أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (دين) تدل على الانقياد، والذُل، والدِين: انقيادٌ لله تعالى وذُلٌ له، والدَين فيه كل الذل للعبد 1.
ودان: أخد الدين، ودنته: أقرضته، وأدنته: استقرضته منه، وقيل: رجل دائن ومدين ومديون، ومدان: عليه الدين، وقيل: هو الذي عليه دين كثير.
وأدان، واستدان، وادان أخذ بدين 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الدَين: «هو الحق الذي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء» 3.
وقيل: «ما ثبت في الذمة من مال الآخر، سواء كان مؤجلًا أم لم يكن» 4.
وقيل: «كل معاوضة، يكون أحد العوضين فيها مؤجلًا» 5.
وقال القرطبي: «وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا، والآخر في الذمة نسيئة؛ فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا» 6.
وردت مادة (دين) في القرآن الكريم (101) ومرة 7، والتي تتعلق بموضوع الدَين (8) مرات.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]
المصدر ... 5 ... {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء:12]
اسم المفعول ... 2 ... {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) } [الصافات:53]
وجاء الدين في القرآن على معناه اللغوي، وهو: القرض ذو الأجل، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى 8.
القرض:
القرض لغةً:
إعطاء رجلٍ قرضًا ودفعٌ إليه مالًا، وأقرضه: أعطاه قرضًا من ماله 9.
القرض اصطلاحًا:
«الجزء من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة؛ ليقطع له من أثوابه إقطاعًا مضاعفة» 10.
الصلة بين القرض والدين:
الدين: ما له أجلٌ، والقرض ما لا أجل له، والقرض أكثر ما يستعمل في العين والورق، هو أن تأخذ من مال الرجل درهمًا؛ لترد عليه بدله درهمًا، فيبقى دينًا عليك إلى أن ترده، فكل قرضٍ دينٌ، وليس كل دينٍ قرضًا 11.
السلف:
السلف لغةً:
من الفعل سلف، والسلف من القرض، والسلف: كل شيءٍ قدمته فهو سلفٌ 12.
السلف اصطلاحًا:
وهو المال الذي يقدم لما يشترى نساءً، أي: مؤخرًا 13.
الصلة بين السلف والدين:
السلف هو ما قدم من الثمن على المبيع، والدين ما ثبت في الذمة من مال الآخر 14.
الإعارة:
الإعارة لغة:
وهي اسم لعملية الاستلاف، أو لعقد الإعارة، مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: من التعاور، أي: التداول أو التناوب.
الإعارة اصطلاحًا:
«تمليك المنفعة بغير عوض» 15.
الصلة بين الدين والإعارة:
يتضح من خلال التعاريف السابقة أن الدين يكون في المال والأعيان التجارية. أما الإعارة فهي في الماعون.
الإيجار:
الإيجار لغةً:
«الهمزة والجيم والراء أصلان يمكن الجمع بينهما بالمعنى، فالأول: الكراء على العمل، والثاني: جبر العظم الكسير، فأما الكراء فالأجر والأجرة، وأما جبر العظم فيقال منه: أجرت اليد» 16.
الإيجار اصطلاحًا:
«عقد على منفعة معلومة مباحة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم مدة معلومة» 17.
الصلة بين الدين والإيجار:
من التعريفات السابقة يتبين أن الدين ما تعطيه غيرك من مال أو غيره على أن يرده إليك، والإيجار هو الأجرة على العمل دون أن يرد.
الهبة:
الهبة لغةً:
وهب له الشيء، أي: أعطاه إياه بلا عوض، وتصريفه: وهبه -يهبه- وهبًا 18.
الهبة اصطلاحًا:
«تمليك العين بلا عوض» 19.
الصلة بين الدين والهبة:
الدين تمليك لزمنٍ محدود يجب رده لصاحبه، وأما الهبة فهي تمليك لا يرد مطلقًا.
الغرم:
الغرم لغةً:
غرم يغرم غرمًا، ورجل مغرمٌ، من الغرم والدين، وقد أغرم بالشيء أي: أولع به، والغريم الذي عليه الدين، وقد يكون الغريم أيضًا الذي له الدين 20.
الغرم اصطلاحًا:
«أداء شيءٍ لزم من قبل كفالةٍ، أو لزوم نائبةٍ في ماله من غير جناية» 21.
الصلة بين الدين والغرم:
الغرم أثقل من الدين، فالمغرم: المثقل بالدين المولع به، لقوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [الطور: 40] 22.
السداد:
السداد لغةً:
الإصلاح والاستقامة والتوثيق، وسد يسد: صار سديدًا 23.
السداد اصطلاحًا:
إرجاع الدين إلى الدائن من قبل المدين بتوثيق ذلك، واستقامة من قبل كليهما.
الصلة بين السداد والدين:
الدين تمليك لزمن محدد يجب رده، والسداد هو ذلك الرد.
تستمد أحكام الدين الإسلامي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .
وقوله أيضًا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يبين الأمر بكتابة الدين؛ للإرشاد والتنبيه للمؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
وقد جعل الله تعالى في مشروعية التداين بعض القواعد التي يجب أن يحتاط بها الدائن والمدين، خلاصتها في آية الدين من سورة البقرة، ومن أهم هذه القواعد ما يأتي:
1.تحديد الزمن.
قال تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} .
يقول أبو السعود: «أي: مسمى بالأيام أو الأشهر ونظائرهما، مما يفيد العلم ويرفع الجهالة» 24.
2.الكتابة.
ورد ذلك في قوله تعالى: {فَاكْتُبُوهُ} ، هذا توجيه من الله تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بديون مؤجلة بأن يكتبوها، وذلك أحفظ للدين سواء لمقداره أو ميقاته، وأضبط للشهادة فيه؛ لقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] 25.
3.حضور الشهود.
قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] .
لقد أمرنا الله تعالى بالكتابة والإشهاد على الكتابة؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة، فأمرنا بالكتابة؛ كي لا ننسى، وبالشهود حجة على الطرفين حتى لا يغدر أحدهما بالآخر 26.
وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على قضايا الدين في حياة الأمة؛ لما لها من أهميةٍ اجتماعية وأخلاقية في المجتمع المسلم، وللحفاظ على المال العام والخاص من الضياع؛ فلذلك ذكر أحاديث كثيرة تحذر من مغبة أكل الدائن لمال المدين الذي استدان منه، أو المماطلة في سداده، ومن هذه الأحاديث:
4.وفاء الدين.
يجب على الغني الوفاء بدينه، ويحرم عليه المماطلة في سداد الدين، فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلمٌ) 27.
معنى مطل الغني: أي: تسويف القادر المتمكن من أداء الدين الحال ظلم منه لرب الدين، فهو حرام بل كبيرة 28.
وفيه دلالة على أن الحوالة إنما تكون بعد حلول الأجل في الدين؛ لأن المطل لا يكون إلا بعد الحلول، وفيه ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدين والتوصل إليه بكل طريق، وأخذه منه قهرًا 29.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين) 30.
وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنت صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غير مدبر، إلا الدين؛ فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك) 31.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على رجل مات وعليه دين، وليس أحدٌ يضمن سداده، فإذا تضمنه أحدٌ صلى عليه، وإلا أمر أن يصلى عليه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلًا، فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين:(صلوا على صاحبكم) ، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته) 32.
إن التداين بدين إلى أجل مسمى يقتضي العمل على حفظ هذا الدين، حتى لا تضيع الحقوق، وتحدث المنازعات، ويخون الناس بعضهم بعضًا، وبيان هذه الأحكام فيما يأتي:
أولًا: حكم كتابة الدين:
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] .
ابتدأت الآية الكريمة بخطاب المؤمنين فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، فمن اتصف بالإيمان طبق ما كلفه الله تعالى به بأكمل وجه؛ فالله تعالى قد أمر بالكتابة في الدين لحكمة أراد بها حماية حركة الحياة عند الناس، ورفع الحرج فيما بينهم، لذلك جاء الأمر منه سبحانه بالكتابة فقال: {فَاكْتُبُوهُ} 33.
والآية تحمل في طياتها الأمر بكتابة جميع عقود الديون؛ فقوله سبحانه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} ، أي: إذا تعاملتم بدين ما، من أي صنف من أصناف المداينة، فاكتبوا هذا الصنف.
واختلف العلماء في هذه الكتابة أهي واجبة أم مستحبة؟
فقال بعضهم: هي واجبة؛ لأن الله تعالى يعلم طبيعة البشر، حيث إن فيهم من لا يؤتمن على حقوق الآخرين، فأمر بالكتابة لأجل أن يحفظها. والأكثرون قالوا: إنه أمر على الاستحباب، فإن ترك فلا بأس، كقوله تعالى في الانتشار بعد أداء صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 1] .
وقال بعضهم: كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضًا، ثم نسخ الكل بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283] 34، أي: بدون مكاتبة بينهما، تترك المكاتبة لأمانة المتداين ما دام صاحبه قد أمنه على ماله.
ثانيًا: شروط كاتب الدين:
ولأهمية الكتابة جعل الله تعالى لها شروطًا يحفظ من خلالها حقوق المتداينين، منها ما يتعلق بالدين نفسه، ومنها ما يتعلق بالمتداينين، ومنها ما يتعلق بكاتب الدين، ومنها ما يتعلق بشهود عقد الكتابة، وفيما يأتي نبين بعض الشروط المتعلقة بكاتب عقد الدين:
1.العدل بين المتداينين.
الذي له الدين قد يتهم في الكتابة من الذي عليه الدين، وكذلك بالعكس، فشرع الله سبحانه كاتبًا غيرهما، وأمر سبحانه أن يكتب بالعدل، فلا يكون في قلبه ولا قلمه مودة تؤدي إلى ظلم الآخر، فلا يكتب لصاحب الحق أكثر من حقه، محاباة له، وخاصة إذا كان الطرف الآخر لا يحسن القراءة، أو لا يفهم معاني اللغة، وذلك بالتدليس أو الالتفاف بالألفاظ التي يصعب عليه فهمها، أو بالتغير والتبديل فيما أملي عليه، وألا يزيد في المال أو الأجل، وكذلك لا يقلل في الكتابة من حق صاحب الحق بنفس الطريقة أو بغيرها 35.
يقول الزحيلي في تفسيره: «لقد بين الله كيفية الكتابة وعين من يتولاها، وذلك بأن يكتب كاتب مأمون عادل محايد، فقيه متدين يقظ، دون ميل لأحد الجانبين، مع وضوح المعاني، وتجنب الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة، فهو كالقاضي بين الدائن والمدين، وهذا يدل على اشتراط العدالة في الكاتب، والعلم بكيفية كتابة وثيقة الدين» 36.
2.العلم بكيفية كتابة العقود.
قال تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .
(كاتب) أي: عالم بالأحكام الشرعية والفقهية والقانونية المتعلقة بالدين، والشروط المرعية عرفًا ونظامًا، كما شرعه الله وأمر به، فليكتب بحيث لا يزيد ولا ينقص، ويكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة، ولا يخص أحد الخصمين بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون كل واحد منهما آمنًا من إبطال حقه، وأن يكون ما يكتبه متفقًا عليه عند العلماء، وأن يحترز من الألفاظ التي يقع النزاع فيها 37.
ثالثًا: شروط كتابة الدين:
إن الله تعالى جعل كتابة الدين حفظًا للحقوق، ووضع سبحانه للكتابة شروطًا؛ لتقوية هذه العقود من أهمها:
1.أن يكون الكاتب من غير المتداينين.
لقد قرر الله تعالى لكاتب الدين أن يكون طرفًا ثالثًا غير المتداينين، حتى لا يكتب أحدهما لنفسه على الآخر، ولذلك اشترط سبحانه على الكاتب العدالة في نفسه، أي: أن يكون محقًا في كتابته، وبيان ذلك في قوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
أي: كاتب آخر غيركم، وأن يكتب بالحق والمعدلة، فالباء في قوله تعالى: {بِالْعَدْلِ} متعلقة بقوله: {وَلْيَكْتُبْ} وليست متعلقة بكلمة {كَاتِبٌ} ؛ لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا والعدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد إذا أقاموا فقهها. أما المنتصبون لكتبها في مناصب الدولة فلا يجوز للولاة أن ينصبوهم للكتابة إلا عدولًا مرضيين، قال مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون؛ لقوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
على هذا تكون لفظة {بِالْعَدْلِ} في موضع صفة للكاتب الذي هو موكل بكتابة عقد الدين 38.
2.إملاء المدين.
لقد جعل الله تعالى الكتابة لأجل توثيق الدين، وجعل توثيق الدين لأجل حفظ الحقوق، ولذلك ينظر للضعيف في هذا العقد؛ لأجل حفظ حقه من القوي، فالجانب الضعيف هو المدين، فلذلك جعل الله تعالى إملاء الكتابة بيده لا بيد الدائن، فلذلك حدد الله الذي يملل في قوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282] .
أي: يملي الذي عليه الدين، فيملي الصيغة التي تكون حجة عليه.
وإن من حكمته سبحانه بألا يملي الدائن؛ لأن المدين عادة يكون في مركز الضعف، ولو جعل الإملاء بيد الدائن لأملى ما لا يتحمله المدين، مستغلًا ضعفه وحاجته للدين، فعندما يأتي ميعاد السداد لا يستطيع تنفيذ ما أملي عليه. فلذلك جعل الله تعالى الإملاء بيد المدين، فيملي ما يكون عليه حجة عليه 39.
فإن لم يكن المدين قادرًا على إملاء الدين، فإنه ينيب عنه غيره.
فقد يكون الذي عليه الدين سفيهًا، أو ضعيفًا، أو لا يستطيع أن يمل من ضعف في المعرفة، فالله تعالى وضع الحل في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
إن الحجر على مثل هؤلاء بالإملاء في كتابة عقود الدين يأتي من ضعف في الرأي عندهم، وخفة في عقولهم، وهو ما يسمى بالسفه، وليس السفه في هذه الآية بمعنى الفساد؛ لأنه لا يمكن وصف المؤمنين بالسفاهة التي بمعنى الفساد، فتسميتهم بهذا اللفظ هو لخفة في عقولهم، وليس ذلك لتحقيرهم، وكذلك من ضعف في القراءة والكتابة، فمثل هذه الأعذار تستوجب ممن يتولى الإشراف على كتابة عقد الدين، أن يستبدل أمثال هؤلاء بمن ينوب عنهم ممن يملكون الأهلية في الكتابة، وسفه بمعنى: استخف؛ لأن السفاهة خفة العقل واضطرابه، يقال: تسفهه، أي: استخفه 40.
يقول الرازي: «إن إدخال حرف {أَوْ} بين هذه الألفاظ الثلاثة، أعني: السفيه، والضعيف، ومن لا يستطيع أن يمل، يقتضي أن تكون أمورًا متغايرة؛ لأن معناه: أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفًا بإحدى هذه الصفات الثلاث، {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} ، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي، ناقص العقل من البالغين، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية، والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس، أو جهله بماله وما عليه، فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم، فقال تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} ، والمراد: ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة؛ لأن ولي المحجور السفيه، وولي الصبي، هو الذي يقر عليه بالدين، كما يقر بسائر أموره» 41.
3.كتابة الأجل.
إن من شرط كتابة عقد الدين أن يكون الدين لأجل، والأجل يجب تسميته وتحديده بحيث لا يكون مبهمًا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: 282] .
يعني الحق سبحانه بذلك: أن يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إذا تداينتم دينًا، أو إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم أو أخذتم به إلى وقت معلوم، فاكتبوا ذلك الدين أو البيع بينكم، ولا تتركوه مهملًا، فتقعوا في أمور محذورة لا تتوقعونها، ولا يحمد عقباها؛ إذ إن كتابة الدين تقتضي أن يوثق تاريخ الدفع فيه، وقد يدخل في ذلك القرض والسلم، وكل ما جاز فيه، فالسلم المسمى الذي أجل بيعه يصير دينًا على بائع ما أسلم إليه فيه. ويحتمل كذلك بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة، كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى، إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه 42.
وقد يكون البيع بالدين إلى أجل قريب، وقد يكون إلى أجل بعيد، فلما أمر بالكتابة عند المداينة، استثنى من الكتابة ما كان الأجل فيه قريبًا، والتقدير: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلا أن يكون الأجل قريبًا، وهو المراد من التجارة الحاضرة، وإنما رخص الله تعالى في ترك الكتابة والإشهاد في هذا النوع من التجارة؛ لكثرة ما يجري بين الناس فيها، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد؛ لشق الأمر على الخلق، ولذلك نجد أن من حكمة الله تعالى ورحمته بخلقه، استثناء هذا النوع من الدين من الكتابة 43.
4.قيمة الدين.
لقد اعتنى الشرع ببيان قيمة الدين المحرر في عقده، سواء كانت القيمة صغيرة أو كبيرة، أي: إن الله تعالى لم يحد نصابًا محدودًا لكتابة عقد الدين، إنما جعله في الكثير والقليل.
قال تعالى: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة: 282] .
قال ابن كثير: «هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: {وَلَا تَسْأَمُوا} ، أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله» .
وقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] .
أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو {أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي: أعدل {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} ، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة؛ لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا، {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} ، وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة.
رابعًا: مقاصد الكتابة: