فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 2431

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «فهذا هو بعض ما يشغلهم في دنياهم. . الافتنان في بناء مجالس اللهو والسّمر، والإبداع في تصويرها ونقشها، وجلب كلّ غريب نفيس إليها. . حتى لتبدو كأنها آية في الحسن والجمال. . ومن شأن الآيات أن تثير العقل، وتغذِّي الوجدان، وتعلو بالنفس عن مدارج الأرض إلى معارج السماء! ولكن تلك الآيات، التي يبدعها القوم، هي آيات لاهية عابثة، تعلو بحيوانية الإنسان على آدميته، وتنتصر لجسده على روحه! والمصانع: الأمكنة الجيدة الصنع. . وهذا وجه آخر من الوجوه التي يصرف القوم فيها جهدهم، وهو أنهم يجوّدون في صناعة منازلهم وأمتعتهم، وأدوات ركوبهم. . حتى لكأنهم خالدون في هذه الدنيا، لا يموتون أبدًا. فليتهم إذ أجادوا الصنعة وأحسنوا العمل فيما هو لدنياهم أن يجيدوا بعض الإجادة، ويحسنوا بعض الإحسان، لما بعد هذه الحياة الفانية» 54.

ذكّر «هود عليه السلام قومه بما يسّره اللّه لهم من أسباب الثروة و الرفاه، و بما كانوا ينشئونه بسبيل ذلك من سدود ومنشآت» 55.

ووجه العبث في بنائها أنهم يغالون في الارتفاع بها مفاخرة، فهم يعيثون، ولا يكتفون بقدر الحاجة، وكل ما يزيد عن قدر الحاجة يكون عبثًا، وكل ما يدفع إلى البطر فهو عبث، أيًّا كان نوعه.

وذكر الزمخشري: أن العبث فيها أنه لا حاجة إلى هذه العلامات؛ لأن تهديهم إلى الطرق، وكان لهم بها علم 56.

ومن هنا يتبيّن لنا كيف مكّن الله تعالى لعادٍ ما لم يمكّن لكثير من العباد حتى قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26] .

وفي سورة الفجر إشارةٌ لمعلمٍ آخر من معالم حضارة قوم عاد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 6 - 8] .

«وسواءٌ عماد بيوتهم وقصورهم، فهو كنايةٌ عن طول أجسامهم، ووفرة أموالهم، وتوافر القوّة عندهم» 57، مدائن مشيدة وقصور ودور منيفة، ليس لها مثيلٌ فيما مضى، في شموخها وارتفاعها، مع طول الأجساد وقوتها.

ومع هذه النعمة العظيمة والآلاء الجسيمة صحةٌ في الأبدان وقوة في البنيان، فلقد كذبوا وكفروا بآيات الله، وسلكوا طريق التجبّر فأساءوا استغلال قوتهم، واستكبروا، مع ما كانوا عليه من جحود وكفران وتمرّد وعصيانٍ.

قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 18] .

وقال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59] .

وقال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] .

وقال تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 25 - 26] .

حلّ بهم الدمار والخراب، فأهلكهم الله بريح عاتية، هدّمت بنيانهم واقتلعتهم من بيوتهم، وجعلتهم كجذوع النخل المنقعرة الخاوية.

قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 18 - 20] .

فانظر كيف كان عاقبة تكذيبهم وجحودهم؛ حيث أرسل الله تعالى عليهم ريحًا عاتية باردة في يوم عصيبٍ رهيبٍ في يوم نحس مستمر عليهم، انتقلوا فيه من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة، فهو نحس متواصل، فكانت الريح تنزع الناس مع تشبثهم ولجوئهم لديارهم الحصينة فتقذف بهم رأسًا على عقب، قال مجاهد: يلقى الرّجل على رأسه، فتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه. وقيل: كانوا يصطفون آخذي بعضهم بأيدي بعض، ويدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها، فتنزعهم وتدقّ رقابهم 58، والأعجاز: الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها. وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم، فتبقي أجسادًا بلا رءوس، تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيّبه عن الأبصار، ثم تنكّسه على أمّ رأسه، فيسقط على الأرض جثةً بلا رأسٍ، فأشبهت أعجاز النخل التي انقلعت من مغارسها 59.

وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 21 - 25] .

فلمّا رأوا العذاب، عارضًا، أي: معترضًا في السماء، أو في عرض السماء، مستقبل أوديتهم وقد أجدبت فرحوا به وتهللوا ظانّين أنه جاء بالمطر الذي طال انتظاره، وقالوا: هذا السحاب الذي أقبل، سوف يمطرنا، ولكن هيهات وقد حلّ العذاب وحق عليهم القول، بل هو العذاب الذي استعجلتموه، ريحٌ عقيم فيها عذابٌ أليمٌ، وفي هذا التعبير تهكّمٌ بهم وتبكيتٌ لهم، فهذه الريح تحمل لهم مفاجأة ليست في الحسبان، تحمل لهم العذاب من حيث يرتجون الرحمة تهبّ عليهم بالدمار من حيث يرتقبون القطر المدرار.

قال ابن عبّاس: «أوّل ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرّجال والمواشي تطير بهم الرّيح ما بين السّماء والأرض، مثل: الرِّيش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الرّيح الأبواب وصرعتهم، وأمر اللّه الرّيح فأهالت عليهم الرّمال، فكانوا تحت الرّمال سبع ليالٍ وثمانية أيّام حسومًا، ولهم أنين، ثمّ أمر اللّه الرّيح فكشف عنهم الرّمال واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي الّتي قال اللّه تعالى فيها: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي: كلّ شيء مرّت عليه من رجال عاد وأموالها» 60. تهٍلك كلّ شيءٍ مرّت به من الناس والدوابّ والأموال، بتقديرٍ وتدبيرٍ من الله عز وجل، فهي مأمورةٌ، فهلكوا جميعًا ولم تبق منهم باقية، إلا تلك البيوت الخربة والأطلال البالية التي لا تزال شاهدةً عليهم، وتلك سنة الله تعالى وحكمه فيمن كذّب برسله وأعرض عن آياته ونذره واستخفّ بوعيده.

قامت حضارة ثمود في شمال الجزيرة العربية، حيث مكّن الله لهم في الأرض وهيأ لهم سبل العيش، فكانوا ينحتون البيوت الفارهة في الجبال، ويبنون القصور في السهول والوديان من الأحجار التي يقدّونها من الجبال.

قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] .

وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .

ذكّرهم بنعم الله عليهم؛ إذ خلقهم من أديم الأرض، فأنبتهم منها كما ينبت الزرع وينمو ويترعرع ويزهر ويثمر، وهيّأ لهم سبل العيش عليها وسخّر لهم ما يحتاجون إليه في عمارتها من المنافع، ومكّنهم في الأرض ينحتون جبالها، ويستغلون سهولها، ويزرعون وديانها، وينعمون بخيراتها، ويستخرجون كنوزها، يبنون ويعمّرون، ويغرسون ويحصدون.

وقال تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء: 146 - 149] .

أتطمعون أن تقرّوا على ما أنتم عليه من معصيةٍ، وتنعمون بالأمن والرفاهية وليونة العيش؟!

ومعنى فارهين: منعّمين مترفين، وقيل: أقوياء ناشطين حاذقين معتدّين بأنفسكم، وقرئ: فرهين، قيل: بمعنى أشرين.

قال ابن عاشور: «و {فَارِهِينَ} صيغة مبالغة، مشتق من الفراهة وهي الحذق والكياسة، أي: عارفين حذقين بنحت البيوت من الجبال بحيث تصير بالنحت كأنها مبنية» 61.

فنهاهم عن انهماكهم في نحت الحجارة من الجبال بمهارة وبراعة، لكي يبنوا بها بيوتًا وقصورًا بقصد الأشر والبطر -لا بقصد الإصلاح والشكر للّه-، فمحل النهي إنما هو قصد الأشر والبطر في البناء وفي النحت 62.

ومن الفوائد العجيبة مقارنة أبي حيان بين حضارتي عاد وثمود، يقول رحمه الله: «وظاهر هذه الآيات أن الغالب على قوم (هود) اللذات الخيالية من طلب الاستعلاء والبقاء والتفرّد والتجبّر، وعلى قوم (صالح) اللذات الحسّية من المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة» 63.

وقال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) } [الفجر: 9] .

شقّوا الصخور ونحتوها وبنوا منها البيوت والمدائن، بواد القرى فيما يعرف بمدائن صالحٍ، وبيوتهم موجودةٌ إلى الآن.

وفي مقابل هذه الحضارة المزدهرة والرفاهية والتنعّم الذي تقلبت فيه ثمود إلا أن هذه الحضارة كانت مهددةً بآفات كثيرة، منها ما كانوا عليه من إفساد، وكراهية للنصيحة، وتكذيب وإعراض وشك وارتياب في دعوة نبي الله صالح عليه السلام.

قال تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] .

وقال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79] .

فلما تمادوا في الضلال وعتوا وتمرّدوا وعقروا الناقة حقّ عليهم العذاب، وحلّ بهم العقاب وأصابهم الدمار والخراب، فكانوا عبرةً لكلّ معتبر.

قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 66 - 68] .

فلما انقضت المهلة نجى الله عز وجل بلطفه ورحمته نبيّه صالحًا ومن آمن به من خزي هذا اليوم العصيب، إنّ ربك هو القويّ في أخذه، تخور كلّ القوى أمام قوته، العزيز الذي لا يغالب؛ يعزّ أولياءه وينصرهم ويذل أعداءه ويخزيهم ويقهرهم، فلا يمتنع عليه شيء، وأخذت الصيحة المدوّية الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم بكفرهم وتمرّدهم فأصبحوا في ديارهم راكعين على ركبهم، قد خارت قواهم وانهدّ بنيانهم وتمرّغت أنوفهم وخضعت رقابهم، كأن لم يقيموا فيها بنعمة وعافية، بل صاروا أثرًا بعد عين، وطمست معالم تلك المدائن التي كانت عامرة، ومحيت رسومها وعفت مرابعها، فلم يبق منها إلا الأطلال الموحشة والديار المقفرة؛ عبرة ناطقة، ومدائن خربة، تحكي جبروتهم وتروي قصة كفرهم وأشرهم، ألا إن ثمود كفروا ربهم، جحدوا نعمه، وكذبوا رسله، عموا عن آياته المبصرة، وانتهكوا حرمتها، ألا بعدًا لهم وسحقًا، في الدنيا والآخرة.

وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 50 - 52] .

جازاهم الله على مكرهم بمكر فعجّل بهم وأهلكهم، وهنا تصف الآيات ما آلت إليه تلك الحضارة وهذا العمران من هدمٍ وخراب، ووحشة بعد بناء وعمران وأنسٍ، بسبب ظلمهم.

وقال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 21 - 31] .

لم تعتبر ثمود من قوم عاد، كما لم تعتبر عادٌ من قوم نوح، بل كذبوا جميعًا مع كثرة النّذر وتجلّي العبر، وقلبوا الحقائق؛ فزعموا أن اتباعهم له سلوكٌ لطريق الضلال والعذاب، وقد كذبوا في زعمهم، فكان اعتراضهم على أنه بشرٌ وعلى كونه واحدًا، وعلى أنه منهم، فاعتبروا اتّباعه ضربًا من الضلال والخسران! فأيّ ضلالٍ أشدّ مما هم عليه! إنه الكبر والاغترار والعجب والحسد وغير ذلك من أمراض النفوس، مع غفلتهم وجهلهم بسنن الله وأقداره وحكمه وشئونه في خلقه.

ثم عادوا إلى إلصاق التّهم بصالح عليه السلام فاتهموه بالكذب، ورموه بحبّ الظهور والشهرة والاستعلاء والسيطرة عليهم، وهم في الحقيقة كاذبون متكبّرون، حسدوا نبيّهم على هذه المنزلة، فكان لا بدّ من كشف خباياهم وفضح نواياهم، وحتى لا تبقى لهم حجةٌ أرسل الله لهم آيةً واضحةً جليةً وهي الناقة؛ فتنةً لهم وحجةً عليهم وتلبيةً لإلحاحهم وابتلاء لهم وامتحانًا، وجعل الله للناقة ولهم قدرًا ونوبة، فالناقة تحضره يومًا، وهم يحضرونه يومًا، فإذا كان يوم نوبتهم حلبوها فانتفع الجميع بلبنها، لكنهم سرعان ما أظهروا الغدر فعزموا على عقر الناقة، وحرّضوا على ذلك أشقاهم، وأعانوه على هذه الجريمة المنكرة، فتناول بجرأةٍ الناقة بالعقر فعقرها. هنالك قرعت آذانهم صيحةٌ شديدةٌ، جعلتهم كحطام الشجر وعيدانه اليابسة، أو كهشيم الحظيرة إذا يبس وداسته الغنم 64.

بلغت الحضارة الفرعونية أوج نهضتها وذروة سنامها، في عهد فرعون الذي دانت له البلاد، وكثرت الخيرات، مع استغلاله لبني إسرائيل في المهن والأعمال الشّاقّة، واستحياء النساء للخدمة، وجاء في القرآن الكريم وصفٌ لهذا الملك الواسع وهذا الثراء البالغ.

قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51 - 53] .

وهذه الآيات الكريمة تنبئ عن وصف هذا الملك العريض، ملك مصر بأنهارها وبساتينها، والنيل وفروعه الممتدة تسقي القرى والمدائن وتمر بالحقول والبساتين، حضارة ومدنية قامت على ضفاف النيل ومدائن واسعة، ولم ترد كلمة المدائن إلا في ثلاثة مواضع، وكلها في نطاق ملك فرعون: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف: 111] .

وقال تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء: 36] .

وقال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء: 53] .

فدلَّ هذا على ما كانت عليه الحضارة الفرعونية من مدنية ورقيٍّ ماديٍّ، وحركةٍ وأنشطةٍ اقتصاديةٍ وسياسية وإدارةٍ محكمة وتبعيّةٍ لبلاط فرعون.

كذلك جاء وصف حضارة الفراعنة في قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} [الفجر: 10] .

قال الشنقيطي: «وأمّا فرعون ذو الأوتاد، فقيل: هي أوتاد الخيام، كان يتدها لمن يعذّبهم.

وقيل: هي كنايةٌ عن الجنود يثبّت بها ملكه. وقيل: هي أكماتٌ وأسوارٌ مرتفعاتٌ، يلعب له في مرابعها. قال ابن جريرٍ ما نصّه: حدّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} ذكر لنا أنّها كانت مطالٌّ، وملاعب يلعب له تحتها من أوتادٍ وجبالٍ.

والّذي يظهر - واللّه تعالى أعلم: أنّ هذا القول هو الصّحيح، وأنّها مرتفعةٌ، وأنّها هي المعروفة الآن بالأهرام بمصر، ويرجّح ذلك عدّة أمورٍ؛ منها: أنّها تشبه الأوتاد في منظرها طرفه إلى أعلى، إذ القمّة شبه الوتد، مدبّبةٌ بالنّسبة لضخامتها، فهي بشكلٍ مثلّثٍ، قاعدته إلى أسفل وطرفه إلى أعلى. ومنها: ذكره مع ثمود الّذين جابوا الصّخر بالواد، بجامع مظاهر القوّة، فأولئك نحتوا الصّخر بيوتًا فارهين، وهؤلاء قطعوا الصّخر الكبير من موطنٍ لا جبال حوله، ممّا يدلّ أنّها نقلت من مكانٍ بعيدٍ. والحال أنّها قطعٌ كبارٌ صخراتٌ عظامٌ ففي اقتطاعها وفي نقلها إلى محلّ بنائها، وفي نفس البناء كلّ ذلك ممّا يدلّ على القوّة والجبروت، وتسخير العباد في ذلك. ومنها: أنّ حملها على الأهرام القائمة بالذّات والمشاهدة في كلّ زمانٍ ولكلّ جيلٍ» 65.

وعندما تمضي بنا الآيات؛ لتتحدث عن مخلّفات فرعون وحاشيته بعد أن أغرقوا في اليم نجد ما يثير العجب.

قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59] .

وقال تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] .

لقد كان للنشاط الزراعي مكانته في الحضارة الفرعونية، إلى جانب البنايات التي يشير إليها قوله: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} والكنوز النفيسة، والرفاهية التي كانوا فيها، فسلب الله منهم الملك والنّعم وأهلكهم مع فرعون، وانهارت تلك الحضارة العريقة بعد أن انحرفت عن مسارها وأفسدتها العلل، وعجّلت بها الآفات من الظلم والفساد والقهر والاستعباد والكفر بآيات الله واضطهاد موسى عليه السلام ومن آمن به.

ولقد سبق أن أنذرهم الله بنذر كثيرة لم تغيّر من حالهم، بل ازدادوا قسوة وتمرّدًا.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 130 - 136] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت