قال محمد الأمين الشنقيطي: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: إنهم وعدوا بالبعث، ووعد به آباؤهم من قبلهم، والظاهر أنهم يعنون أجدادهم، الذين جاءتهم الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به هم وآباؤهم كذبٌ لا حقيقة له، وأنه ما هو {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أي: ما سطروه وكتبوه من الأباطيل والترهات، والأساطير: جمع أسطورةٍ، وقيل: جمع أسطارةٍ، وهذا الذي ذكره عنهم من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) } [النمل: 67 - 68] .
ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث، الذي أنكروه في هذه الآية بقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) } إلى قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89] ؛ لأن من له الأرض، ومن فيها، ومن هو رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيءٍ، وهو يجير ولا يجار عليه، لا شك أنه قادرٌ على بعث الناس بعد الموت» 108.
قال ابن عاشور: «فالمقصود منه حكاية دعوى البعث بأن الرسول الذي يدعيها بتحقيقٍ وتوكيدٍ مع كونها شديدة الاستحالة، ففي حكاية توكيد مدعيها زيادةٌ في تفظيع الدعوى في وهمهم، وجملة لقد وعدنا إلخ تعليلٌ للإنكار وتقويةٌ له. وقد جعلوا مستند تكذيبهم بالبعث أنه تكرر الوعد به في أزمانٍ متعددةٍ فلم يقع ولم يبعث واحدٌ من آبائهم، ووجه ذكر الآباء دفع ما عسى أن يقول لهم قائلٌ: إنكم تبعثون قبل أن تصيروا ترابًا وعظامًا، فأعدوا الجواب بأن الوعد بالبعث لم يكن مقتصرًا عليهم فيقعوا في شكٍ باحتمال وقوعه بهم بعد موتهم وقبل فناء أجسامهم بل ذلك وعدٌ قديمٌ وعد به آباؤهم الأولون وقد مضت أزمانٌ وشوهدت رفاتهم في أجداثهم وما بعث أحدٌ منهم، وجملة {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} من القول الأول، وهي مستأنفة استئنافا بيانا لجواب سؤالٍ يثيره قولهم {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} وهو أن يقول سائلٌ: فكيف تمالأ على هذه الدعوى العدد من الدعاة في عصورٍ مختلفةٍ مع تحققهم عدم وقوعه؟ فيجيبون بأن هذا الشيء تلقفوه عن بعض الأولين فتناقلوه» 109.
وقد أفحمهم القرآن بالجواب، قال الخازن: «قوله تعالى: {قُلْ} أي يا محمد لأهل مكة {لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} من الخلق {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي خالقها ومالكها؟ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي لا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله {قُلْ} أي قل لهم يا محمد إذا أقروا بذلك {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أي فتعلموا أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت» 110.
وقد عرض القرآن مقالتهم بإنكار البعث، وادعاءهم استمرار الحياة الدنيا، وقدم العالم، وأنها ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وأنهم لا حجة لهم في مواجهة الآيات واضحة الدلالة على أمر البعث بعد الموت إلا طلبهم بأسلوب يملؤه الصلف والتحدي والعناد بعث آبائهم الأولين في هذه الحياة الدنيا.
وذلك في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) } [الجاثية: 24 - 25] .
«أي وقال منكرو البعث والجزاء يوم القيامة ما هناك إلا حياتنا هذه التي نحياها وليس وراءها حياة أخرى، إننا نموت ونحيا أي نموت نحن الأحياء ويحيى أبناؤنا من بعدنا، وهكذا تستمر الحياة أبدًا يموت الكبار ويحيى الصغار، وما يهلكنا إلا الدهر أي وما يميتنا ويفنينا إلا مرور الزمان وطول الأعمار، وهو إلحاد كامل وإنكار للخالق عز وجل، وهو تناقض منهم لأنهم إذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، فينسبون إليه الخلق، وهو أصعب ولا ينسبون إليه الإماتة وهي أهون من الخلق، فرد تعالى عليهم مذهبهم «الدهري» بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} أي ليس لهم على معتقدهم هذا أدنى علم نقليًا كان ولا عقليًا، أي يتلقوه عن وحي أوحاه الله إلى من شاء من عباده، ولا عن عقل سليم راجح لا ينقض حكمه، كالواحد مع الواحد اثنان، والأبيض خلاف الأسود، وما إلى ذلك من القضايا العقلية التي لا ترد، فهؤلاء الدهريون ليس لهم شيء من ذلك، ما لهم إلا الظن والخرص، وقضايا العقيدة لا تكون بالظن، والظن أكذب الحديث» 111.
« {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي بأن الله باعث خلقه يوم القيامة ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أي انشروهم أحياء، حتى نصدق ببعثنا أحياء بعد مماتنا، وإطلاق الحجة على ذلك، إما حقيقة بناء على زعمهم، فإنهم ساقوه مساق الحجة، أو هو مجاز تهكما بهم. كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. بمعنى أن لا حجة لهم البتة، وفيه مبالغة لتنزيل التضاد منزلة التجانس» 112.
قال الرازي: «واعلم أن هذه الشبهة ضعيفةٌ جدًا، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحدٍ منا كان معدومًا من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقتٍ معينٍ يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطلٌ بالاتفاق 113.
وقد رد عليهم القرآن العظيم بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) } [الجاثية: 26]
« {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} ابتداء {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم على ما دل عليه الحجج لا الدهر كما تزعمون {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي فيه وجوز كون الفعل مضمنا معنى مبعوثين أو منتهين ونحوه ومعنى في أظهر أي يجمعكم في يوم القيامة {لَا رَيْبَ فِيهِ} أي في جمعكم فإن من قدر على البدء وقدر على الإعادة والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة في ذلك اليوم والوعد الصدق بالآيات دل على قرعها، وحاصله أن البعث أمر ممكن أخبر به الصادق وتقتضيه الحكمة وكل ما هو كذلك لا محالة واقع والإتيان بالآباء حيث كان منافيا للحكمة التشريعية امتنع إيقاعه {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} استدراك من قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} وهو من تمام الكلام المأمور به أو كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على أن ارتيابهم لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر لا لأن فيه شائبة ريب ما» 114.
ومن أسباب رفض أولئك المنكرين للبعث وبذل كل جهد في إنكاره أنهم ألفوا شهوات الحياة الدنيا؛ فهم يخشون تبعات الإيمان بالبعث، والانقياد للدين الذي يحجزهم عن شهواتهم، ويحول دونهم ودون أهوائهم، وقد سجل القرآن ذلك وبين سوء حالهم ومآلهم في قول الحق سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس: 7 - 8] .
قال ابن عاشور: «هذا استئناف وعيدٍ للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعًا بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارةً إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم سادرون في غلوائهم حتى يلاقوا العذاب، وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم والمصير إليه» 115.
« {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} بيانٌ لمآل أمر من كفر بالبعث وأعرض عن البينات الدالة عليه بعد تحقيق أن مرجع الكل إليه تعالى، وأنه يعيدهم بعد بدئهم للجزاء ثوابًا وعقابًا، وتفصيل بعض الآيات الشاهدة بذلك، والمراد بلقائه إما الرجوع إليه تعالى بالبعث، أو لقاء الحساب، كما في قوله عز وعلا {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة:20] » 116.
«وفي الآية إشارةٌ إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضى بها يكون مقدار التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة. وليس ذلك بمقتضى الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعمٍ كثيرةٍ فيها وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياةٍ أخرى والتزود لها. وفي ذلك مقاماتٌ ودرجاتٌ بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية، وأعلاها مقام قول النبيء صلى الله عليه وسلم (فقلت ما لي وللدنيا) 117» 118.
«قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها، حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، بأن مأواهم يوم معادهم النار، جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر» 119.
وقد ضرب الله المثل بهذا الكافر صاحب الجنتين الذي اغتر بجنتيه وما كان من صنوف النعم فيهما فقال ما حكاه القرآن: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف: 35 - 36] .
«يقول تعالى ذكره: هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} وهي بستانه {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه» 120،
«ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد هذه أبدًا مع أنها متغيرةٌ متبدلةٌ، فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ باطلةٌ غير باقيةٍ؟ قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده» 121.
قال ابن عطية: «و «ظلمه لنفسه» : كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، فقد نص على ذلك قتادة وابن زيد، وفي شكه في حديث العالم إن كانت إشارته بهذه إلى الهيئة من السماوات والأرض وأنواع المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته فقط، فإنما في الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول ثم قاس أيضا الآخرة على الدنيا، وظن أنه لم يمل له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه، قال: فإن كان ثم رجوع كما يزعم فستكون حالي كذا وكذا» 122.
قال الطبري: «وقوله: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} يقول جل ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد إلى الله: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخرب، وما أظن الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شك منه، فقال: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه {لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} يقول: لأجدن خيرا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردًا، يقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منها في المعاد إن رددت إليه» 123.
قال الرازي: «ونظيره قوله تعالى: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] .
وقوله: {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: 77] .
والسبب في وقوع هذه الشبهة: أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقًا له، والاستحقاق باقٍ بعد الموت فوجب حصول العطاء، والمقدمة الأولى كاذبةٌ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها» 124.
وفي قوله هذا ذكر السعدي احتمالين ثم رجح أحدهما على الآخر فقال: «وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل، فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب، أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} فإثبات أن وصفه الظلم، في حال دخوله، الذي جرى منه، من القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده» 125.
من الدوافع التي تكمن وراء إنكار هؤلاء المكذبين بالبعث ذلك الخوف الكامن من تصور أنهم بعد البعث محاسبون ومجازون بأعمالهم التي عملوها في حياتهم الدنيا، فكلما تصوروا ذلك الأمر رفضوا تصديقه واستبعدوه حذرا من وقوعه بالفعل فهم لا يتصورون أن يحاسبوا على ما جنوه من الجرائم والشنائع التي يخشون مغبة الحساب عليها والمعاقبة بها، لذا فهم يعبرون عن إنكارهم للبعث باستبعادهم للحساب والجزاء في الآخرة، وقد عبر القرآن عن ذلك من خلال ذلك المشهد الأخروي الذي يجري لأهل الجنة وهم يتذاكرون بعض ما كان في الدنيا من حوار بين بعضهم وبين مكذبي البعث.
قال تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) } [الصافات: 50 - 53] .
«والمعنى: أهل الجنة يسأل بعضهم بعضًا عن حاله في الدنيا، قوله: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي في الدنيا ينكر البعث، و {يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} أي كان يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجبًا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} أي لمحاسبون ومجازون، والمعنى أن ذلك القرين كان يقول هذه الكلمات على سبيل الاستنكار» 126.
«والمدين: المجازى يقال: دانه يدينه، إذا جازاه، والأكثر استعماله في الجزاء على السوء، والدين: الجزاء كما في سورة الفاتحة» 127.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى في سبب إنكار منكر البعث: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) } [القيامة: 5 - 6] .
«وقوله {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أي ما يجهل الإنسان قدرة خالقه على إعادة خلقه، ولكنه يريد أن يواصل فجوره مستقبله كله فلا يتوب من ذنوبه ولا يؤوب من معاصيه لأن شهواته مستحكمة فيه.
وقوله تعالى: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} يخبر تعالى عن المنكر للبعث من أجل مواصلة الفجور من زنا وشرب خمور بأنه يقول أيان يوم القيامة استبعادا واستنكارا» 128.
وقال ابن الجوزي: «قوله عز وجل: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} فيه قولان:
أحدهما: يكذب بما أمامه من البعث والحساب، قاله ابن عباس.
والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن جبير. فعلى هذا: يكون المراد بالإنسان: المسلم. وعلى الأول: الكافر.
وقوله عز وجل: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} أي: متى هو؟ تكذيبًا به، وهذا هو الكافر» 129.
وذكر ابن كثير أن ابن زيد رجح القول الأول فقال: «وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} ؟ أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده» 130.
وقال ابن عطية: «وقوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} قال بعض المتأولين: الضمير في أمامه عائد على الإنسان، ومعنى الآية أن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفا بتوبته، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي.
وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر طاقته.
وقال الضحاك: المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائمًا.
وقوله تعالى: {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} تقديره لكن يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير في أمامه عائد على يوم القيامة، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه» 131.
قال الألوسي: «وفيهما إيماء إلى أن ذلك الإنسان عالم بوقوع الحشر ولكنه متغاب، واعتبر الدوام في {لِيَفْجُرَ} لأنه خبر عن حال الفاجر بأنه يريد ليفجر في المستقبل على أن حسبانه وإرادته هما عين الفجور، وقيل لأن {أَمَامَهُ} ظرف مكان استعير هنا للزمان المستقبل فيفيد الاستمرار، وفي إعادة المظهر ثانيًا ما لا يخفى من التهديد والنعي على قبيح ما ارتكبه، وأن الإنسانية تأبى هذا الحسبان والإرادة وعود ضمير أمامه على هذا المظهر هو الأظهر» 132.
-هناك ثمرات وآثار تظهر على المؤمن بالبعث قولًا وفعلًا وحالًا وسلوكًا، منها ما يكون في الدنيا، ومنها ما يكون في الآخرة.
أولًا: في الحياة الدنيا:
للإيمان بالبعث آثار على حياة المؤمن في الحياة الدنيا، ومن هذه الآثار:
1.عدم الركون إلى الدنيا وملذاتها.
من ثمار الإيمان بالبعث بعد الموت الإقبال على الله وعلى الدار الآخرة، والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها، والتخفف منها، والقناعة باليسير من متاعها في حدود ما أحل الله، فتجد المؤمن الحق يعلم أنها ظل زائل وعرض حائل، فلا ينغمس في شهواتها، ولا يركن إليها، وهؤلاء هم الفائزون يوم القيامة بالنعيم المقيم مصداقا لقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) } [القصص: 83] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحق في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حق، وعملا بمعاصي الله فيها» 133.
وقال القرطبي: «قال أبو معاوية: الذي لا يريد علوًا هو من لم يجزع من ذلها. ولم ينافس في عزها، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعًا، وأعزهم غدًا ألزمهم لذلٍ اليوم. وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: مر علي بن الحسين وهو راكبٌ على مساكين يأكلون كسرًا لهم، فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] .