فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 2431

ومعنى (ألحن بحجته من بعض) أي: أفصح وأفطن بحجته من بعض، فيزين كلامه حيث أظنه صادقًا في دعواه، وأن الحق معه وهو كاذب» 109.

وكثيرًا ما نسمع اليوم عبر وسائل التواصل والإعلام المرئي والمسموع من كلمات وأخبار وما هي إلا تنافس القائمين بهذا العمل الإعلامي في نقل الأحداث، فكلًّا يلمع الخبر الذي حصل عليه رغبة بكسب المتابعين أو المشاهدين له، حتى ولو كانت تلك العبارات مجحفة في حق أصحابها، فبعضهم يدس السم بالعسل، وخاصة ما نسمع من مطالبات مستميتة لحقوق المرأة، وكأن الإسلام قد هضم حقها، وليس خلفها إلا أهل النفاق الذين يريدون إشاعة الفاحشة بين المسلمين، بل هم لا يريدون حرية المرأة، هم يريدون حرية الوصول إليها بعد أن صانها الإسلام عن الرذائل، فالتبين من كل خبر وحادثة ومن خلف الخبر مهم لوضوح الحقائق.

9.الاستماع الجيد، والمراجعة الدقيقة لكل ما يطلب من الإنسان تنفيذه من أوامر.

فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) ، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت 110 لها رجاء أن أدعى لها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: (امش، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك) ، قال: فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله) 111.

فنجد أن عليًّا رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم متثبتًا على ماذا يقاتل الناس، ثم مضى مطمئنًّا إلى ما طلب منه على أكمل وجه بعد أن وقف على حقيقة الأمر.

10.الحكم على الآخرين من خلال التجربة والمصاحبة والمعايشة.

فقد أثنى رجل على رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: هل صحبته في سفر قط؟ قال: لا. قال: هل ائتمنته على أمانة قط؟ قال: لا. قال: هل كانت بينك وبينه مداراة 112 في حق؟ قال: لا. قال: اسكت، فلا أرى لك به علمًا، أظنك والله رأيته في المسجد يخفض رأسه ويرفعه 113.

11.المطالبة بالشهود أو البينة على الدعوى، أو اليمين من الطرف الآخر عند النكول وعدم البينة.

وهي وسيلة من وسائل إثبات الحق الذي يدّعيه المدّعي.

والأصل في ذلك ما ورد عن الأشعث بن قيس قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: (شاهداك أو يمينه) ، قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين يستحق بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان) ، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَ?ئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77 ) ) [آل عمران: 77] 114.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) 115.

12.أن لا يقضي القاضي مدفوعًا بشهوة التشفي أو الحقد.

ولا يستعجل في القضاء، وأن لا يقضي وهو غضبان، أو جوعان، أو نعسان، أو مرهق، ولا وهو يدافع الأخبثين (البول والغائط) .

13.عدم بناء الأحكام على الشك، بل لابد من اليقين.

فيجب أن يفسر الشك في صالح المتهم؛ ذلك لأن اليقين لا يزول بالشك، ولأن يخطئ القاضي فيبرئ مذنبًا خير له من أن يخطئ ويتسرع بإدانة بريء ومعاقبته.

14.أن يطلب القاضي من الله أن يلهمه الرشد والصواب في الأمر كله.

فلا صواب إلا بالإلهام من الله، وإن العبد البعيد عن عون الله هالك.

15.الاستعانة بأهل العلم والخبرة والورع.

ويستعين بالنظر في اجتهادات السابقين من الأئمة المجتهدين، وما ينتج عن هذه الاستعانة من تثبت تقتضيه المسالك الشرعية، ويؤدي إلى أن يكون الرأي أو الحكم أوفق للحق، وأقرب للصواب، وأطيب لنفس الخصوم.

16.دراسة النماذج العملية للتثبت من خلال القرآن والسنة.

وكذلك سيرة السلف الصالح، ومعايشتها، والاستفادة منها في الواقع العملي.

أولًا: قصة موسى عليه السلام والخضر:

وردت قصة موسى والخضر عليهما السلام في سورة الكهف، في قول ربنا سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 60 - 82] .

لم يذكر لنا القرآن اسم العبد الصالح الذي ذهب إليه موسى عليه السلام، لكن بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن اسمه الخضر 116، وسمي بهذا الاسم لأنه جلس على فروة بيضاء 117، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء 118.

ويلاحظ على هذه القصة أنها «قصة تثبّتٍ في صورة عملية؛ ذلك أن الإنسان يبني حكمه على ما يشاهده ويشعر به؛ ولذلك يخطئ ويتعثر كثيرًا، ولو انكشفت له حقائق الحياة، ومواطن الأمور وعواقبها، لتغير حكمه كثيرًا، ونقض ما أبرم، وتثبّت أنه لا ثقة له بأحكامه، وأنه لا يصح الإسراع في الحكم، وأن حياتنا اليومية العامة مليئة بالأخطاء الفاحشة، والأحكام السريعة، والخطوات المتهورة، والآراء المرتجلة، ولو أسندت إليه إدارة هذا العالم الفسيح، لأفسد العالم وأهلك الحرث والنسل؛ لأن نظره قاصر، وعلمه محدود، وخلق من عجل، وفطر على السرعة وقلة البصر» 119.

وتظهر مواضع التثبت في هذه القصة فيما يأتي 120:

أولًا: لقد اختار الله سبحانه وتعالى لتقرير هذه الحقيقة العظيمة أعظم شخصية في عصره، وهو موسى عليه السلام، أحد أولي العزم، الذي ظن متعجلًا غير متثبت أنه أعلم الناس، فعاتبه الحق سبحانه؛ لأنه لم يرد العلم إليه، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم: (أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فقال له: بلى، لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك) 121.

ثانيًا: بعد أن قابل موسى الخضر عليهما السلام، وسأله أن يعلّمه من علمه، وأخبره الخضر أنه لن يستطيع صبرًا على ما يرى، وتعهد موسى عليه السلام أنه سيكون صابرًا، ولا يعصي له أمرًا، أخذ الخضر عليه السلام الشرط على موسى عليه السلام إن أراد صحبته ألا يسأله عن شيء حتى يوضّحه له ووافق موسى عليه السلام ألا يتسرع بالإنكار على الخضر عليه السلام عندما يقوم ببعض الأمور التي يبدو ظاهرها المنكر؛ لأن التسرع ينافي التثبت 122، فقبل موسى عليه السلام شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم 123.

قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 65 - 70] .

ثالثًا: «وتمضي الرحلة، وينكر موسى على الخضر عليهما السلام تصرفات أثارت الاستغراب والدهشة، من خرق للسفينة التي أقلتهما بدون أجر، وقتل للغلام الزكي الذي لم يبلغ الحلم، وبناء للجدار في قرية لم يضيفهما أهلها، لذلك لم يملك موسى عليه السلام نفسه أمام هذه التصرفات الغريبة ونسي وعده، وأسرع بالإنكار والتساؤل قائلًا للخضر عليه السلام: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] » 124.

إذن لم يصبر موسى عليه السلام على ما قام به الخضر عليه السلام، وتسرعه هذا ينافي التثبت، فلو صبر وتأنى لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض فتعين الفراق 125، لذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله موسى لو كان صبر لقص علينا من أمرهما) 126.

وقد «كان على موسى عليه السلام أن يتريث ويتأنى حتى يوضّح له الخضر أسباب ما يقوم به، لكنه تسرع وقال كلامًا يدل على ندمه الشديد {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] .

ولما لم يلتزم موسى عليه السلام بالشرط الذي وضعه على نفسه، وأنكر إنكارًا قائمًا على العجلة وعدم التريث، قرر الخضر عليه السلام مفارقته {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78] » 127.

رابعًا: «يمضي الخضر عليه السلام بتؤدة وأناة حتى تنتهي الرحلة إلى غايتها المقدرة، ويكشف القناع عن هذه القضايا الثلاث، التي كانت موضع دهشة واستغراب من موسى عليه السلام ومن كل من يقرأ هذه القصة في القرآن، فيتجلى أن الخضر عليه السلام كان مصيبًا محسنًا، فقد أحسن إلى صاحب السفينة بخرقها؛ إذ حفظها من اغتصاب الملك الظالم {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] .

وأحسن إلى أبوي الغلام بقتله؛ إذ كان فتنة لهما {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80] .

وأن بكاء ساعة أفضل من البكاء طول الحياة، وأن الغلام يعوّض، ولا عوض عن الدين والعافية {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 81] .

وأصلح الجدار وأقامه؛ لأنه كان ليتيمين من أبوين صالحين، وكان تحته كنز لهما، ولو تهدم الجدار لانكشف الكنز واختطفه الناهبون، فظهر أن صلاح العمل ينفع في الحياة وبعد الممات، وأن البذور الصالحة تظهر نتيجتها كما أن البذور السيئة تظهر نتيجتها» 128، {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .

هذه القصة العظيمة درس لكل المسلمين -وخاصة الدعاة- في التأني والتثبت قبل الإنكار، وهذا يوصلنا إلى الحقيقة والصواب، والعاقبة المحمودة، فكم من قضية أو حكم كنا نجهله أو ننكره، فلما وقفنا على حقيقته تبين لنا خطأ اعتقادنا وتفكيرنا!

ثانيًا: قصة سليمان عليه السلام والهدهد:

وردت هذه القصة في سورة النمل في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 20 - 28] .

تتجلى مظاهر التثبت في هذه القصة من خلال الآتي 129:

أولًا: قوله تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} ففي هذه الآية عدة فوائد:

الأولى: أن الخلل لا بد أن يعالج بالعقوبة {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} وهذا يثبت أن سليمان عليه السلام كان على إحاطة تامة وعلم شامل بأمر الجند.

الثانية: لم يتسرع سليمان عليه السلام بعقاب من لم يثبت تقصيره، فربما يكون هناك عذر أو سبب لهذا الغياب، ومن ثمّ قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} فقبل العقوبة لابد من التثبت، ومعرفة سبب الغياب.

الثالثة: دقة كلام الحاكم وإحاطته واختصاره، وإظهار الغضب إذا وجد الخلل، والتهديد بالعقوبة بحيث يسمعها الجند.

يقول سيد قطب: «ومن ثمّ نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} ولكن سليمان ليس ملكًا جبارًا في الأرض، إنما هو نبي، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائيًّا قبل أن يسمع منه، ويتبين عذره، ومن ثمّ تبرز سمة النبي العادل: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة عنه» 130.

«إذن فالسلطان المبين هو العذر البيّن الواضح المقبول، وهذا الاستدراك من سليمان عليه السلام يدل على حزمه وضبطه وعدله وتثبّته، فقد أعطى المتهم فرصة لبيان حجته والدفاع عن نفسه؛ لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أما إذا قدّم عذرًا أو حجة فلابد أن يقبل منه» 131.

ونستفيد من فعل سليمان عليه السلام في واقعنا، عدم جواز إصدار الأحكام على الناس المتهمين في نظرنا، حتى يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، والإتيان بالبينات القاطعة التي تشهد ببراءتهم مما نسب إليهم، لكن الناس في هذه الأيام يصدرون الأحكام الجاهزة على الناس دون أدنى تثبت، مما يجعل المجتمع المسلم أسيرًا للشائعات الكاذبة التي تقوّض بنيانه.

ثانيًا: قوله تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} إن قول الهدهد: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} تدل على تثبته؛ لأن الإحاطة تعني «العلم بالشيء من جميع جهاته» 132، وقوله: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} يدل على تأكده وتيقّنه مما رأى وشاهد.

ثالثًا: قوله تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} ومن دروس التثبت في هذه الآية:

الأول: قوله: {سَنَنْظُرُ} وهذا يدل على النظر والتأمل، والتصفح، والتثبت من الأخبار، والكشف عن الحقائق بوجه من وجوه المعرفة والعلم 133.

الثاني: «قوله: {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} يلاحظ أن سليمان عليه السلام لم يشرع في تصديقه أو تكذيبه، ولم يستخفه النبأ العظيم الذي جاء به، إنما أخذ في تجربة الهدهد ليتأكد من صحة ما قاله {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} [النمل: 28] » 134.

الثالث: لا بد للإنسان أن يتمهل، ويتثبت من الأخبار التي ترد إليه، وأن يفحصها ويتأكد منها، فإن ظهر له صدقها أخذ بها، وإن ظهر له كذبها رفضها، ولا يلام على موقفه هذا، وهذا ما فعله سليمان عليه السلام، تثبّت من كلام الهدهد فظهر له صدقه 135.

ثالثًا: قصة داود عليه السلام والخصمين:

وردت هذه القصة في قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 - 26] .

وبيان هذه القصة «أن داود النبي الملك، كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون الملك، وللقضاء بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت