فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 2431

قال ابن القيم: «فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانًا مشؤمة على من قاربها وسكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشؤمًا نذلًا يريان الشر على وجهه، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون، والطيرة الشركية لون آخر» 110.

وعلى هذا فلا يوجد تعارض بين هذه الأحاديث وغيرها التي جاء النهي فيها عن التشاؤم بالأماكن كالدار ونحو ذلك.

خامسًا: التشاؤم بالألقاب:

ومن صور التشاؤم عند العرب ما ذكره ابن القيم رحمه الله حيث قال: «وقد كانت العرب تقلب الأسماء تطيرًا وتفاؤلًا، فيسمون اللديغ سليمًا باسم السلامة، وتطيرًا من اسم السقم، ويسمون العطشان ناهلًا، أي: سينهل -والنهل: الشرب- تفاؤلًا باسم الري، ويسمون الفلاة مفازةً، - أي: منجاةً - تفاؤلًا بالفوز والنجاة، ولم يسموها مهلكة لأجل الطيرة» 111.

وقال أيضًا: «وكانت لهم مذاهب في تسمية أولادهم، فمنهم: من سموه بأسماء تفاؤلًا بالظفر على أعدائهم، نحو غالبٍ وغلابٍ، ومالكٍ، وظالمٍ، وعارمٍ، ومنازلٍ، ومقاتلٍ، ومعاركٍ، ومسهرٍ، ومؤرقٍ، ومصبحٍ، وطارقٍ، ومنهم: من تفاءل بالسلام كتسميتهم بسالم، وثابت، ونحوه، ومنهم: من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة كسعدٍ، وسعيد، وأسعد، ومسعود، وسعدى، وغانم، ونحو ذلك، ومنهم: من قصد التسمية بأسماء السباع ترهيبًا لأعدائهم نحو أسد، وليث، وذئب، وضرغامٍ، وشبل، ونحوها، ومنهم: من قصد التسمية بما غلظ وخشن من الأجسام تفاؤلًا بالقوة كحجر، وصخر، وفهرٍ، وجندلٍ، ومنهم: من كان يخرج من منزله وامرأته تمخض فيسمي ما تلده باسم أول ما يلقاه كائنا من كان من سبع أو ثعلب أو ضب أو كلب أو ظبي أو حشيش أو غيره» 112.

ومنعا للتشاؤم سمت العرب المنهوش بالسليم، والبرية بالمفازة؛ تفاؤلًا في تجاوزها والفوز، لئلا يهلكوا فيها عند قطعها، وكنوا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على الأمور 113.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسمية المولود بما يتطير به، وذلك بما صح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسم غلامك رباحًا، ولا يسارًا، ولا أفلح، ولا نافعًا) 114.

وفي رواية أخرى: (ولا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لا. إنما هن أربع فلا تزيدن علي) 115.

وكذلك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن أن يسمى بيعلى، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنها، فلم يقل شيئًا، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك) ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك، ثم تركه 116.

ومعنى هذه الأحاديث: «أن الناس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها أو معانيها، وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد إذا سألوا فقالوا: أثم يسار أو نجيح؟ فقيل: لا، فتطيروا بنفيه وأضمروا اليأس من اليسر وغيره، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والإياس من الخير» 117.

«وقول جابر رضي الله عنه: «ثم سكت عنها» : دليل أنه ترك النهي، وأن نهيه أولًا إنما كان نهي تنزيه وترغيب؛ مخافة سوء الفأل، وما يقع في النفس مما ذكره، وعكس ما قصده المسمى بهذه الأسماء من حسن الفأل، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام اسمه رباح، ومولى اسمه يسار، وسمى ابن عمر غلامه نافعًا، وكراهته صلى الله عليه وسلم اسم حزن وسماه سهلًا، واسم حرب ومرة لقبح معانيها، وكراهة النفوس لها، وكذلك غير اسم غراب لتشاؤم العرب به، ولما في اسمه من الغربة، ولخبثه وفسقه، وقد غير اسم شيطان وحباب، وقيل أيضًا: لأنه اسم الحية، وغير اسم أصرم؛ لما فيه من ذكر الصرم وهو القطيعة، واسم شهاب؛ لأنه شعلة من نار» 118.

سادسًا: التشاؤم بالأرقام:

التشاؤم بالأرقام عادة لم تكن موجودة عند العرب، ولم يكن هذا الأمر معروفًا إلا عند الغربيين، ومعناه أنهم يتوقعون ما سوف يحصل لهم من أحداث سيئة بسبب رؤيتهم بعض الأرقام التي يحسبون أنها تجلب الشؤم والحظ السيء، وهذا بعيد عن مبادئ الإسلام الحنيف الذي يفوض كل ما يصيب الإنسان إلى قضاء الله وقدره الجاري على كل الكون.

حيث يتشاءم النصارى وغيرهم من بعض الأرقام، وأشهر رقم يتشاءمون به هو الرقم - 13 - ولذلك حذفته بعض شركات الطيران من ترقيم المقاعد، وحذفته بعض العمارات من أرقام الطوابق والشقق؛ لأن الناس يتشاءمون من ذلك الرقم، ويقال: إن قصة ذلك سببها خرافة نصرانية تزعم أن حواريي عيسى عليه السلام عددهم اثنا عشر حواريًا، فانضم إليه يهوذا الأسخريوطي فصاروا ثلاثة عشر، وهذا الأخير هو الذي وشى بعيسى عليه السلام وتسبب في صلبه - كما يزعمون -؛ فلذلك كرهوا هذا الرقم وتشاءموا منه، وهذه خرافة ظاهر بطلانها؛ ذلك أن الأرقام لا تقدم ولا تؤخر، وأن عيسى عليه السلام لم يصلب ولم يقتل، بل رفعه الله إليه 119.

وقد نفى الله تعالى ذلك بقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] .

ولا دخل للرقم (13) في ذلك.

وسار على منهج هؤلاء في التشاؤم من الأرقام الشيعة كما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله بقوله عنهم: «وأما سائر حماقاتهم فكثيرة جدًا، منها: كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة، حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع، ونحو ذلك، لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، ويبغضون هؤلاء إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويبغضون سائر المهاجرين، والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم -تحت الشجرة- وكانوا ألفًا وأربعمائة، وقد أخبر الله أنه قد رضي عنهم، ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يجب هجر هذا الاسم (يعني الرقم عشرة) لذلك، كما أنه سبحانه وتعالى لما قال: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) } [النمل: 48] لم يجب هجر اسم التسعة مطلقًا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، كقوله تعالى في متعة الحج: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] .

وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] .

وقال تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) } [الفجر: 1 - 2] .

وقد ثبت في الصحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله تعالى) 120، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر) ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة، فإنهم يبغضونهم إلا عليًا 121.

ويتضح مما تقدم: أن التشاؤم بالأرقام عادة مستحدثة لم يكن لها وجود إلا عند الغربيين، ثم انتقلت إلى المسلمين، فصار بعضهم يتشاءم من بعض الأرقام، وهو اعتقاد باطل لا صحة له؛ لأنه لا دخل للأرقام فيما يصيب الإنسان من خير أو شر، بل الأمر متعلق بقضاء الله تعالى وقدره.

سابعًا: التشاؤم بالأحداث:

هو التشاؤم بالمصائب والبلايا التي تصيب الإنسان، أو الحروب، أو الزلازل، أو المجاعات، فيذيع خبرها بين الناس، فيصيب بعضهم الجزع واليأس والشؤم، ومنهم من إذا أصيب بمصيبة أو بلية من مرض، أو خسارة، أو موت ونحو ذلك نسب كل ما أصابه إلى سوء الحظ، وذلك لسوء ظنه بالله تعالى، وعدم الرضا والتسليم لقضاء الله تعالى وقدره، وهذا كله منافٍ لإيمان المسلم؛ لأنه لا يجتمع الإيمان مع التشاؤم، فالأمر كله لله تعالى؛ لذلك قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) } [الأنعام: 17] .

«فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضر والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد به سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد، لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله تعالى على أن لله فيه فعلًا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخير، لا يملك ذلك غيره» 122.

قال الزمخشري: « {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، فلا قادر على كشفه إلا هو {وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} من غنى أو صحة {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فكان قادرًا على ادامته أو إزالته» 123.

وجاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) 124.

ولا يجوز للعبد التشاؤم من الزمان وحوادثه؛ لما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) 125.

ودلالة الحديث: أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها، من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر، ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر، أي: لا تسبوا فاعل النوازل؛ فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى: (فإن الله هو الدهر) ، أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات 126.

ولا يصح التشاؤم من البلايا والمصائب كالمرض مثلًا؛ لأن فيه تهذيبًا للنفس وتكفيرًا للخطايا، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب -أو أم المسيب-، فقال: (ما لك؟ يا أم السائب -أو يا أم المسيب- تزفزفين 127؟) قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد) 128.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له) 129.

وهكذا يكون المسلم دائمًا مع الأحداث، ويترك دواعي الشؤم التي تعتريه وتبعث في نفسه الخوف وتوقع حدوث الشر، ويرجعها إلى خالقها، ويسأله من خيرها، وأن يدفع عنه شرها، وأن يؤمن أن الله تعالى قد يبتلي العبد بشتى البلايا والمصائب ومكاره الدنيا، من القحط والجدب والمرض ونحو ذلك، مثلما ينعم عليه من النعم التي لا تحصى.

وليعلم أن ما أصابه من الأحداث مما يكره إنما هو بتقدير الله تعالى، وربما تتسلط عليه بسبب ذنوبه كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة: 155 - 157] .

ولا شك أن الله عز وجل يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر؛ لذلك قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

فالأمر كله راجع إلى الله تعالى، والواجب على المسلم حسن الظن به والتوكل عليه، وأن ما أصابه مما يكره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه لا على ما تجري به الأقدار.

يعتقد المتشاءمون قديمًا وحديثًا بنسبة المصائب والبلايا التي تصيبهم إلى أشخاص معينين، حيث يظنون أن ما يصيبهم من بلاء وشر إنما هو بسببهم، كما أخبر الله تعالى عن تشاؤم آل فرعون وقومه بموسى عليه السلام في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) } [الأعراف: 131] .

أي: «يتشاءمون بهم، ويقولون: هذا من أجل اتباعنا لك وطاعتنا إياك، فرد الله عليهم بقوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} ، يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق» 130.

وكذلك تشاؤم قوم ثمود، حيث نسبوا ما أصابهم من بلاء إلى نبيهم صالح عليه السلام في قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل: 47] .

أي: قالت ثمود لرسولها صالح عليه الصلاة السلام: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، فأجابهم صالح فقال لهم: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} ، أي: ما زجرتم من الطير علمه عند الله، ولا يدرى أيكون ما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما ترجونه من العافية والمحاب 131.

ولحقهم في ذلك أصحاب القرية التي جاءها المرسلون: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس: 18 - 19] .

ومن ثم قوله تعالى فيما أخبر عن كفار قريش بأنهم يضيفون ما يصيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء: 78] .

ولا يقتصر التشاؤم على العرب فقط، بل تشائمت اليهود أيضًا من قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقالوا: «غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مذْ أتانا» 132.

لا شك أن للتشاؤم آثارا سيئة تنعكس على المتشائم، وتسبب له خللًا في عقيدته، وتورث في نفسه أمورًا كثيرة، كضعف الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، والتسخط على كل ما يصيبه في حياته من أقدار، وعدم التوكل على الله تعالى، مع اعتقاده أن التشاؤم يضره.

وقلما يخلو من التشاؤم أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته، وصده القضاء عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف إليه أقرب، فإذا عاقه القضاء، وخانه الرجاء، جعل الطيرة عذر خيبته، وغفل عن قضاء الله عز وجل ومشيئته، فإذا تطير أحجم عن الإقدام، ويئس من الظفر، وظن أن القياس فيه مطرد، وأن العبرة فيه مستمرة، ثم يصير ذلك له عادة، فلا ينجح له سعي، ولا يتم له قصد 133.

وقد ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) 134.

«ومعنى هذا: أن من تشاءم تشاؤمًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطير به، حتى يمنعه مما يريد من حاجته؛ فإنه قد يصيبه ما يكرهه، فأما من توكل على الله ووثق به، بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاءً وقطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات -أي ما ذكر في الحديث المذكور آنفا-ومضى، فإنه لا يضره ذلك» 135.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لا تضر الطيرة إلا من تطير» 136.

قال ابن القيم: «والتشاؤم إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضره البتة، ولا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» 137.

ولا يخلو المتشائم بتشاؤمه من الوقوع في الشرك ووساوس الشيطان.

ويقول أيضًا: «فالطيرة باب من الشرك وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، يكبر ويعظم شأنها على من اتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها، وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها ولا ألقى إليها باله ولا شغل بها نفسه وفكره. واعلم أن من كان معتنيًا بها قائلًا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدر، فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه، فإذا سمع سفرجلًا أو أهدي إليه تطير به، وقال: سفر وجلاء. وإذا رأى ياسمينًا أو سمع اسمه تطير به، وقال: يأس ومين. وإذا رأى سوسنة أو سمعها قال: سوء يبقى سنة. وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة تطير به، وتشاءم بيومه» 138.

«والمتطير متعب القلب، منكد الصدر، كاسف البال، سيئ الخلق، يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفًا، وأنكدهم عيشًا، وأضيق الناس صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظ، ومنعها من رزق، وقطع عليها من فائدة» 139.

وقد يصل المتشائم عند شعوره باليأس وضعف الإيمان بالله تعالى إلى الكفر، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

قال ابن عباس: «إن المؤمن من الله على خير، يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وإن الكافر ليس كذلك» 140.

وعلى هذا: فإن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرًا، والمؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال، فلا يجتمع إيمانه بالله عز وجل مع اليأس وكراهيته ما قدره الله تعالى له.

وتتلخص آثار التشاؤم في عدة أمور منها 141:

1.ينافي الإيمان، ويضاد التوكل.

2.لا يدفع مكروها ولا يجلب محبوبًا.

3.دليل قلة العقل وذهاب الحلم.

4.اضطراب النفس وبلبلة الفكر.

5.الفشل في الحياة.

6.دعوة إلى تعطيل المصالح وترك السعي.

7.صفة من صفات الجاهلية، وعادة مذمومة من عاداتهم.

8.دعوة صريحة للكفر بالقضاء والقدر.

9.فيها مخالفة صريحة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

1.أولًا: الإيمان بالقضاء والقدر:

لا شك أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان العقيدة الصحيحة، وأصل من أصول الإيمان لا يصح إيمان إلا به، ومعلوم أن التشاؤم ينافيه؛ لأن فيه اعتراضًا وتسخطًا على أقدار الله تعالى الجارية على خلقه، وأنه لا يقع شيء إلا بقدر الله وقضائه ومشيئته، فالمؤمن يجب أن يؤمن بذلك، ويتوكل على الله تعالى، ولا يرده شعوره بالتشاؤم عن شيء فإنه لا يضره بشيء، فالأقدار سارية عليه بما قدرها الله تعالى له من الخير والشر.

قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر: 49] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت