فهرس الكتاب

الصفحة 2317 من 2431

وهدى الله سبحانه وتعالى هو «النقطة الثابتة التي يقف عليها من يؤمن به فلا تتزعزع قدماه، ولا تضطرب خطاه؛ لأن الأرض ثابتة تحت قدميه لا تتزلزل ولا تخسف ولا تغوص، وكل ما حوله -عدا الحق الثابت- مضطرب مائج مزعزع مريج، لا ثبات له ولا استقرار، ولا صلابة له ولا احتمال.

فمن تجاوزه فقد الثبات والاستقرار والطمأنينة والقرار، فهو أبدًا في أمر مريج لا يستقر على حال، ومن يفارق الحق تتقاذفه الأهواء، وتتناوحه الهواجس، وتتخاطفه الهواتف، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك، ويضطرب سعيه هنا وهناك، وتتأرجح مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال، وهو لا يلوذ من حيرته بركن ركين، ولا بملجأ أمين» 60.

فأي علم عند متبع الهوى جعله يبتعد عن الحق الثابت، ويعرض عن الهدى الواضح الأصيل والمنهاج السليم المبرأ من الخلل؛ لتتناوحه الشكوك وتتقاذفه الأهواء إنه لا شك جاهل، بل هو أجهل الجهلاء.

وهكذا يظهر من خلال تتبع أوصاف متبع الهوى في القرآن شدة تنفيره منه، وبغضه له، وصد الناس عنه، فنسأل الله أن يعيننا على مجانبة الأهواء، والتزام الصراط المستقيم.

ثالثًا: الوعد بالجنة لمن نهى النفس عن الهوى:

استحضار الأجر والثواب من أكثر ما يعين الإنسان على الفعل، ويدفعه للصبر على لأوائه ومتاعبه، وتحمل مشاقه ومصاعبه؛ ولذا فمن الأساليب التي اتبعها القرآن في النهي عن الهوى الوعد بالجنة لمن نهى النفس عن الهوى.

قال جل جلاله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .

ففي قوله سبحانه وتعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] .

إشارة إلى أن الإنسان «إذا لم يقم على نفسه ناهيًا ينهاها، وزاجرًا يزجرها عن اتباع هواها كلما دعتها دواعيه انقاد لهذا الهوى الذي يغلبه على أمره، ويطرحه في مطارح الضلال والهلاك» 61.

وما ذلك إلا لأن «الهوى هو الدافع القوي لكل طغيان وكل تجاوز، وكل معصية، وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى» 62.

فالهوى إذا بلاء عظيم، وجهاده يحتاج لصبر وتحمل، فمقاومة النفس وصرفها عن هواها جهاد و «الله يعلم ضخامة هذا الجهاد وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها، ورفعها إلى المقام الأسنى» 63.

ونهي النفس عن الهوى مكابدة وحرمان من لذائذ وشهوات الدنيا؛ لذا كان المقابل أن تجازى بالجنة التي حكى القرآن عنها كثيرًا، وفصل في نعيمها طويلًا، وأتى بكل ما تحبه النفس، بل ما لم يمكن تصوره من حور عين لا يحيط الخيال بحسن جمالهن، وخمر لذة للشاربين، وفواكه لا نعرف عنها إلا اسمها، لكن حقيقتها لا يتصوره عقل، ولحم طير مما تشتهيه النفس، وقصور لم ولن ترى الدنيا مثلها، وغير ذلك مما وصف الله في كتابه وبين نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته؛ ليشجع المجاهدين على الصبر في مقاومة إغراءات الهوى، ويحث الممتنعين عن الانغماس في الشهوات المحرمة على ثباتهم في مقاومة الهوى.

فمن «نهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41] » 64.

وأنعم به من مأوى حيث «العيون الجارية، والسرر المرفوعة، والأكواب الموضوعة، والنمارق المصفوفة 65 والزرابي المبثوثة 66 والكواعب 67 العرب الأتراب، ولقاء الأحباب» 68.

فلا شك أن استحضار هذا الجزاء العظيم، والخير العميم من أشد ما يعين العبد على مجانبة الهوى، ونهي النفس عنه كما أنه يقطع حجته في الميل للهوى بحجة أنه مركب في طبيعته «فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة جزاءً ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى» 69.

رابعًا: النهي عن طاعة أصحاب الهوى ومجالستهم:

ذكرنا فيما سبق أن القرآن الكريم تنوعت أساليبه في النهي عن اتباع الهوى، وكل ذلك لبيان خطره، والتنفير منه بشتى الصور التي تعين المرء على إدراك مدى بشاعته.

ومن هذه الأساليب الربانية الحكيمة: النهي عن طاعة أصحاب الهوى.

قال تعالى: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28] .

وقال سبحانه وتعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .

تتحدث الآية عن تبرؤ المحبين بعضهم لبعض، وتبرؤ التابع من المتبوع بعد تقطع أسباب المودة والحب، فقد جاءت بعد بيان الله لفئة تتخذ أندادًا ونظراءً؛ حبًا ومودة من دون الله، وهذا الحب غالبًا ما يكون منشأه الهوى، وميل النفس، ويعقبه تعظيم وطاعة، وهي مضمون العبادة التي وقع فيها هؤلاء فلو أنهم تبرءوا منهم وممن يعبدونهم ما تأثروا كما تأثر أترابهم وأصدقائهم.

وكذا النهي عن مجالستهم، حيث إنها طريقة من طرق محاربة هذا الصفة الذميمة، فالأفكار تنتشر عن طريق التواصل مع الآخرين، لاسيما المصاحبة والملازمة، فالصاحب -كما هو معلوم- ساحب، وقد قال صلى الله عليه السلام: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) 70.

والمقصود أن الإنسان يحاكي صاحبه في خلقه وسلوكه، فإن كان الصاحب متبعًا للهوى حتمًا سيؤثر في نفسه وسلوكه، وقد ذكر الله مآل أصدقاء السوء للحذر والتنفير من هذه الصداقة والمشابهة في السلوك، وبين أن مآلهم إلى الجحيم، قال سبحانه وتعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22 - 23] .

والمعنى: احشروا الذين ظلموا ومن هم على شاكلتهم من المذنبين، فهم أزواج متشاكلون 71.

وعن النعمان قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: أشباههم قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزنا مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر 72.

وأخبر جل جلاله: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} [الصافات: 33 - 34] .

وقوله: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ} [الصافات: 38] .

وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

جاءت هذه الآية بعد ذكر قصة أهل الكهف، وما كان من شأن صحبتهم الطيبة، وتعانق قلوبهم، واجتماع كلمتهم على حب الله؛ لتوجه النبي صلى الله عليه السلام إلى أهمية مصاحبة أهل التقى، وتحذره من مصاحبة أهل الأهواء الذين اقترحوا عليه طرد الفقراء والضعفاء ليجالسوه.

يقول ابن عاشور: هذه الآية جاءت ردًا على سادة المشركين، حيث إنهم زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناسًا أهل خصاصة في الدنيا، وأرقاء لا يدانوهم، ولا يستأهلون الجلوس معهم؛ لأتوا إلى مجالسة النبي صلى الله عليه السلام واستمعوا القرآن، فاقترحوا عليه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة قريش، فرد الله عليهم بهذه الآية 73.

وفي هذه الآية أمره «بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم -وإن كانوا فقراء- فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى» 74.

وتأمل كيف أن الله عبر عنهم بالموصول، فقال: {مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28] .

وذلك «للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، أي: لأنهم أحرياء بذلك؛ لأجل إقبالهم على الله، فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة» 75.

ثم قال بعدها: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] .

وفي ذلك تأكيد «الأمر بمواصلتهم بالنهي عن أقل إعراض عنهم» 76.

ثم راحت الآية بعد ذلك تحذر من مخالطة صاحب الهوى ومصاحبته وطاعته {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

وما ذلك إلا لأن «طاعته تدعو إلى الاقتداء به؛ ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به» 77.

وفي التعبير عن المنهي عن الصبر معهم ومصاحبتهم بالموصول «للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة» 78.

فمن غفل قلبه عن الذكر، وامتلأ بالهوى، وصار أمره في جميع أعماله وأحواله ضياعًا وهلاكًا، فماذا ينتظر من صحبته إلا الفساد؟!

ومما يدل على شدة التنفير من مصاحبة صاحب الهوى زيادة فعل الكون في ذيل الآية التي تدل على «تمكن الخبر من الاسم» 79.

أي: شدة تمكن الضياع والهلاك، فهل يرجى خير من مصاحبته بعد هذا؟!

وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه السلام قال: (إنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب 80 بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) 81.

ولهذا الحديث وجه في الاستدلال على وجوب الحذر من مجالسة ومخالطة أهل البدع، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل غالبًا ما يقع معه في مذهبه، ويصير من شيعته، أو يثبت في قلبه شكًا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر.

وقد فهم هذا المعنى الدقيق ابن طاووس حين دخل عليه وعلى ابنه أحد المبتدعة فجعل يتكلم في القدر، فأدخل ابن طاووس أصبعه في أذنيه وقال لابنه: «أدخل أصابعك في أذنيك واشدد، فلا تسمع من قوله شيئًا؛ فإن القلب ضعيف» 82.

وهكذا الأهواء إذا أشربها قلب صاحبها صارت كالداء المهلك الذي لا ينجو منه إلا القليل، ومن كانت هذه حاله فقل أن ينزع أو يتوب؛ ولهذا قال سفيان الثوري: «إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها» 83.

قال المباركفوري: (تتجارى) بالتاءين، أي: تدخل وتجري وتسري (بهم) أي: في مفاصلهم وعروقهم تلك (الأهواء) جمع هوى، وهي البدع التي كانت السبب في الافتراق، وضعت موضعها وضعًا للسبب موضع المسبب؛ لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على الابتداع في العقيدة والقول والعمل، (كما يتجارى الكلب) بفتحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب (الكلب) أي: المكلوب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدًا إلا كلب، ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا، كذا في النهاية 84.

(بصاحبه) أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه، أي: مثل جري الكلب في العروق، شبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله؛ حتى يهلكوا جهلًا، بحال صاحب الكلب، وسريان تلك العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير، فلا يعض المجنون أحدًا إلا كلب أي: جن، ويعرض له أعراض رديئة -تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا- ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا.

وفي هذا التشبيه فوائد: منها التحذير من مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها، هذا بخلاف سائر المعاصي فإن صاحبها لا يضاره، ولا يدخله فيها غالبًا إلا مع طول الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم، وأغلظوا في ذلك 85.

خامسًا: من خلال الاعتبار بقصص السابقين:

كثيرًا ما يستعمل القرآن في التعبير عن مراداته وأغراضه عنصر القصة؛ وذلك «لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس» 86.

ولأن القصة أيضًا من أقرب الوسائل التربوية إلى فطرة الإنسان، ومن أكثر العوامل النفسية تأثيرًا فيه، فالمرء يرتاح كثيرًا لسماعها، ويصغى بشوق ولهفة لتفاصيلها، ولا يمل من الصبر حتى يعرف خواتيمها، وتظهر أهمية القصة في القرآن من المساحة الواسعة التي أخذتها من القرآن الكريم.

ولقد كانت القصة أحد أهم الأساليب التي استعملها القرآن الكريم للتنفير عن اتباع الهوى، ومن ذلك:

إن القرآن يحكي لنا قصة هذا الذي آتاه الله علمًا 87، لكنه لم ينتفع، وآتاه بينات فما اتبع، بل انسلخ وجحد، وهذه قصة متكررة بين البشر تبين أثر اتباع الهوى في الانحراف عن الحق، كما تبين قبح ما يصير إليه أمثال هؤلاء من شره لا يشبع، وعطش لا يروي، ولهفة لا تنقطع فحالهم كحال الكلب دائم اللهث في العطش والري، والراحة والتعب، فما أقبحه من مآل ومصير!

قال سبحانه وتعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ?175?وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ? ذَ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ?176?) [الأعراف: 175 - 176] .

إنه إذًا أنموذج لمن أوتي الهدى والآيات ولكنه لم ينتفع بها، بل انسلخ منها «والانسلاخ حقيقته: خروج جسد الحيوان من جلده حينما يسلخ عنه جلده، والسلخ: إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به» 88.

والتعبير بالانسلاخ الذي يستعمل عند العرب في خروج الحيات من جلودها «يدل على أنه كان متمكنًا منها، ظاهرًا لا باطنًا» 89.

وبذلك يظهر أن الآيات لم تصل لشغاف قلبه، وإنما كانت أثرًا لا صلة له بفؤاده، ولا علاقة له بقلبه؛ ولذلك انسلخ منها انسلاخ الثعابين من جلودها، وكان هذا بسبب اتباعه الهوى.

وتأمل كيف أنه قال: (فَانْسَلَخَ مِنْهَا) [الأعراف: 175] ولم يقل: فسلخناه منها؟ لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه» 90.

«ومن المعلوم أن الثعابين لا تنسلخ عن جلدها القديم إلا إذا نضج الجلد الجديد، وصلح لتحمل الطقس والجو» 91.

فاستخدام هذا التعبير في تصوير فراقه للآيات، يدل على أن الهوى قد عظم وتمدد حتى امتلأ به صدره، فصار هو الثوب والجلد اللائق به، فكان من أمره ما كان.

فهذا الرجل بعدما انسلخ من الآيات تسلط عليه الشيطان، وتمكن من الوسوسة له، والتلاعب به كما يريد «لأنه ترك رحمة الرحمن بترك آياته، ومن ترك رحمة الله أدخله الله تعالى حظيرة الشيطان، وصار من أتباعه» 92.

وتظهر خطورة اتباع الهوى وتتجلى أشد ما يكون في خاتمة قصة هذا الرجل، وما آل إليه حيث شبهه الله بالكلب (وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف: 176] .

«قال ابن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث» 93.

وهكذا يتضح من هذا المثل المضروب خطورة السير وراء الهوى، والإخلاد إلى الأرض، والبعد عن الآيات والهدى، وفي هذا «عبرة وموعظة للمؤمنين، وتحذير لهم من اتباع أهوائهم، حتى لا ينزلقوا في مثل تلك الهوة التي انزلق إليها صاحب المثل بحبه للدنيا، وركونه إلى شهواتها ولذاتها» 94.

«وهل أسوأ من هذا المثل مثلٌ؟! وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟! وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟! وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟! من يعريها من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبدًا 95.

وصدق صاحب الإشارات فـ «موافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العز إلى تراب الذل، وتلقيه في وهدة الهوان، ومن لم يصدق علمًا فعن قريب يقاسيه وجودًا» 96.

فما أعظمه من مثل! وما أكثر ما فيه من عبر لمن تأمله ووعاه!

ومن القصص التي ذكرها القرآن للتنفير من أهل الأهواء قصص بني إسرائيل، وما كان منهم من تقتيل، وتكذيب لرسل الله وأنبيائه.

قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] .

وهذا أنموذج يقصه القرآن علينا لبني إسرائيل، ويذكر كيف «أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه» 97.

وهذا من أكثر الأمور التي تعطل فوائد التشريع، وتضيع ثمرته؛ إذ الغرض من الرسالات والشرائع هو كبح النفس عن هواها الذي يوجب لها الخسران في الدنيا والآخرة، فإذا صار الهوى قائدًا، وكذب حملة الخير والهدى واضطهدوا، تعطلت آنئذٍ فائدة التشريع، وفاتت فائدة طاعة الأمة لهداتها، ونتج عن ذلك فساد عريض.

وما صنع بنو إسرائيل تلك الشنائع التي ذكرتها الآية إلا لغلبة الهوى عليهم، وتمكنه من أنفسهم، فصور لهم أنهم الشعب المختار، وأنهم بمأمن من عقوبة الله وفتنته، فهم كما يقول صاحب الإشارات: «داروا مع الهوى؛ فوقعوا في البلاء، ومن أمارات الشقاء الإصرار على متابعة الهوى» 98.

قال تعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: 71] .

«أي: وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يسمعون حقًا، ولا يهتدون إليه 99.

وتأمل كيف أن قوله: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} [المائدة: 71] معطوف على {وَحَسِبُوا} [المائدة: 71] .

بفاء السببية التي تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: إن عماهم عن الطريق القويم، وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد الذي سوله لهم الهوى، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا 100.

وهكذا أومأ القرآن إلى عدم اكتراثهم بالآخرة، وما يكون لهم فيها من شأن «ببيان أن ظنهم: لن تنزل بهم مصائب في الدنيا بسبب مفاسدهم، هذا الظن هو الذي جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح، وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان، وتغلب عليها حب الشهوات، وضعف الوازع الديني في نفوس أفرادها، إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصورًا على تدبير شؤون دنياهم، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم أغمضوا أعينهم عن آخرتهم، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها، فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة» 101.

وهكذا يظهر لنا من قصص السابقين مدى خطورة اتباع الهوى، وكيف أنه يورث الإنسان الشقاء، ويهبط بالأمم إلى القاع، ويحرمها من الانتفاع بهدايات السماء، وكفى بذلك معتبرًا وزاجرًا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .

لاتباع الهوى مجالات متعددة نوضحها فيما يأتي:

أولًا: العقائد:

للهوى آثار جسيمة، ومخاطر كبيرة؛ لأنه يدخل في مجالات كثيرة، وأبواب عديدة، ولكن أثر الهوى على العقائد من أعظمها وأخطرها؛ لأنها هي التي يترتب عليها دخول المرء في حظيرة الإيمان أو خروجه منها، ولقد تحدث القرآن عن ذلك في أمرين: توحيد الله، الإيمان باليوم الآخر، وفيما يلي عرض لذلك:

لقد عبر القرآن الكريم عن متبع الهوى في العقائد أن الهوى إله يعبد من دون الله تعالى.

قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ) [الفرقان: 43] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الهوى إله يعبد من دون الله» 102.

وقال ابن كثير رحمه الله «أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه» 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت