فهرس الكتاب

الصفحة 1641 من 2431

وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] .

إن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن الكافرين من أهل الكتاب، وافتراءاتهم على الله تعالى فتبين أنهم نبذوا كتاب الله تعالى، واتبعوا ما تروي الشياطين من أمر النبي سليمان صلى الله عليه وسلم، وتبين هذه الآية الكريمة أن هاروت وماروت لا يعلمان من أحدٍ حتى يقولا له: إنما نحن مفتونون بأن نعلم السحر فلا تكفر.

وفي هذه الآية دليلٌ على أن العلم نوعان، منه ما هو حقٌ، ومنه ما هو باطلٌ، فتعليم السحر باطلٌ باتفاق 58، كما أن هاروت وماروت لا يضرون أحدًا إلا بإذن وأمر رباني، فمن شاء الله سلطهم عليه، ومن شاء منعهم منه، ويبين الله تعالى بلام قد الموطئة للقسم أنهم أي: الملكين بأن من اختار هذه الفتنة وهذا السحر ما له في الآخرة من نصيب، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أنه بئس ذلك الاختيار منهم؛ إذ إن ذلك يجلب لهم غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه الشديد، وهذا كله لو كانوا علماء أتقياء 59.

سادسًا: الحيوانات والطيور:

إن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات والطيور وكل الخلق يسبحون بحمد ربهم طوعًا وكرهًا، كلٌ بالطريقة التي تتناسب مع طبيعة خلقه، والله تعالى هو وحده الذي يعلم هذه الصلاة وهذا التسبيح منهم.

ومن الآيات التي بينت هذا الأمر ما يأتي: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] .

حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ينزهه عن الشرك كل من في السماوات والأرض من المخلوقات، وخاصةً الطير الباسطات أجنحتها في الهواء باصطفاف؛ لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت، فلعل السامع يغلب على ظنه إذا ذكرت السماوات والأرض أن الطير خارجة عن جملة من فيهن، وما يدل على هذا قوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} أي: من الجملة التي ذكرها الله تعالى من السموات والأرض ومن فيهن، والطير باسطات أجنحتها في الهواء، قد علم الله صلاتهم وتسبيحهم 60.

وإن هاتين الآيتين وغيرهما التي بينت أن جميع المخلوقات تنزه الله تعالى عن الشرك، إنما ذكرت الخلق المحصور في السماوات السبع والأرضين السبع، والطير الباسطات أجنحتها في الهواء، وهذا يدلل على أن القرآن الكريم يعطي الدلائل المحسوسة للناس أن هذه المخلوقات التي هي بين أيديكم ترونها، ولكن لا تفهمون طريقة تسبيحها لله تعالى، وفي هذه دليل عجزٍ لهم، فليس كل ما يرونه يستطيعون أن يصلوا إلى كل جوانب معرفته، فهم المخلوقون الذين علمهم الله تعالى؛ إذ لا معنى لذكر مخلوقاتٍ لا يستطيعون تصور شيء منها؛ ولذلك بينت آية الإسراء أن كل شيء يسبح بحمد ربه ولكن لا يفقه أحدٌ تسبيحهم، دون ذكر أنواع كل شيء من الخلق مما لا يستشعره الخلق، وهذا من بديع نظم القرآن الكريم 61، كما أن الطيور والحيوانات تعلم كل التسابيح وتفقهها بما يرضي بذلك رب العالمين.

لقد تعددت الأساليب القرآنية في الثناء على أهل العلم، فمنها: ارتضاء شهاداتهم على أعظم العقائد، وحصر كمال الصفات الطيبة فيهم.

وفيما يلي بيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: ارتضاء شهاداتهم على أعظم عقائد الدين.

إن أكثر الناس حبًا لله تعالى، ومن ثم عبادةً له هم أهل العلم؛ إذ إنهم الأعلم به جل جلاله، ومن ثم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنهم ورثة الأنبياء، فقال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) 62.

وعلى هذا فإن الله تعالى قد أكرم أهل العلم بارتضائه جل جلاله لهم أن يشهدوا بتوحيده تعالى، حيث قال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] .

فإن هذه الآية تبين أن أول من شهد أنه تعالى لا إله إلا هو، إنما هو الله جل جلاله، وشهدت الملائكة بعد ذلك، وأولو العلم بعدهم 63.

فقد شهد أهل العلم بعد الملائكة وبعد الله تعالى بالوحدانية؛ لبيان أنه جل جلاله قائمٌ بتدبير الخلق بالعدل؛ إذ إن من أراد أن يكون عدلًا في حكمه فإنه يشهد بوحدانية الله تعالى، فكل الآيات المتلوة والكونية تدلل على وحدانيته فضلًا عن أن الإنسان بفطرته يوحد الله تعالى، والعلم يحفظ الفطرة السليمة من التآكل أو الخلط بثقافات شيطانية، ومن ثم فإن الله تعالى وصف أولي الألباب بأنهم من عرف الحق بفطرته، وتفكر في خلقه بعقله وقلبه ومشاعره.

ويدل على هذا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

وأما ما جاء في سبب نزول هذه الآية فهو من كون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لقد نزلت علي الليلة آيةٌ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها) وقرأ الآية السابقة 64.

وقد دلت آيةٌ أخرى أن الله تعالى ارتضى شهادة أهل العلم على القرآن الكريم حيث قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] .

حيث تبين هذه الآية الكريمة أن من الذين علموا الكتاب مؤمنو أهل الكتابين أمثال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهم، حيث كانت شهادتهم قاطعة لقول أهل الخصوم 65.

ثانيًا: حصر كمال الصفات الطيبة فيهم:

وقد برز ذلك واضحًا في عدة آيات.

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .

فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى ضرب مثلًا على الذين لا يعلمون، وهو مثل العنكبوت التي اتخذت بيتًا لا يغني عنها شيئًا لا في حرٍ، ولا قرٍ، ولا مطرٍ، وتبين هذه الآية الكريمة أن جميع الأمثال التي ضربت من العنكبوت أو ما قبله مما حدث مع أقوام النبيين من الكافرين إنما كل ذلك يضربه للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفعالهم، ولكن النتيجة هي أنه لا يفهمها ولا يتعقل الأمر الذي ضربناه لأجله إلا العالمون بالله تعالى، الراسخون في العلم، المتدبرون، المتفكرون لما يتلى عليهم 66.

وفي هذه الآية دليلٌ على أن الإنسان لا يفقه أمثال الله تعالى إلا إذا علم، ولا ينجو العالم من غضب الله تعالى إلا إذا عمل بما علم، ويدل على هذا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] .

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] .

فكما بينت الآية السابقة اختلاف الجبال في ألوانها فإن هذه الآيات تبين أن من الناس والدواب والأنعام مختلفًا ألوانه كذلك، ثم قال في هذه الآية بأسلوب الحصر: إنما يكون أكثر الناس خشيةً لله تعالى هم العلماء، الذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير، فإن أعلم الناس بالله هم أشدهم له خشية، وإلا فما فائدة العلم اللساني، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية 67.

ولهذا «قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم، وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا، وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه عز وجل، وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل، وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق الفقه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادةٍ لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها» 68.

وحاصل ذلك القول، فإنه كلما كانت المعرفة لله تعالى أتم، والعلم به جل جلاله أكمل كلما كانت الخشية له عز وجل أعظم وأكثر 69.

تعددت العلوم في القرآن الكريم بما يصعب حصره في هذا المبحث، غير أنه يمكن حصر أصوله في نوعين: علوم وهبية، وعلوم مكتسبة.

وفيما يلي بيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: العلوم الوهبية:

ويقصد بالعلوم الوهبية تلك العلوم التي وهبها الله تعالى لخلقه سواء أكانت عن فطرة فطر الله تعالى بها من يشاء من عباده، أو عن وحي أوحى الله تعالى به لمن يشاء من عباده، فأما ما كان عن فطرة فمنه ما ورد واضحًا في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

فقد بينت الآية السابقة أن عبادة الظالمين للأوثان كانت اتباعًا لأهوائهم بغير علم أتاهم من الله، فما دام الأمر كذلك لا يمكن لأحدٍ أن يهديهم، وليس لهم من ناصرٍ ينصرهم من بعد الله، وتأتي هذه الآية لتضع العلاج المناسب لمسألة التوحيد، والإيمان بالله تعالى من خلال الرجوع إلى دين الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها فهم قد علموا التوحيد قبل أن يكونوا في بطون أمهاتهم أو ظهور آبائهم، حينما كانوا في عالم الذر، ولا تبديل لفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن ذلك الدين الفطري هو الدين المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولكن أكثر الناس الذين تآكلت فطرتهم واستسلموا للشيطان وأعوانه، هم الذين خيم عليهم الجهل بعد العلم 70.

وأما ما كان عن وحيٍ فقد ورد في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69] .

فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لقومه المكذبين فيما جاءهم به، ومن عند الله تعالى أن هذا القرآن خبرٌ عظيم، وهم عنه منصرفون لا يعملون به، ولا يصدقون بما جاء فيه من حجج الله تعالى وآياته 71.

وتأتي هذه الآية تكملةً لما سبق؛ لتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبٌ بأن يقول للمشركين: ما كان لي من علم بالملائكة؛ إذ يختصمون في شأن آدم صلى الله عليه وسلم، حين قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

وتستكمل الآيات خطاب الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: قل يا محمد أيضًا إنما أنا عليه من التبليغ لهذا الدين إنما هو وحيٌ مما يوحى إلي، وإنما أنا منذر 72.

ثانيًا: العلوم المكتسبة:

وهي العلوم التي تقوى وتزداد بكسب الإنسان من التعلم سواء أكانت علومًا محمودةً أو مذمومة، فأما العلوم المحمودة الكسبية فقد وردت في عدة آيات.

قال تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء: 132] .

فإن السياق القرآني يتحدث عن قوم هود عليه السلام وتبليغ نبيهم لهم، محذرًا إياهم من الاغترار بنعم الله تعالى التي أعطاها إياهم، ومن جملتها ما ذكره في هذه الآية، أي: أعطاكم الله تعالى بما تعلمون من جميع أوجه الخير، ومنها إعطاؤكم أنعامًا وبنين، وجناتٍ وعيون، وغير ذلك 73.

وإن هذا العلم وإن كان محمودًا إلا أنه استدراجٌ من الله تعالى، فلا يغرن أحدًا إمهال الله تعالى له، على ما يقترف من الذنوب والآثام، فإنه قد يكون ذلك مسارعةً في الخيرات بجني ثمار ما يفعل في الدنيا؛ حتى يكون صفر اليدين يوم القيامة، فالعلم هنا محمودٌ في ذاته لكنه ليس محمودًا في مقصوده، والله تعالى أعلم.

وقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

فإن هذه الآية تبين أنه جل جلاله خلق الخلق من غير مشورة لهم، وأثبتهم على الوصف الذي أراد، فلم يعلموا بما سبق حكمهم 74، ولا يعلمون أيضًا أي جانب من جوانب العلم المكتسب، ثم أعطاهم الله تعالى أدوات العلم، وهي: السمع ليسمعوا جوانب العلم ومدركاته، والأبصار لينظروا في ملكوت الله تعالى، فتتحقق بالمران، بعد توفيقه تعالى جوانب متقدمة من العلوم، ثم جعل القلوب ليكون هذا القلب بمثابة المصفاة التي تصفي تلك العلوم المكتسبة، فتبتكر علومًا مما تم اكتسابه، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن العلة من خلق الله تعالى للبشر ومن ثم إعطاؤهم أدوات المعرفة هي أن يشكروا الله تعالى على نعمائه.

وأما العلم المذموم، فمنه ما ورد على لسان الطغاة، كقارون حينما قال الله تعالى عنه: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] .

حيث إن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن قصة قارون واغتراره بما أعطاه الله تعالى من المال، فيقول ردًا على أهل العلم والإيمان الذين وعظوه وذكروه بالله تعالى إنما أوتيت هذا المال على فضلٍ وخيرٍ عندي؛ إذ إنني من أهل العلم بالصنعة آخذ هذا المال بفضل خبرتي في مجالي الذي أنا متميز فيه 75.

فرد الله تعالى بأسلوب غير مباشر، فهو أصغر من أن يخاطبه الله تعالى خطابًا مباشرًا، فقال جل شأنه: أو لم يعلم هذا الأفاك أن الله تعالى قد أهلك من تجبر وظلم أكثر منه ممن قبله ممن هو أكثر شدةً وقوة منه، وله جمع ملتفٌ حوله، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن المشركين لا يسألون عن ذنوبهم، فهم يعذبون ويدخلون النار بغير حساب 76.

وعلى هذا فإن العلم المذموم هنا هو الذي ادعاه قارون، وخالف شرع الله تعالى فيه، وعدم عزوه الرزق إلى الله تعالى، كما أن المذموم هو سلوكه السيئ بدلًا من الشكر على نعمة العلم لله تعالى.

أشارت آيات العلم الواردة في القرآن الكريم إلى مجموعة من الآداب، منها:

1.الإيقان بأنه فوق كل عالم من هو أعلم منه.

قال تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] .

فإن هذه الآية الكريمة تأتي في سياق الحديث عن قصة يوسف عليه السلام وكيد إخوته له، فلما تولى الوزارة ودخلوا عليه أراد أن يأخذ أخاه من أبيه وأمه، وهو الذي لم يكن مشتركًا معهم في كيدهم له، فأوحي إليه أن يكيد كيدًا، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أنه فوق كل عليم من هو أعلم فيكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، قال قتادة والحسن: والله ما من عالم على ظهر الأرض إلا فوقه من هو أعلم منه؛ حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى الذي علمه، ومنه بدأ وإليه يعود 77.

2.إسناد العلم لواهبه عز وجل.

قال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] .

حيث تبين هذه الآية أن الراسخين في العلم هم الذين يقولون آمنا بهذا المتشابه، فصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.

3.العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى.

لأنهم الأكثر معرفة له، وبه جل جلاله، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .

أي: إنما يخاف الله تعالى ويتقي عقابه العلماء؛ لأن من علم قدرة الله تعالى أيقن بالمعاقبة على المعصية فخاف الله واتقاه 78.

وقد ذكر بعض المفسرين أن العلماء هم المؤمنون 79، وهو رأي مقبول؛ إذ إن المؤمنين هم الذين استسلموا لعلمهم الفطري بتوحيد الله تعالى ولم يخالطوه بعلم مكتسب مذموم، بل إنهم وجهوا عقولهم إلى ما يعزز علم الفطرة، بإفرادهم الله تعالى في الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات، وأركان الإيمان بما يقوي عندهم الطاعة والعبادة، وعلى هذا فإنه لا يعقل أن يسمى المؤمن غبيًا؛ إذ إن العلماء محصورون في المؤمنين حق الإيمان، الذين عاشوا في دنياهم لأجل آخرتهم، وانضبطوا بشرع الله تعالى، ونهلوا من العلم النافع، ووهبوا حياتهم وأرواحهم لأجل ربهم.

ثم إن طلاب العلم ينبغي أن يتقوا الله تعالى؛ حتى يعطيهم من العلم، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] .

وهذه هي الفاصلة القرآنية لآية الدين، التي تتعلق بإرشاد الناس إلى ضبط مصالحهم وتنظيم حياتهم المعاشية منها، حيث تختتم الآية بالأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الخير، وبها يكون ترك الفساد، وبيان تعليم الله تعالى للخلق تذكيرًا بنعمة الإسلام، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، وقد وعد بذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيحاءٌ إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم 80.

يركز هذا المبحث على بيان أثر العلم الذي أعطاه الله تعالى من سار على سنن الله تعالى الكونية، سواء أكان مؤمنًا مجتهدًا في التعاطي مع هذه السنن التي لا تحابي أحدًا، وهي ماضيةٌ وفق ما يريده الله تعالى، أو كان كافرًا لا يؤمن بهذه الحياة الدنيا، وهذا كله في العلم الدنيوي.

أما في العلوم الشرعية التعبدية فإن عيش الأمة على هدىً من أمرها، وبعدٍ عن الخرافات والبدع التي تفسد العقل، وتذيع السوء والفاحشة، وتجعل العالم من حضارته حضارة مزيفة ليست قائمةً على رقيٍ ملموسٍ، ومن ثم فإنه يمكن القول إن أثر العلم في الرقي الحضاري قد بينه القرآن الكريم في آيات لعل أبرزها قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .

حيث تأتي هذه الآية في سياق بيان خلق الله تعالى لكل شيء، ومنها ما تذكره هذه الآية من خلق الخيل، وهم اسم جنس للفرس، وكذلك خلق البغال والحمير، وقد بينت الآية سبب خلق هذه الأنواع الثلاثة من المخلوقات، وهو الانتفاع بها بالحمل من ركوب على ظهرها، مما يجلبه ذلك من نفع في تسهيل السفر والترحال، وأما قوله: {وَزِينَةً} فهي زينة لأجل الركوب، وقد قدم الركوب على الزينة؛ لأن الأول أهم في الانتفاع من الثاني، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتخبر «بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا علم لنا به دلالةً على قدرته الباهرة الموجبة للتوحيد، كنعمه الظاهرة والباطنة» 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت