إنَّ الله سبحانه وتعالى لما طلب من الأغنياء جزءًا يسيرًا من أموالهم يعطونه للفقراء لم يكن ذلك على وجه يضر بالأغنياء ولا لتبديد أموالهم، ولا بالطريقة التي يفعلها أهل الضرائب، وإنما كان ذلك بطريقة سهلة وميسرة ومريحة للغني والفقير معًا.
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261] .
وقال تعالى: (. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد:11] .
قال ابن سعدي: «وتأمل هذا الحثَّ اللطيف على النفقة، وأن المنفق قد أقرض الله المليء الكريم، ووعده المضاعفة الكثيرة، كما قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) » .
ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوف الإملاق، أخبر تعالى أنَّ الغنى والفقر بيد الله، وأنه يقبض الرزق على من يشاء، ويبسطه على من يشاء، فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوف الفقر، ولا يظن أنه ضائع، بل مرجع العباد كلهم إلى الله، فيجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده مدخرًا، أحوج ما يكونون إليه، ويكون له من الوقع العظيم ما لا يمكن التعبير عنه 80.
ولا شكَّ أنَّ تضعيف المال والأجر للمتصدق أنه من تيسير الله تعالى له، وكذلك تطهيره وتنميته كما سبق، كما في قول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:103] .
وقد سبق ذكر قول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) [الليل:7] .
قال ابن سعدي رحمه الله: أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرًا له كلَّ خير، ميسرًا له ترك كلِّ شرٍّ، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك.
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحبَّ، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، (وَاسْتَغْنَى) عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه 81.
ومن أبرز مواضيع تيسير الزكاة:
أولًا: أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال، وإنما اقتصرت على بعض الأصناف مثل: بهيمة الأنعام، والأثمان، والزروع، وعروض التجارة.
ثانيًا: أنه يشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب، وهي في الفضة مائتي درهم، وفي الذهب عشرين مثقالا، وسائمة الإبل عن خمس، والبقر عن ثلاثين، والغنم عن أربعين، والحبوب والزروع والثمار عن خمسة أوسق.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) 82.
ثالثًا: أنه لم يجعل الله تعالى دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة، وذلك بعد أن يحول عليه الحول.
رابعًا: أنَّ مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة، بحيث لا يؤثر فيه كثيرًا، ولا يتأثر بذلك صاحبه. والله أعلم.
4.يسر الصيام.
قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?185?) [البقرة:185] .
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: يعني تعالى ذكره بذلك: يريد الله بكم، أيها المؤمنون -بترخيصه لكم في حال مرضكم وسفركم في الإفطار، وقضاء عدة أيام أخر من الأيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد برئكم من مرضكم- التخفيف عليكم، والتسهيل عليكم، لعلمه بمشقة ذلك عليكم في هذه الأحوال ولا يريد بكم العسر يقول: ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم، فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأحوال، مع علمه شدة ذلك عليكم، وثقل حمله عليكم لو حملكم صومه 83.
إنَّ الله سبحانه وتعالى أراد من تشريعاته التخفيف على للناس، وعدم إحراجهم، وأنه سبحانه وتعالى لم يشرع لهم إلا ما ينفعهم في الدنيا أو في الآخرة، وغالبًا ما يكون النفع فيهما، فكان مما شرعه الله تعالى لعباده فريضة الصوم، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، وشهوة الفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مدة شهر كامل ثلاثين يومًا، أو تسعة وعشرين يومًا.
وذلك في كلِّ سنة في شهر رمضان، وهذه الفريضة الربانية التي طلبها الله من العباد ظهرت فيها سماحة الإسلام جلية في أحوال عدة، ومن ذلك:
ويلاحظ أن الصيام المسقط عن الحائض والنفساء، والمريض يقضي حال زوال العذر بخلاف الصلاة فإنها لا تقضى بالنسبة للحائض والنفساء، وذلك رفعًا للحرج، فإن الصلاة تكرر خمس مرات في اليوم، فالحائض إذا اجتمع لها حوالي عشرة أيام تزيد أو تقل، فإنه يشق عليها القضاء، والنفساء يشق عليها أكثر بخلاف الصيام، فإنه بالنسبة للحائض يتراوح بين خمسة أيام وخمسة عشر يوما أو يوم أو يومين، فإنه يمكن قضاؤه دون مشقة، وأما بالنسبة للنفساء فأقصى ما يصل ثلاثون يوما وهذا أيضًا يمكن أداؤه؛ لأنه لا يزاحمه صيام آخر، بخلاف الصلاة فإنها في كلِّ يوم حتى في وقت قضاء الفائتة، يكون أداء الحاضرة.
5.اليسر في الحج.
لما كان السفر إلى بيت الله الحرام لأجل الحج، يحتاج إلى قوة بدنية، وقوة مالية، فإنَّ الله تعالى علم ضعف كثير من عباده في هاتين القوتين أظهر الله يسره وسماحته فخفف عنهم في هذه الفريضة، فقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] .
وقال جل وعلا: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة:196] .
فقد ذكر في الآيتين الأولى التيسير في أصل الحج، والثانية التيسير في أعمال الحج، وتتمثل جوانب التيسير فيما يلي:
أولًا: أنَّ الحج، وهو قصد بيت الله الحرام، لا يجب إلا مرة في العمر، فيسر الإسلام في هذه الفريضة ظاهرة، كما أوضحته الآية.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكلُّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:(لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) 84.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الرؤوف الرحيم بالأمة، خاف أن يفرض على أمته كل عام، فلا يستطيعوه.
ثانيًا: أنَّ الحجَّ يسقط عن من لم يستطيع، فمن فقد قوة البدن أو قوة المال فلا يجب عليه الحج بل يسقط عنه.
ثالثًا: التخيير بين المناسك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد. فأيُّ نسك من هذه الأنساك أهلَّ بها الحاجُّ قبلها الله تعالى منه، وكذلك: التخيير في الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد، الرمي والحلق والطواف، وهذا فيه تيسير على الحاج الذي يعاني من زحمة الناس والمواصلات والأسفار.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال آخر: حلقت قبل أن أذبح قال: لا حرج. قال آخر: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج) 85.
وكلُّ خلل في واجبات الحجِّ من غير قصد يجبر بفدية، وحجه صحيح إذا كان القصور من هذا الوجه فقط، ولم يكن من الأركان الأربعة، وهي الإحرام، والطواف والسعي، والوقوف بعرفة.
رابعًا: من اليسر في هذا الركن المبارك، أنَّ الله تعالى جعله سببًا لمغفرة الذنوب والخطايا، وقد وعد الرسول صلى الله عليه وسلم الحاجَّ بالجنة وأنه يرجع من حجه كيوم ولدته أمه، خاليًا من الذنوب، صفحته بيضاء ناصعة خالية من السيئات والذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: (من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) 86.
وقد جعله الله تعالى من الأعمال الفاضلة التي تلي الإيمان بالله والجهاد في سبيله، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله) . قيل: ثم ماذا؟. قال: (ثم جهاد في سبيل الله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (حجٌّ مبرور) 8788.
ثالثًا: اليسر في المعاملات:
أمر الله تعالى عباده بالتعامل باليسر في عدة آيات، بعضها بلفظ اليسر أو ما تصرف منه، وبعضها بلفظ يرادف اليسر.
قال الله تعالى في اليسر في معاملة الوالدين وخفض الجناح عندهما: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24] .
في هذه الآية يأمر الله تعالى عباده بعبادته، ثم ثنى ببر الوالدين، ثم بين كيفية برهما، وبين أدنى ما يسيء إليهما تنبيهًا على الأعلى.
قال الله تعالى بعد هذه الآية: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء:28] .
قال ابن باديس رحمه الله تعالى: «إن أعرضت عنهم فلا تعطهم؛ لأنك لم تجد ما تعطيهم- وهي الحالة التي تكون فيها تطلب رحمة من ربك راجيًا رزقه- فقل لهم قولًا لينًا سهلًا، فتواسيهم بالقول عند عدم السؤال، ولا تتركهم في ساحة الإهمال، وتردهم الرد الجميل عند السؤال، فتقول لهم: يرزق الله، ونحوه من لين الكلام» 89.
وقد وردت أحاديث عدة في ذلك ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أبوك) 90.
ومعنى الحديث: من أولى الناس بمعروفي وبري ومصاحبتي المقرونة بلين الجانب وطيب الخلق وحسن المعاشرة.
قال النووي: «وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاقِّ في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك ونقل الحارث المحاسبي إجماع العلماء على أنَّ الأمَّ تفضل في البرِّ على الأب. وحكى القاضي عياض خلافًا في ذلك فقال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم: يكون برهما سواء» 91.
ومن اليسر في المعاملة:
1.التعامل مع المدين.
قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ ? وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ? إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:280] .
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: «وإن كان» ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوس أموالكم (ذُو عُسْرَةٍ) يعني: معسرًا برؤوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء، فأنظروهم إلى ميسرتهم 92
2.اليسر والتسامح مع المطلقة، والإحسان إليها.
قال الله تعالى: (. لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ? وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ? لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ? سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق:7] .
3.اليسر مع كلِّ المؤمنين وخفض الجناح لهم.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) [المائدة:54] .
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإنَّ الله يأتي عوضًا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذلُّ للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر:88] .
وقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء:215] .
وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: (. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التحريم:9] .
وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران:159] .
وصرَّحَ بأنَّ ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، بقوله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29] » 93.
وقد أجاد الشيخ رحمه الله تعالى حيث ساق بعض آيات اليسر في التعامل مع المؤمنين بلفظ مرادف لليسر، ثم ساق أضداد ذلك بأنَّ ذلك اليسر واللين لا يكون مع الكفار. والله أعلم.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باليسر في المعاملة، وقد سبق بعضًا منها، من ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) 94.
وقوله: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى) 95.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثُّ الناس في البيع والشراء ورد الديون إلى استعمال اللين واليسر، ويكون رحيمًا بمن يعامله سمحًا معه، يرفق به إذا باع له، ويرفق به إذا اشترى منه.
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: قوله (رحم الله رجلًا) يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر، قوله (سمحًا) أي: سهلًا، وهي صفة مشبهة تدلُّ على الثبوت، والسمح: الجَوَادُ، يقال: سمح بكذا إذا جاد، والمراد هنا المساهلة، قوله: (إذا اقتضى) أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، وفيه الحضُّ على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم 96.
وهناك صور عدة في مجال التجارة يظهر فيها يسر الإسلام في مراعاة الناس في هذا المجال ومن ذلك:
رابعًا: اليسر في قراءة القرآن:
لا يخفى على كلِّ قارئ تيسير الله حفظ كتابه وتيسير تلاوته، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] .
قال ابن كثير: «أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29] » .
وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [الدخان:58] . قال مجاهد: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} يعني: هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل.
قال ابن كثير: «ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر) » 99100.
أولًا: اليسر في الجزاء الدنيوي:
سبق في يسر المعاملة ذكر التيسير على عباد الله فيما أعوزوا فيه، وهنا يذكر التيسير بمعنى الجزاء الدنيوي، وهو ما جاء في قوله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء:28] .
وقال جلَّ وعلا: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف:88] .
فقد أفادت هاتان الآيتان التيسير على عباد الله تعالى في الدنيا، وذلك بالقول والعمل.
قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر له المعاملة، وهذا يدلُّ على كونه من الملوك الصالحين الأولياء، العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في معاملة كلِّ أحد، بما يليق بحاله» 101.
وهذا من اليسر في التعامل، وقد سبق. والله أعلم.
ثانيًا: اليسر في الآخرة:
الله سبحانه وتعالى كما أن الحساب يسير عليه، فهو ييسره أيضًا على المؤمنين ويجعله عسيرا على الكافرين، فقال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق:7] .
وقال في شأن الكافر: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر:10] .
أثبت الله تعالى في آية المدثر العسر للكفار ونفى عنهم اليسر، وأثبت اليسر للمؤمنين في آية الانشقاق.
وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم ما يبين كيفية تيسير الحساب على المؤمن، وذلك من حديث ابن أبي مليكة، (أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه، إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من حوسب عذب) قالت عائشة: فقلت أوليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قالت: فقال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك) 102.
وأما قوله تعالى: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر:10] .
فقد قال القرطبي رحمه الله تعالى: «أي: فذلك اليوم يوم شديد {عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: على من كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم وسلم {غَيْرُ يَسِيرٍ} أي: غير سهل ولا هين، وذلك أن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المنيبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى» 103.
والحمد لله على تيسير الأمور وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
موضوعات ذات صلة:
السماحة، العبادة، الغلو، الفقه