فهرس الكتاب

الصفحة 1767 من 2431

وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجتمع وضع الشريعة على وفق أهواء الناس مع عبادة الله تعالى؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .

الثاني: ما دل على ذم مخالفة هذا القصد: من النهي أولًا عن مخالفة أمر الله، وذم من أعرض عن الله، وإيعادهم بالعذاب العاجل من العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف المخالفات، والعذاب الآجل في الدار الآخرة، وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة، والشهوات الزائلة 26.

الثالث: ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تصلح مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض؛ لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك وهو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة 27.

ولحصول هذه الاختلافات الكثيرة اقتضى الأمر جعل المرء يسير تبع الشريعة لا تبع هواه؛ لأن الشريعة وضعت على وفق المصالح المطلقة، دون النظر إلى الأفراد موافقة أو مخالفة، وبذلك تنضبط الأمور وتسير 28.

ومما ذكره القرآن في معرض حديثه عن أسباب الفساد قوله تعالى في اتباع الأهواء: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .

أي: «لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى وشرع الأمور على وفق ذلك؛ لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، أي: لفساد أهوائهم واختلافها» 29.

«ووجه ذلك أن أهواءهم متعلقة بالظلم والكفر وفساد الأخلاق، فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض لفساد التصرف والتدبير، المبني على الظلم وعدم العدل؛ فالسموات والأرض ما استقامتا إلا بالحق و العدل» 30.

فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع.

«فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة، وبالحق الواحد يدبر الكون كله، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة، ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات.

وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد. ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءًا من الناموس الكوني تتولاه اليد التي تدبر الكون كله وتنسق أجزاءه جميعًا.

والبشر جزء من هذا الكون خاضع لناموسه الكبير؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق عجيب. بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد، إنما يخضع للحق الكلي، ولتدبير صاحب التدبير» 31.

2.الطغيان.

ومن صور الفساد الرئيسة: الطغيان. فليس وراء الطغيان إلا الفساد.

قال تعالى في معرض حديثه عن سبب فساد قوم عاد وثمود وفرعون: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر: 6 - 12] أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس 32.

قال السعدي رحمه الله: «هذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله» 33.

ومعنى طغيانهم في البلاد: أن كل أمة من هؤلاء طغوا في بلدهم، ولما كان بلدهم من جملة البلاد (أي: أراضي الأقوام) كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد؛ لأن فساد البعض آيل بفساد الجميع بسن سنن السوء؛ ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} ؛ لأن الطغيان يجرئ صاحبه على دحض حقوق الناس، فهو من جهة يكون قدوة سوء لأمثاله وزملائه، فكل واحد منهم يطغي على من هو دونه.

وذلك فساد عظيم؛ لأن به اختلال الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية الصالحة، وهو من جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطغي عليه من الرعية، فيضمرون السوء للطاغين، وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور، وتربص الدوائر بها فيكونون لها أعداء غير مخلصي الضمائر، ويكون رجال الدولة متوجسين منهم خيفة فيظنون بهم السوء في كل حال، ويحذرونهم.

فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوضًا عن أن تتحد على أعدائها فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل؛ وذلك يفضي إلى فساد عظيم، فلا جرم كان الطغيان سببًا لكثرة الفساد 34.

فليس وراء الطغيان إلا الفساد؛ «فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء. كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال. إنه يجعل الطاغية أسير هواه؛ لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد ويتخذ له مكانًا في الأرض غير مكان العبد المستخلف وكذلك قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد.

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعًا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة، وميدانًا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك، وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد.

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة؛ لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلابد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات؛ كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة. وهو فساد أي فساد.

فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد 35.

3.المعاصي.

المعاصي سبب من أسباب الفساد في الأرض، والطاعات سبب من أسباب صلاح الأرض.

لقد نهى الصالحون من قوم موسى عليه السلام قارون عن العمل بالمعاصي، والتي منها إنفاق ماله في غير وجهه، وإمساكه عن وجهه.

قال تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] أي: لا تعمل فيها بمعاصي الله 36.

ومن صور الفساد بالمال: البغي والظلم، والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة، والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء، والفساد بالنقص في الثمار والزروع ومحق البركات من السماء والأرض.

قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ، أي: فشا الفساد، وانتشرت عدواه وتوارثه جيل عن جيل أينما حلوا وحيثما ساروا بسبب المعاصي والذنوب.

وفساد البر: يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي موتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض.

وفساد البحر: كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان وغير ذلك، وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس.

ومن مظاهر الفساد بسبب المعاصي الحروب والغارات، بالجيوش والطائرات، والسفن الحربية والغواصات، بما كسبت أيدي الناس من الظلم وكثرة المطامع، وانتهاك الحرمات، وعدم مراقبة الخلاق، وطرح الأديان وراء ظهورهم، ونسيان يوم الحساب، وأطلقت النفوس من عقالها، وعاثت في الأرض فسادًا، إذ لا رقيب من وازع نفسى، ولا حسيب من دين يدفع عاديتها، ويمنع أذاها.

ومن مظاهر الفساد بسبب المعاصي: ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح؛ لتأثير شؤم المعصية في الماء، روى مسلم بسنده عن نافعٍ أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخبره: (أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التى كانت تردها الناقة) 37.

والله سبحانه وتعالى يريد الصلاح في الأرض، وتطهيرها من الفساد والمفسدين.

4.جحود نعم الله.

من الأسباب الرئيسة في الفساد: جحود نعم المنعم إنكارًا باللسان، رغم اليقين بالجنان.

وجحود النعم يصدر من الفرد ويصدر من الأمة.

فمما حكاه القرآن الكريم عن الفرد ما حكاه عن قارون لما وعظه الصالحون من قومه رد عليهم قائلًا: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 77] . أي: إنما أعطيت هذه الكنوز بما عندي من العلم والقدرة.

فالآية دالة عن أن من أعظم الفساد جحود نعم الله، وإسناد الحصول عليها لعلم العبد وقدرته ونسيان المنعم الكريم، واستخدامها في البغي والظلم والقتل والصد عن سبيل الله، كما يحدث في الوقت المعاصر.

ومما حكاه القرآن عن جحود الأمم ما حكاه عن قوم موسى عليه السلام وهم نموذج لمن كذب الرسل.

قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13 - 14] . أي: فلما جاءت فرعون وقومه أدلتنا الواضحة المنيرة الدالة على صدق الداعي أنكروها وقالوا: هذا سحر بين لائح يدل على مهارة فاعله وحذق صانعه، وكذبوا بها بألسنتهم وأنكروا دلالتها على صدقه وأنه رسول من ربه، لكنهم علموا في قرارة نفوسهم أنها حق من عنده، فخالفت ألسنتهم قلوبهم؛ ظلمًا للآيات، إذ حطوها عن مرتبتها العالية وسموها سحرًا؛ ترفعًا عن الإيمان بها 38.

فالآيتان تدلان على أن الجحود سبب للفساد.

وحكى القرآن عن قوم صالح عليه السلام حيث ذكرهم بنعم الله عليهم سواء كانت الخاصة أو العامة.

قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] ، أي: فتذكروا نعم الله تعالى عليكم في ذلك كله واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، واستعمالها فيما فيه صلاحكم، ولا تستبدلوا الكفر بالشكر فتعثوا في الأرض مفسدين. والمعنى: ولا تتصرفوا في هذه النعم تصرف عثيانٍ وكفرٍ بمخالفة ما يرضي الله فيها حال كونكم متصفين بالإفساد ثابتين عليه 39.

ومما ذكر صالح به قومه: أولًا: نعمًا خاصة وهي جعلهم خلفاء بعد الأمة التي سبقتهم، وذكرهم بما اختصوا به من اتخاذ القصور من السهول ونحت الجبال بيوتًا. ثم ذكر نعمًا عامة بقوله: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} ومعنى {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} : أنزلكم بها وأسكنكم إياها.

فالحق لا يجحده الجاحدون؛ لأنهم لا يعرفونه، بل لأنهم يعرفونه. يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم؛ لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم، أو الخطر على أوضاعهم، أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم. فيقفون في وجهه مكابرين، وهو واضح مبين. وهذا ظلم لأنفسهم وظلم للناس؛ لأنهم حجبوا أنفسهم عن الحق الجلي الذي يقود النفوس إلى الصلاح والإصلاح، واستبدلوه بالفساد الذي حرم العباد من استنشاق عبير الحق، والتمتع بالأمن والسعادة في ظل الحرية التي يتيحها الإسلام وفق ضوابط الشريعة.

رابعًا: الفساد في مجال العمل:

1.قتل النفس ظلمًا.

لقد كانت فعلة ابن آدم، وقتل أخيه ظلمًا وعدونًا، وسنه القتل لمن بعده، سببًا من أسباب الفساد في الأرض.

قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] . أي: بسبب جناية القتل هذه شرعنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قتل نفس حرمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم.

وقال سيد قطب رحمه الله: «من أجل وجود هذه النماذج في البشرية، من أجل الاعتداء على المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين، الذين لا يريدون شرًا ولا عدوانًا، ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة على الشر، وأن المسالمة والموادعة لا تكفان الاعتداء حين يكون الشر عميق الجذور في النفس، جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعًا وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملًا عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا، وكتبنا ذلك على بني إسرائيل فيما شرعنا لهم من الشريعة» .

إن قتل نفس واحدة -في غير قصاص لقتل، وفي غير دفع فساد في الأرض- يعدل قتل الناس جميعًا؛

لأن حق الحياة واحد ثابت لكل نفس. فقتل واحدة من هذه النفوس هو اعتداء على حق الحياة ذاته الحق الذي تشترك فيه كل النفوس. كذلك دفع القتل عن نفس، واستحياؤها بهذا الدفع -سواء كان بالدفاع عنها في حالة حياتها أو بالقصاص لها في حالة الاعتداء عليها لمنع وقوع القتل على نفس أخرى- هو استحياء للنفوس جميعًا؛ لأنه صيانة لحق الحياة الذي تشترك فيه النفوس جميعًا 40.

وقد تحمل ابن آدم مثل وزر من يرتكب القتل من بعده؛ لأنه أول من سن القتل، روى مسلم بسنده عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها لأنه كان أول من سن القتل) 41.

2.ذبح الأبناء واستحياء النساء.

من صور الفساد الرئيسة ذبح الأبناء واستحياء النساء، وهذا الفعل يؤدي إلى الفساد؛ لأنه يؤدي إلى وقف نمو الجيل الذي آمن، مما يؤدي إلى انقراض المؤمنين المتمسكين بهذا الدين.

قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] .

الملأ: الرؤساء سموا بذلك؛ لأنهم ملاءٌ بما يحتاج إليه، وقيل أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم 42.

«فالإفساد في الأرض -من وجهة نظرهم- هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده؛ حيث يترتب عليها تلقائيًا، بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله؛ إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه، وإذن فهو -بزعمهم- الإفساد في الأرض بقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تمامًا لهذه الأوضاع الربوبية فيه لله لا للبشر، ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه» 43.

ولما حرض الملأ فرعون على قتل موسى عليه السلام ومن آمن معه قال لهم فرعون: «سنقتل أبناء قومه تقتيلًا ما تناسلوا -فتعبيره بالتقتيل يدل على التكثير والتدريج- ونستبقي نساءهم أحياءً كما كنا نفعل من قبل ولادته؛ حتى ينقرضوا، وإنا فوقهم قاهرون، وإنا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان» 44.

وهدف فرعون من قتل الأبناء وإبقاء النساء واستعمالهن في الخدمة، حتى لا يستطيع موسى عليه السلام من نشر دعوة رب العالمين بواسطة الرهط والشيعة الذين آمنوا معه؛ فلذلك عزم على تقليل رهطه وشيعته.

إنها طبيعة الطغيان وأساليبه في مواجهة أهل الحق في كل مكان وفي كل زمان. لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام!.

3.أكل مال اليتيم بغير حق.

أوصى الله المؤمنين باليتامى حتى ملكت عليهم نفوسهم، فتركتهم في حيرة وحرج من أمر القيام على اليتامى، واستغلال أموالهم؛ خوفًا من أن ينالهم شيء من الظلم، وتأثم الصحابة من مخالطة اليتامى، فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم، وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله، فلا يخالطونه في شيء حتى إنهم كانوا يطبخون له وحده.

ثم فطنوا إلى ما في هذا من الحرج مع عدم المصلحة لليتيم، بل فيه مفسدة له في تربيته وضياع ماله، إلى ما في ذلك من الاحتقار والإهانة له، ومن ثم احتاجوا إلى السؤال عما يجمع بين المصلحتين: مصلحة اليتيم؛ ليعيش في بيت كافله عزيزًا كأحد عياله، ومصلحة الكافل فيسلم من أكل ماله بغير حق، فأجيبوا {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220] .

روى أبو داود بسنده، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] ، و {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] ، انطلق من كان عنده يتيمٌ فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه 45.

«أي: قل لمن يسأل عن المصلحة في معاملة اليتامى من عزل أو مخالطة: إن كل ما فيه صلاح لهم فهو خير، فعليكم أن تصلحوا نفوسهم بالتربية والتهذيب، وأموالهم بالتنمية والتثمير، ولا تهملوا شئونهم فتفسد أخلاقهم وتضيع حقوقهم، ولا وجه للتأثم من مخالطتهم في المأكل والمشرب والكسب، فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الإخوة أن يكونوا خلطاء في الملك والمعاش، وفي ذلك منفعة لهم لا ضرر عليهم، إذ كل واحد منهم يسعى في خير الجميع، والمخالطة مبنية على المسامحة؛ لانتفاء مظنة الطمع، فيكون اليتيم في البيت كالأخ الصغير تراعى مصلحته، ويتحرى له رجحان كفته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت