يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب» 193.
ومما يدل على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) 194.
ومعلومٌ أن سعة الرزق والبركة فيه لها ارتباط وثيق بالأعمال الصالحة التي يقدمها العبد، فكلما ازداد العبد صلةً بالله عز وجل بارك الله له في رزقه، وأغناه من فضله، ومن الأعمال الصالحة الإنفاق في سبيل الله، وهو من الأعمال التي ترتبط بالرزق، فجزاؤه في الدنيا الإخلاف والبركة، وسعة الرزق، وفي الآخرة الجنة، ورضوان الله.
ومن الأعمال الصالحة التي تزيد في الرزق أيضًا صلة الرحم، وهذا من أجل الأعمال وأفضلها عند الله.
فقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه) 195.
فصلة الرحم لها علاقة بالرزق، والله عز وجل قد تكفل بأن يصل من وصلها، ويقطع من قطعها، والجميع يقصر في هذا الجانب إلا من رحم الله، خاصة مع تعقيدات الحياة المعاصرة، وكثرة الارتباطات والأعمال، ولكن لا أقل من أن يرفع المرء سماعة الهاتف، ويطمئن على ذوي رحمه.
والمقصود أن الصدقة من أهم موجبات توسيع الرزق، كما أنها تصون المال الباقي وتحفظه وتبعد عنه الكوارث وتزيده نماءً، والصدقة من الأمور المجربة في استنزال الرزق! وكأن الله عز وجل يقول: أنت دفعت لأخيك مالًا أكرمته، أنا أولى منك بالإكرام؛ لذا أوسع عليك في الرزق! وبما أن الصدقة هي عبارة عن تطهير للنفس؛ لذا فهي من مواطن استجابة الدعاء، وبإمكان الإنسان أن يطلب من الفقير الذي تصدق عليه أن يدعو له بسعة الرزق!
ولابد من التنبيه إلى أمر مهم وهو أن سعة الرزق أو ضيقه قد تعني بالدرجة الأولى ما يجعله الله تعالى من البركة فيما آتاه لعبده، وما يمتعه به من السعادة والطمأنينة به، وشواهد ذلك كثيرة من واقع الناس، فعلى المسلم أن يعلق قلبه بالله، وأن يحذر من الركون إلى الأسباب المادية، وينسى مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي تكفل برزق جميع المخلوقات.
كما أن للإنفاق في سبيل الله آثار دنيوية، فله أيضًا آثار أخروية، ومن هذه الآثار:
فمن فوائد الصدقة وآثارها الحميدة أنها طريق للظفر بمحبة الله ورحمته ورضاه، ففي الصدقة إحسان ورحمة، وتفضل وشفقة؛ ولذا كانت من وسائل نيل محبة رب العالمين، والحصول على رحمته، والظفر برضوانه؛ لأنه سبحانه يحب المحسنين، ويرحم الرحماء، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، فمما يدل على أن التصدق والإنفاق في مرضاة الله من دواعي حبه عز وجل للعبد: قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .
فقوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} تذييل للترغيب في الإحسان؛ لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس؛ إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة، واللام للاستغراق العرفي، والمراد: المحسنون من المؤمنين 196.
والمحسن مشتق من فعل الحسن، وكثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن، من حيث إن الإحسان حسن في نفسه، أو مشتق من الإحسان، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسنًا إلا إذا كان فعله حسنًا وإحسانًا معًا، فالاشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين. ومعنى: {وَأَحْسِنُوا} أي: في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطًا لا إسراف فيه ولا تقتير، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله، ويمكن حمل الآية على جميع وجوه الإحسان.
قال السعدي: «وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان؛ لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا الإحسان في عبادة الله تعالى» 197.
وفي الآية إثبات المحبة لله عز وجل، وهي محبة حقيقية على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنًى لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة، وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين.
فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدًا -وهو جبل- يحب ويحب، فقال: (هذا جبل يحبنا ونحبه) 198.
والإنسان يجد أن دابته تحبه وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه، وكذلك غيره من المواشي، والإنسان يجد أنه يحب نوعًا من ماله أكثر من النوع الآخر.
والصدقة أيضًا تورث جنات النعيم، كما قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 - 17] .
ففي هذه الآية ذكر الله تعالى جزاء المتقين، وهو جنات فيها من أصناف الخيرات، والنعيم المقيم، ولهم الأزواج المطهرة من كل آفة ونقص، جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق؛ لأن النفي يستلزم ضده، فتطهيرها عن الآفات مستلزم لوصفها بالكمالات، ولهم رضوان من الله الذي هو أكبر من كل شيء.
وذكر من صفاتهم أنهم (منفقون) أموالهم في طاعة الله، ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه، وفي الزكاة والجهاد، وسائر وجوه البر.
فهؤلاء المتقون المنفقون أموالهم في سبيل الله لهم هذا الأجر العظيم، الذي جاء في الآيتين، ومنه (رضوان من الله) الذي حرمه من لم يتصف بهذه الصفات، وعطف (رضوان من الله) على ما أعد للذين اتقوا عند الله؛ لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني.
قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] .
وأظهر اسم الجلالة في قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} دون أن يقول: ورضوان منه، أي: من ربهم؛ لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان.
والتنوين في (رضوانٌ) للتفخيم، أي رضوان وأي رضوان لا يقادر قدره كائن من الله عز وجل، فهو أكبر من كل متاع، فهو رضوان من الله، رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما، ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة، وبكل ما في ظله من حنان.
فرضوان الله ومحبته والتفاته وعطفه كل هذه غاية يتوخاها الإنسان، بل يبذل للحصول عليها كل غالٍ ونفيس، وما أسعد الإنسان وهو يرى نفسه محبوبًا لله سبحانه، راضيًا عنه، على أن في الإخبار بالرضا والمحبة في الآيتين السابقتين فرقًا ظاهرًا وواضحًا، فإن المحبة أمر أعمق من مجرد الرضا، فمحبة الله لها معنى عظيم له تأثيره الخاص في النفس.
ومن النصوص الدالة على أن الصدقة دافعة لغضب الله وسخطه، جالبة لرضوانه ورحمته: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) 199. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي تضمن قصة الأبرص والأقرع والأعمى، وفيه قول الملك للأعمى لما بذل المال محتسبًا الثواب من الله، وأمسكه صاحباه شحًا به وبخلًا: (أمسك مالك، فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك) 200.
كما أتت أحاديث عديدة تبين أن الله يحب المتصدقين، وذوي البر والإحسان، وصانعي المعروف، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) 201.
كما جاءت أحاديث تبين أن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء بخلقه، المشفقين على عباده -وهي صفة المتصدق- ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء) 202، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل) 203.
فيا طامعًا في محبة الله ورضوانه، ويا راجيًا رحمته وإحسانه: عليك بالصدقة، فإنها نعم الوسيلة لتحقيق غايتك، والوصول إلى بغيتك.
فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحض على الإنفاق في تجهيز جيش العسرة، فجاء بتسعمائة بعير برواحلها ومراكبها ونفقاتها وسلاحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم) 204.
فقد حل عليه رضوان الله الأكبر الذي لا سخط بعده.
وجعل الله الصدقة سببًا لغفران المعاصي، وإذهاب السيئات، والتجاوز عن الهفوات، دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ومنها: قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .
وهذا نص عام يشمل كل حسنة، وفعل خير، والصدقة من أعظم الحسنات والخيرات، فهي داخلة فيه بالأولوية.
وقوله سبحانه: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .
وقوله عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] .
فهاتان الآيتان أفادتا أن من أولى وأجل ما تنال به مغفرة الله للخطايا، وتجاوزه عن الذنوب الإنفاق في مرضاته سبحانه.
ومما يدل على أن الصدقة تمحو الذنوب وترفع الدرجات: قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .
يقول السعدي رحمه الله: «أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة، وتزكيهم أي: تنميهم وتزيد في أخلاقهم الحسنة وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم» 205.
وقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .
قال ابن كثير رحمه الله: «أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله ... ، {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء و {وَفَضْلًا} أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر» 206.
ومن النصوص الدالة على ذلك: ما أخرجه البخاري في باب: الصدقة تكفر الخطيئة من حديث حذيفة رضي الله عنه، وفيه: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف) 207.
ومن فوائد الإنفاق الأخروية: أن الناس إذا حشروا يوم القيامة واشتد الكرب فإن المتصدقين يتفيئون في ظل صدقاتهم، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس) أو قال: (حتى يحكم بين الناس) قال يزيد -راوي الحديث-: وكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة أو كذا 208.
وقال في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) 209. وقوله: (في ظل صدقته) ظاهره العموم، فيشمل صدقته الواجبة والنافلة، والمراد: يوم القيامة، حين تدنو الشمس من الرؤوس، ويبلغ الكرب في الناس مبلغه.
والمقصود أن أعمالهم تظلهم أو تضحيهم، فإضافة الظل إلى الأعمال إضافة سبب؛ فالأعمال الصالحة أصحابها في ظلها، وكل ذلك في ظل العرش.
وليس المراد بها ظله من حر الشمس فقط، بل تمنعه من جميع المكاره، وتستره من النار إذا واجهته، وتوصله إلى جميع المحاب، من قولهم: فلان في ظل فلان، وتمسك به من فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، ولو لم يكن في فضل الصدقة إلا أنها لما تفاخرت الأعمال كان لها الفضل عليهن لكفى 210.
والمقصود أنه مما جاء في الترغيب بالصدقة أن صاحبها يكون في ظلها يوم القيامة، ويمكن أن نقول: الصدقة تجسمت، أو تجسم ثوابها، وتحول إلى مظلة تظل صاحبها، حتى يقضى بين الخلائق، ولا يناله ما ينال عامة الناس، من حرارة الشمس التي تدنو منهم فيعرقون، والأولى ترك التعمق في البحث في مدلول قوله: (في ظل صدقته) وتفويض ذلك إلى ما يعلمه المولى سبحانه، ويكفينا أن نقول: إن هذا أعظم موعظة، وأعظم مرغب في أن يكون الإنسان من المنفقين في سيبل الله.
ومن فوائد الصدقة، وآثارها الحميدة أنها سبب في دخول الجنة، وأصل ذلك بيان الرب سبحانه أن الجنة هي دار المحسنين والمحسنات من عباده وإمائه، فقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [المرسلات: 43 - 44] .
وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29] .
وقوله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] .
وقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] .
إلى غير ذلك من الآيات والإحسان هنا بمعناه العام، يدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وغيره.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [الرعد: 22 - 23] .
فذكر الله تعالى هاهنا الذين صبروا على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس ويخالفه الهوى، فعلوا ذلك ابتغاء وجه ربهم، وطلبًا لرضاه، لا فخرًا ورياء، وأقاموا الصلاة المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وأنفقوا مما رزقناهم من الأموال فرضًا ونفلًا، سرًا وعلانيةً، ويدرءون بالحسنة السيئة، أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان.
ثم ذكر جزاءهم، فقال: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} أي: عاقبة دار الدنيا، وما يؤل إليه أهلها، وهي: الجنة التي فسرها بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي: إقامة، {يَدْخُلُونَهَا} مخلدين فيها، والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة: أي: مداخلها 211.
ومما يدل على أن من آثار الصدقة دخول الجنة قوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18] .
فالأجر الكريم هنا: هو الجنة.
قال السعدي في تفسير: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} «أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية والنفقات المرضية {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرًا لهم عند ربهم {يُضَاعَفُ لَهُمْ} الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} وهو ما أعده الله لهم في الجنة مما لا تعلمه النفوس» 212.
ومن ذلك: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 3 - 4] .
فقوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم {وَمَغْفِرَةٌ} لما فرط من ذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أعده لهم في الجنة لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم.
ومما يدل على أن الإنفاق في سبيل الله من أسباب دخول الجنة: قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] .
فقد دلت هذه الآية على أن الأنفاق في سبيل الله وكظم الغيط والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثًا على ذلك.
ومن ذلك قوله: تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99] .
ففي قوله: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} يحتمل أن يكون المعنى: في جملة عباده الصالحين 213، أو: في جنته 214. ويحتمل الأمران معًا، كما عبر الطبري بقوله: «سيدخلهم الله فيمن رحمه، فأدخله برحمته الجنة» 215. والمقصود أنه وعدٌ من الله لهم بإحاطة الرحمة بهم، أو سيدخلهم في جنته التي هي محل رحمته وكرامته، والسين لتحقيق وقوعه.
ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 10 - 12] .
ففي هذه الآيات وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم، ومن هذه الأعمال الجليلة التي يكون بها المتاجرة مع الله تعالى: الإنفاق في سبيل الله، في الجهاد وغيره.
وبين الثمن بقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} والعدن في لغة العرب: الإقامة، فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم، لا يرحلون عنها ولا يتحولون، وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام.
{ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز بعده.