فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 2431

وقد جاء في قوله: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} أنه: أمين على سبعين حجابًا يدخلها بغير إذن 35.

وهذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة، والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل. ويدل على أهمية صفة الأمانة؛ وصف جبريل بها، وأنه ينبغي الحرص على الاتصاف بها، والتشبه بالرسول الملكي والرسول البشري المتصفين بهذه الصفة.

ثالثًا: وصف الأنبياء عليهم السلام بالأمانة:

ومما يرغب في الأمانة أنها من صفات الأنبياء، ومن مستلزمات الرسالة؛ إذ كل رسول قال لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:107] .

فإن الرسول لا يبعث إلا وهو معروف بالأمانة، وحسن الخلق قبل الرسالة.

فهذا نوح يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:107] .

وجملة {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} تعليل للإنكار، أو للتحضيض، أي: كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم، أمين عنكم، وكان نوح موسومًا بالأمانة، لا يتهم في قومه، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش؛ ولهذا قال النابغة الذبياني 36:

فألفيت الأمانة لم تخنها

كذلك كان نوح لا يخون

وتأكيده بحرف التأكيد {إِنِّي} مع عدم سبق إنكارهم أمانته؛ لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلغهم من رسالة الله.

كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: «هل جربتم عليه، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا؟» فقال أبو سفيان: «لا، ونحن منه في مدة، لا ندري ما يفعل فيها» ، فقال له هرقل بعد ذلك: «قد علمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله!» ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلًا للمشركين في تكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدعونه الأمين، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها 37.

وقال نوح عليه السلام أيضًا في موضع آخر: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:68] .

فجاء بوصف الأمانة وهي الوصف العظيم الذي حمله الإنسان، ولا أمانة أعظم من أمانة الرسالة، وإيصال أعبائها إلى المكلفين، والمعنى: أني عرفت فيكم بالنصح، فلا يحق لكم أن تتهموني، وعرفت بالأمانة فيما أقول فلا ينبغي أن أكذب.

وقوله: {أَمِينٌ} يحتمل أن يريد على الوحي والذكر النازل من قبل الله، ويحتمل أنه أمين عليهم وعلى غيبهم، وعلى إرادة الخير بهم، والعرب تقول: فلان لفلان ناصح الجيب، أمين الغيب، ويحتمل أن يريد به من الأمن، أي: جهتي ذات أمن لكم من الكذب والغش 38.

والمعاني كلها متقاربة وصحيحة.

وقال موسى عليه السلام: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] .

أي: على وحيه ورسالته، صادق في دعواه بالمعجزات، وهو علة للأمر بالتأدية، وفيه إشارة إلى أنه يلزم تأدية بني إسرائيل إلى موسى عليه السلام لكونه أمينًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت