فهرس الكتاب

الصفحة 1910 من 2431

ثانيًا: أن يكون متعينا عليه ذلك بأن كان لا يوجد غيره، أو عين للفتوى بتعين الحاكم، وإلا لم يحرم عليه 61.

ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه، قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ؛ لأن كتمان ذلك وسيلة إلى تضييع أحكام الله، وما يتعلق بها من طاعة، وهذا الإظهار فرض على الكفاية، لأنه إذا أظهر البعض، صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه، فلم يبق مكتوما، وإذا خرج عن حد الكتمان، لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى 62.

وكتمان ما أنزل الله تعالى يتناول: إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره للناس وإزالته عن موضعه ووضع شيء آخر موضعه، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جريا مع الأهواء، وقد فعل أهل الكتاب ولا سيما اليهود- كل ذلك - فقد كانوا يعرفون مما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق، ولكنهم كتموا هذه المعرفة حسدا له على ما آتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا كلام الله وأولوه تأويلا فاسدا تبعا لأهوائهم.

والآية وإن كانت نزلت على سبب خاص وهم اليهود إلا أنها عامة تشمل كل من كتم آيات الله؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} فـ (ما) اسم موصول بمعنى الذي، وهي تفيد العموم 63.

أما قوله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتابا وحيا دون أدلة العقول، وقوله تعالى: {وَالْهُدَى} يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية؛ لأن الهدى عبارة عن الدلائل، فيعم الكل، فهذه الآيات تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجا إليها ثم تركها أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه، فقد لحقه الوعيد العظيم 64.

نهى الله تعالى عن كتمان الشهادة، لأن كتمانها من أكبر الكبائر، وهي تعدل شهادة الزور؛ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق، وقد دل على هذا المعنى آيات في كتاب الله العزيز، منها:

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283] .

وقوله تعالى: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] .

أوجب الإسلام إظهار الشهادة وعدم كتمانها؛ لأن دين الإسلام دين العدل لا يقبل الظلم ولا يرتضيه لأحد كائنا من كان، مؤمنا أو كافرا، غنيا أو فقيرا، قريبا أو بعيدا؛ لأنه بالشهادة تؤدى الحقوق لأصحابها المشهود لهم، فإن كتم الشاهد ولم يقم شهادته ضاع حق المشهود له، وقد توعد الله من كتم الشهادة وتركها أو حرفها وغيرها، وتعمد الكذب فيها فإنه سيلقى جزاءه عند الله؛ لأن الله تعالى خبير بعمله وقصده ونيته، فيجازيه على ذلك بما يستحقه.

ولهذا قال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] .

قال السدي: «يعني: فاجر قلبه» ، وهذه كقوله تعالى: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) } [النساء: 135] » 65.

وكتمان الشهادة فيه ضرر كبير على البشرية واختلال لنظامها وهي تعادل شهادة الزور الجريمة العظمة والطامة الكبرى التي كادت تعدل الإشراك بالله، والتي تهددنا في أموالنا ودمائنا وأمننا، تلكم التي أخربت بيوتًا عامرة وأزهقت أرواحًا بريئة وأهدرت حقوقًا واضحة فما فشت في أمة إلا وسادت فيها الفوضى وتحكمت فيها الأهواء، لذا وغيره من أضراره الخطرة حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم منها بقوله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس) يقول الراوي: كان متكئًا فجلس، ثم قال: (وشهادة الزور وقول الزور) وما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت 66.

وقال ابن عباس رضي الله عنه: «شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك» ، وبما أن الوعيد الشديد المقترن بالنهي عن الكتمان لا يكون إلا عند الدعوة إلى الشهادة لإحياء الحق، أو عند الخوف من فوات الحق، لذا كان الأمر مفيدا للوجوب عند هاتين الحالتين، وقال ابن عباس: «على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر حيثما استخبر، قال: ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي» .

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام، أي: لا أحد أظلم، {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} ، أي: موجودة ومودعة عنده {مِنَ اللَّهِ} ، أي: كتمها من الملك الأعظم، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه؛ لأنه العالم بالسرائر، ويحتمل أن يريد بذلك الذم لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هودا ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة، بل بادعائهم لما هو مخالف لها، وهو أشد في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم، الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم 67.

وقال المفسرون: «ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب، ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك» 68.

وإضافة الإثم إلى القلب الذي هو أشرف أعضاء البدن ورئيسها في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} تأكيد في تأكيد؛ لأن القلب محل اكتساب الآثام والأجور، والآلة التي وقع بها أداؤها لما عرف أن إسناد الفعل إلى محله أقوى من الإسناد إلى كله.

ولأنه هو محل الكتمان فهو محل المعصية بتمامها هنا، بخلاف سائر المعاصي التي تتعلق بالأعضاء الظاهرة، فإنها وإن كانت مسبوقة بمعصية القلب، وهو الهم المتصل بالفعل، فليس هو محلا لتمامها، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) 69.

وإن من صفات المؤمنين التي مدح الله تعالى أهلها وأثنى عليهم: إقامة الشهادة والقيام بها، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) } [المعارج: 33] .

وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] ، أي: أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.

وقد نهى الله تعالى الشهداء عن الامتناع من تحمل الشهادة إذا دعوا إلى ذلك، وكذا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة وأدائها، بل عليهم الإجابة إذا تعينت عليهم.

قال تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] .

وتحمل الشهادة فرض كفاية على الصحيح، وكذا أداؤها فرض كفاية كما هو مذهب جمهور العلماء، وقد ثبت من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) 70 71.

وفي إظهار الشهادة والقيام بها حين طلبها أو عند الحاجة إليها حكم عظيمة، ومصالح عميمة، دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، بما يؤدي إلى حفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، والسعادة في الدارين والتي هي مراد كل إنسان 72.

نهى الله تعالى اليهود عن أعمالهم القبيحة من الإغواء والإضلال، وتلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وإلقاء الشبهات، وكتمانهم الحق الذي يعرفونه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي نزل عليه، وإظهارهم الباطل، وإخفاء الدلائل والبينات، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به، وقد أوضح هذا المعنى في آيات من كتاب الله العزيز منها:

قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) } [البقرة: 42] .

وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } [البقرة: 146] .

وقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) } [آل عمران: 71] .

فقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض الأخلاق القبيحة التي تميز بها علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقد كانوا جبهة تضليل للناس، وتحريف للكتاب، وتلبيس للحق 73 بالباطل، وكتمانا للحق وإخفائه عن الناس.

كل ذلك عن قصد وعلم، بدافع الحسد واتباعا للأهواء، ومناصبة للعداء؛ لأن المدلس لا يؤمن جانبه، والمضلل لا يصدق، والحاسد لا يشفيه إلا زوال النعمة عن المحسود، وقد أسند هذا الكتمان وهذه الأفعال القبيحة إلى فريق منهم إذ لم يكونوا كلهم كذلك؛ فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وكان من علماء اليهود وأحبارهم، وتميم الداري رضي الله عنه من علماء النصارى.

ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل، وقد تنوعت أساليبهم القبيحة في كتمان الحق وإخفائه ولهم في ذلك طريقتان:

الأولى: طريقة كتمان الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] .

ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموها.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } [البقرة: 146] .

وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) } [الأنعام: 20] .

وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 156 - 157] .

وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير.

قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة: 15] .

ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم:(كيف تفعلون بمن زنى منكم؟) قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: (لا تجدون في التوراة الرجم؟) فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده، وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد، فرأيت صاحبها يحني عليها يقيها الحجارة) 74 75.

والثانية: طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) } [آل عمران: 71] .

كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم.

قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 40 - 42] .

وقال سبحانه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71] .

وفي الحق والباطل أربعة أقوال:

أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والباطل: كتمانهم بعض أمره.

والثاني: الحق: إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم غدوة، والباطل: كفرهم به عشية.

والثالث: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه فيها بأيديهم.

والرابع: الحق: الإسلام، والباطل: اليهودية والنصرانية.

قوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} ، قال قتادة: «كتموا الإسلام، وكتموا محمدا صلى الله عليه وسلم» 76.

ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون صلى الله عليه وسلم هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل، واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله تعالى، وفي الوقت نفسه يبرئون السامري، وقرئ: (تلبسون) بالتشديد، والتشديد للتكثير، وقرأ يحيى بن وثاب: (تلبسون) بفتح الباء، أي: تلبسون الحق مع الباطل، جعل الحق كأنه ثوب لبسوه، كقوله عليه السلام: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) 77، ولبس الحق بالباطل عام، وقيل هو خاص بالعقائد والأحكام 78.

وقد كان أهل الكتاب يحرفون الكلام عن مواضعه وهو نوع من الخلط الذي كانوا يمارسونه: وقد أثبت الله تعالى على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] .

وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] .

وقال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] 79.

ورد كتمان النعم في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) } [النساء: 37] .

فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفا من الناس لا يحبهم، وهم المختالون الفخورون الذين من صفتهم أنهم يبخلون ويأمرون غيرهم بالبخل، وهؤلاء ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر ما هو أقبح منه، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم يأمرون الناس بالبخل، كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة، وهذا غاية اللؤم، ونهاية الحمق، وقبح الطباع، وسوء الاختيار، ويخفون نعم الله التي أعطاها لهم فلا يظهرونها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من نعم الله عليهم.

فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ولهذا توعدهم الله تعالى بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} .

والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره: اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو فيمن كان بهذه الصفة، وفيمن كتم نعم الله وأنكرها، وذلك كفر بالله تعالى، وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، وقيل: المرد المؤمنون، فقوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ، يعني: من الرزق والمال، فيجيء على هذا أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، والآية إذا في المؤمنين، فالمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمى، فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم من المؤمنين، وأما الكافرون فإنه أعد لهم عذابًا مهينًا، ففضل توعد المؤمنين من توعد الكافرين، بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابًا مهينًا 80.

ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك، وأكثر شمولا، وأعم فائدة، والعبرة بالعموم لا بالخصوص كما هو معلوم عند علماء الأصول، ومما يدل على ذلك لفظ: (الذين) اسم موصول يفيد العموم فيدخل في الآية كل من اتصف بهذه الأوصاف مؤمنًا كان أو كافرًا، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، أي: أعددنا لهم ذلك ووضع المظهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن كان كافرًا لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء، ويجوز حمل الكفر على ظاهره، وذكر ضمير التعظيم للتهويل لأن عذاب العظيم عظيم، وغضب الحليم وخيم 81.

قال الإمام ابن كثير: «وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك.

ولهذا قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: 38] .

فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء» 82.

قال أبو بكر الجصاص: «الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر، وأصل الكفر إنما هو من تغطية نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها، وهذا يدل على أنه جائز للإنسان أن يتحدث بنعم الله عنده لا على جهة الفخر، بل على جهة الاعتراف بالنعمة والشكر للمنعم، وهو كقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } [الضحى: 11] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) 83، فأخبر بنعم الله عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه الافتخار» 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت