة: 1 - 4] .
سمي بذلك؛ «لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد؛ ولهذا عظم تعالى أمرها فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) » 16. أو أنها: «سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء» 17.
إضافة إلى ذلك أن في إطلاق لفظ (الْحَاقَّةُ) على اليوم الآخر دلالة على العموم والشمول والشدة والمبالغة في إثبات المعنى، وهو اسم على وجه التخصيص ليوم القيامة، أي: إنها تحق الحق في ذلك اليوم الذي لا يحيط به العلم والإدراك.
5.الغاشية.
جاء لفظ (الْغَاشِيَةِ) للدلالة على اليوم الآخر في موضع واحد في قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: 1] .
وسمي بذلك؛ لأنه يغشى الناس بأفزاعه وأهواله وشدائده ويغمهم، ومن معانيه أنَّ الكفارَّ تغشاهم النار، وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [العنكبوت: 55] .
أو سمي بذلك؛ لأنه يغشى الناس من كلِّ جهة أو بسبب مشاهِدِهِ المفزعة تغشى الناس فجاءة، ولا يخفى ما لهذا اللفظ من تصوير للهول الذي يحلُّ بالخلق يوم القيامة، وفي ذلك تهويل له في القلوب، ففيه إثبات لشاهده ودليله فهو يغشى الناس بعذابه ويلبسهم أهواله، قال الزمخشري رحمه الله: (الْغَاشِيَةِ) الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها» 18.
6.القارعة.
ورد هذا اللفظ للدلالة على اليوم الآخر أربع مرات في موطنين الأول في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ) [الحاقة: 4] .
والثاني تكرر اللفظ فيه ثلاث مرات في سورة القارعة وذلك في قوله تعالى: (الْقَارِعَةُ(1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) [القارعة: 1 - 3] .
وسمي بالقارعة؛ لأنه يقرع القلوب والأسماع بفنون الأهوال والأفزاع لعظيم ما ينزل بهم من البلاء عندها، ويقرع الكون بالدمار والتحطيم وتتغير فيه معالم الكون كله، يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده 19، وأصل القرع: «الضرب بشدة وقوة، تقول العرب: قرعتهم القارعة وفقرتهم الفاقرة 20: إذا وقع بهم أمر عظيم» 21، ويعمق هذا الإيحاء الإيقاع المنبعث من حروف (الْقَارِعَةُ) (القاف والراء والعين) المعروفة بقوتها وشدتها.
7.الآزفة.
ورد هذا اللفظ في موضعين الأول مضافًا إلى اليوم في قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ? مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ?18?) [غافر: 18] .
والثاني مجردًا في قوله تعالى: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) [النجم: 57] .
وسمي اليوم الآخر بـ (الْآزِفَةُ) لأزوفه، أي: لقرب وقوعه، وضيق وقته؛ لأن الأزف: ضيق الوقت 22.
واليوم الآخر قريب جدًّا، وكلُّ آت فهو قريب وإن بعد مداه. وهو بعد ظهور علاماته أكثر قربًا. ولا يخفى ما للفظ (الْآزِفَةُ) من تعظيم لشأنه وتفخيمه فهي قد «اقتربت كاسحة جارفة، وهي الطامة والقارعة التي جاء النذير يحذركم إياها، أو هو العذاب الذي لا يعلم إلا الله نوعه وموعده، ولا يملك إلا الله كشفه ودفعه: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ?58?) » 23.
8.الراجفة والرادفة.
ورد هذان اللفظان في موضع واحد في قوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ?6?تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ?7?قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ?8?أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ?9?) [النازعات: 6 - 9] .
وهما يصوران على نحو شديد ما يقع من الهول والاضطراب في الكون حينئذ، فسمي بالراجفة؛ لأن فيه تهتز السموات والأرض ويضطرب نظامهما ويدمر كلّ شيء فيهما، أما تسميته بالرادفة؛ لأنها تتبع الراجفة، وقيل: هما النفختان في الصور، قال الزمخشري رحمه الله: « (الرَّاجِفَةُ) الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أي: الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: (قُلْ عَسَى? أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [النمل: 72] .
أي: القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادًا لها، وهي رادفة لهم؛ لاقترابها. وقيل: (الرَّاجِفَةُ) : الأرض والجبال، من قوله: (. يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ) [المزمل: 14] .
و (الرَّادِفَةُ) : السماء والكواكب؛ لأنها تنشق وتنتشر كواكبها على أثر ذلك» 24.
9.الصاخة.
ورد لفظ (الصَّاخَّةُ) في موضع واحد في قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ?33?يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ?34?وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ?35?وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ?36?لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ?37?) [عبس: 33 - 37] .
وسمي اليوم الآخر بالصاخة؛ «لشدة صوتها؛ لأنها تصخ الآذان، أي: تصمها فلا تسمع» 25، فهذا اليوم العظيم يصخُّ الناس فيه صخًّا بأهواله الشديدة، ومما يعزز هذا المعنى ويعمقه جرس اللفظ، فهو جرس شديد «يكاد يخرق صماخ الأذن، وهو يشق الهواء شقًّا، حتى يصل إلى الأذن صاخًّا ملحًا» 26.
10.الطامة الكبرى.
جاء لفظ (الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) ؛ ليدل على اليوم الآخر في موضع واحد في قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى? ?34?يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى? ?35?) [النازعات: 34 - 35] .
وسمي بـ (الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) ؛ لتفظيعه في قلوب السامعين وتهويله في نفوسهم، فهو يَطُمُّ بأهواله ودواهيه الخلق لعظمه، قال البغوي رحمه الله: «وسميت القيامة طامةً؛ لأنها تطم على كلِّ هائلةٍ من الأمور، فتعلو فوقها وتغمر ما سواها، والطامة عند العرب: الداهية التي لا تستطاع» 27. وبناء (الطَّامَّةُ) وجرسها الإيقاعي يصوران هذا المعنى ويقربانه، فهي تدل على العموم والشدة والمبالغة؛ لأنها من الأسماء التي ختمت بتاء التأنيث، فانقلبت من الوصفية إلى الأسمية 28.
11.الآخرة.
ورد لفظ الآخرة في القرآن الكريم مائة وخمس عشرة مرة، من ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] .
وقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20 - 21] .
وغيرها من الآيات. و «سميت آخرة؛ لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سميت آخرة؛ لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا (دنيا) ؛ لدنوها من الخلق» 29.
تناولنا فيما سبق أسماء اليوم الآخر والألفاظ ذات الصلة به، والآن نتناول أوصاف هذ اليوم في التعبير القرآني؛ لتتضح ملامح هذا اليوم العظيم من خلال هذه الأوصاف.
والناظر في القرآن الكريم يجد أنَّ الله تعالى وصف اليوم الآخر بأوصاف كثيرة متنوعة، وهذه الأوصاف تبين حقيقته، فهي بمثابة التعريف به وبيان ماهيته، وسنحاول الوقوف على معنى الوصف ودلالته ومناسبته لليوم الآخر في القرآن الكريم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا:
1.يوم الدين.
يعد هذا الوصف (يَوْمِ الدِّينِ) من أشهر أوصاف اليوم الآخر، وقد ورد في ثلاثة عشر موضعًا من كتاب الله تعالى، من ذلك قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 4] .
وقوله تعالى: (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَ?ذَا يَوْمُ الدِّينِ) [الصافات: 20] .
وغيرها من الآيات الكريمات. وأصل الدين في لغة العرب: الجزاء والحساب، «يقال: كما تدين تدان، المعنى: كما تعمل تعطى وتجازى» 30.
ومن هنا كان المراد من يوم الدين: يوم الحساب والجزاء الذي يحاسب ويجازي الله فيه العباد على أعمالهم وأفعالهم في الدنيا.
2.يوم الحساب.
وصف هذا اليوم بـ (يَوْمِ الْحِسَابِ) في القرآن الكريم في أربعة مواضع ثلاثة منها في سورة ص والآخر في سورة غافر، منها قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) [ص: 16] .
وقوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى? إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ?27?) [غافر: 27] .
ووصف هذا اليوم بيوم الحساب؛ لأن فيه يحاسب الله تعالى العباد على أعمالهم خيرها وشرها والنعم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم ومطاعمهم، وغير ذلك من النعم، قال القرطبي: «يوم الحساب معناه أنَّ الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، ويعدد عليهم نعمه، ثم يقابل البعض بالبعض فما يشفُّ منها على الآخر حكم للمشفوق بحكمه الذي عينه للخير بالخير وللشر بالشرِّ» 31.
3.يوم الجمع.
جاء وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمَ الْجَمْعِ) في موضعين من كتاب الله تعالى، الأول: في قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ? فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ?7?) [الشورى: 7] .
والثاني: في قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ?) [التغابن: 9] .
ووصف الله تعالى هذا اليوم العظيم بيوم الجمع؛ لأنه تعالى في هذا اليوم يجمع الخلائق كلها أولها وآخرها للحساب، قال الرازي رحمه الله: «وفي تسميته بيوم الجمع وجوهٌ: الأول: أن الخلائق يجمعون فيه، قال تعالى: [التغابن: 9] .
فيجتمع فيه أهل السموات مع أهل الأرض، الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد، الثالث: يجمع بين كلِّ عاملٍ وعمله، الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم» 32.
4.يوم الفصل.
وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمُ الْفَصْلِ) في ستة مواضع من الكتاب الكريم، وذلك في قوله تعالى: (هَ?ذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [الصافات: 21] .
وقوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الدخان: 40] .
وغيرها من الآيات الكريمات. والفصل: البون ما بين الشيئين والجبلين وهو المفصل، ويطلق أيضًا ويراد به القضاء بين الحق والباطل، يقال: أمرٌ فيصلٌ وفاصلٌ، أي: قاطعٌ 33.
ووصف اليوم الآخر بيوم الفصل؛ لأنه اليوم الذي يفصل فيه بين عباده الأولين والآخرين بأعمالهم فيما كانوا فيه يختلفون، وفيما كانوا فيه يختصمون، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة: 25] .
إضافة إلى ذلك أنه اليوم الفاصل الذي يبين الحق فيه من الباطل 34.
5.يوم البعث.
ورد وصف اليوم الآخر ب (يَوْمُ الْبَعْثِ) مرتين في موضع واحد من كتاب الله تعالى في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى? يَوْمِ الْبَعْثِ ? فَهَ?ذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَ?كِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الروم: 56] .
وأصل البعث: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، ويختلف بحسب اختلاف ما علق به. ويوم البعث هو يوم الخروج من القبور 35.
قال ابن منظور: «والبعث أيضًا: الإحياء من الله للموتى؛ ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) : أي: أحييناكم. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث. وبعث الله الخلق يبعثهم بعثًا: نشرهم» 36.
فهو يوم عظيم للخلق بعد الموت وانقضاء الدنيا يوم يبعثهم الله من قبورهم للحساب والجزاء، فينبئهم الله تعالى بما عملوه في الدنيا.
6.يوم التلاق.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمَ التَّلَاقِ) إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: (ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر: 15] .
ووصف اليوم الآخر به من عدة وجوه منها أنه يوم عظيم يلتقي به الخلق كلهم الأولون والآخرون، حتى يلتقي فيه آدم عليه السلام بآخر ولده، وفيه يلتقي الخالق بالمخلوق، ويلتقي فيه أهل السماء بالأرض، والظالم بالمظلوم، بالإضافة إلى أنه يوم تتلاقى فيه الأرواح بالأجساد، وأنَّ كلَّ عامل سيلقى ما عمله من خير وشر ويجازى عليه وغيرها 37.
7.يوم التغابن.
جاء وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمُ التَّغَابُنِ) مرة واحدة فقط، وذلك في قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ? وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) [التغابن: 9] .
و (التغابن) على وزن تفاعل من الغبن وهو: «أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضربٍ من الإخفاء» 38.
أما في سبب وصفه بيوم التغابن؛ لأنه في ذلك اليوم يظهر الغبن والتفاوت بين الخلق من أربعة وجوه:
أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر.
والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار.
والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم؛ لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونًا، فصار في الآخرة غابنًا.
والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان 39.
8.يوم التناد.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمَ التَّنَادِ) إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ(?) [غافر: 32] .
والتناد: مصدر تنادى القوم، أي: نادى بعضهم بعضًا، ويوم التناد وصف لليوم الآخر، وصف بذلك؛ لكثرة ما يحصل من نداء في ذلك اليوم، فالله تعالى ينادي المشركين؛ توبيخًا لهم في ذلك اليوم العظيم فيقول لهم: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص: 74] .
والناس يومئذ ينادي بعضهم بعضًا في هذا اليوم، فينادي أصحاب الأعراف رجالًا يعرفون بسيماهم في النار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة، وينادي أهل النار بعضهم بعضًا؛ للاستغاثة، أو يتصايحون فيه بالويل والثبور. والملائكة تنادي الخلق ينادون إلى المحشر، وتنادي أصحاب الجنة إلى غير ذلك مما يقع في هذا اليوم من التنادي 40.
9.يوم الخلود.
ورد وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمُ الْخُلُودِ) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق: 34] .
ووصف اليوم الآخر بيوم الخلود؛ لأن َّالناس يصيرون إلى دار الخلود، فالمؤمنون مخلدون في الجنان والكافرون مخلدون في النار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 39] .
وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: 107] 41.
10.يوم الحسرة.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: 39] .