ونعى القرآن عليهم كيف يدعون إلى الاحتكام لشريعة الحق ثم يعرضون عنها.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى? كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى? فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) [آل عمران: 23] .
فكان الإعراض عن القرآن نتيجةً لإعراضهم عن كتبهم التي يزعمون أنهم مؤمنون بها متمسكون بما فيها، وكان الحري بهم وقد أوتوا حظًا من العلم بكلام الله إذا دعوا إلى القرآن الذي خرج من المشكاة التي خرج منها التوراة والإنجيل أن يبادروا إلى الاستجابة له، وقبول أحكامه. وجاء الاستفهام ليحمل معنى التعجيب والإنكار، والتعبير ب «ثم» فيه معنى الاستبعاد، كيف يدعون إلى الحق فيعرضون عنه؟
وهذا التولي مصاحبٌ لموقفهم الثابت من هذا الكتاب وهو الإعراض التام الذي لا مبرر له سوى التمرد والجحود، والمفاهيم الخاطئة عن الآخرة.
قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24 ) ) [آل عمران: 24] .
ذلك التولي والإعراض بسبب زعمهم أنهم إن دخلوا النار فلن يمضوا فيها سوى أيام معدودات، فكانت تلك الفرية وغيرها من الفرى التي أقحموها في دينهم ودسوها في عقيدتهم من دواعي غرورهم وظنهم السيئ بربهم.
وحين بعث عيسى عليه السلام دعا الله تعالى أهل الكتاب إلى الاحتكام إلى الإنجيل مع التوراة التي نسخ بعض أحكامها.
قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?47?) [المائدة: 46 - 47] .
قال الشوكاني: «قوله: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) : هذا أمرٌ لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه، وذلك قبل البعثة المحمدية، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضعٍ بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة» 53.
وقوله (بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) : حجةٌ على النصارى الذين يعرضون عن القرآن؛ فإذا كان تحكيمهم للإنجيل لأنه مما أنزل الله؛ فالقرآن كذلك مما أنزل الله! فلماذا يتنكرون له ويعادونه!
وقوله: (أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) دليلٌ على أنه مؤقتٌ بمرحلةٍ معينةٍ، وموجهٌ لطائفةٍ محددةٍ، هم بنو إسرائيل خاصةً، ومن هنا فإنه لم يؤمن بالتوراة من لم يؤمن بالإنجيل، ولم يؤمن بموسى من لم يؤمن بعيسى عليهما السلام.
قرأ حمزة: (وَلِيَحْكُمَ) بكسر اللام، وفتح الميم، والمعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم، فالإنجيل مع ما لم ينسخ من التوراة شرعةٌ ومنهاجٌ للنصارى، وقرأ الباقون بسكون اللام والميم على سبيل الأمر: (وَلْيَحْكُمْ) 54.
وفيه وجهان:
الأول: أن يكون التقدير: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله: (ے ے وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ? فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?45?وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?) [المائدة: 45 - 46] .
يدل عليه، وحذف القول كثيرٌ كقوله تعالى: (ڑ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ(23) ہسَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 23] .
أي: يقولون سلامٌ عليكم.
والثاني: أن يكون قوله: (وليحكم) ابتداء أمرٍ للنصارى بالحكم في الإنجيل.
والمقصود: أن يحكموا بما أنزل الله فيه مما لا يزال باقيا لم يحرف، ومعيار ذلك موافقته للحق الذي جاء به القرآن. وقد لفت نظري تكرار كلمة الإنجيل كأنها تشير إلى أكثر من إنجيل، فالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام هو الإنجيل الحق.
وهو المشار إليه بقوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?) [المائدة: 46] .
بينما أشارت الآية الثانية إلى الإنجيل الموجود في أيدي النصارى، وهذا يجب أن يطبق منه ما دلت القرائن على أنه من بقايا الإنجيل الحق الذي أنزله الله بدليل قوله تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) ولم يقل مثلا: وليحكم أهل الإنجيل به، فدل هذا على اشتمال الإنجيل على قدرٍ مرجعه للوحي والباقي من وضع البشر.
قال ابن حزمٍ: «وأما قوله تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) فحقٌ على ظاهره لأن الله تعالى أنزل فيه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع دينه، ولا يكونون أبدا حاكمين بما أنزل الله تعالى فيه إلا باتباعهم دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم فإنما أمرهم الله تعالى بالحكم بما أنزل في الإنجيل الذي ينتمون إليه فهم أهله، ولم يأمرهم قط تعالى بما يسمى إنجيلا وليس بإنجيلٍ، ولا أنزله الله تعالى كما هو قط، والآية موافقة لقولنا، وليس فيها أن الإنجيل لم يبدل لا بنصٍ ولا بدليلٍ، إنما فيها إلزام النصارى الذين يتسمون بأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه، وهم على خلاف ذلك» 55.
وعلى هذا فالآية حجةٌ على النصارى، وفيها تعجيزٌ لهم، فلا برهان لهم، ولا دليل، إلا في القرآن الذي حدثنا عن مضمون ومقصود الإنجيل الحقيقي، أو (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) ما لم ينسخ بالقرآن فيبطل العمل به، ومما ريب فيه أن الحكم بما في الإنجيل يقود ويفضي إلى الحكم بالقرآن لأن حقائق الإنجيل تقرر ما في القرآن.
أما القرآن الكريم فقد جاء بالشريعة الغراء الكاملة التي فرض الله عزوجل الإيمان بها والعمل بأحكامها.
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ? فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?48?وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ?49?أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ? وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ?50?) [المائدة 48 - 50] .
فأنزل الله آخر كتبه على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم؛ امتدادا لما سبقه من الكتب وتصديقا بها؛ فنزوله دليلٌ على صدقها، وهو مهيمنٌ عليها: أمينٌ ورقيبٌ، وحكمٌ وشاهدٌ، ومبينٌ لما خفي منها، وموضحٌ لما أشكل فيها، وحافظٌ يقوم ما اعتراها من اعوجاجٍ، وينفي ما لابسها من أباطيل وخرافاتٍ، مستوعبٌ لما جاء في أصولها، ومتممٌ لها، هو المرجع الذي يحتكم إليه عند التنازع في شأنها، وأمر تعالى بتحكيم كتابه والعمل به، وتعظيمه، ونهى عن اتباع ما عليه أهل الضلال من أهواء، وقد جعل الله لكل أمةٍ شرعة تحتكم إليها ومنهاجا تسير عليه بما يحقق مصالحها ويلبي حوائجها، ولو شاء الله لجمع البشرية على منهجٍ واحدٍ وشرعةٍ واحدة.
ولكن اختلاف الناس وتباين مشاربهم وتوجهاتهم سنة الله ومشيئته ثم يأمر الله تعالى بتحكيم شرعه ففيه الخير والصلاح والرحمة بالإنسانية، وفيه البركة والسعد لكل من أذعن له ورضي به، وينهى عن اتباع ما عليه أهل الضلال من أهواءٍ يحتكمون إليها مع ما فيها من تعسفٍ وظلمٍ، ويحذر من كيد أعداء الدين وتحايلهم لصرف أهل الإسلام عن شريعتهم ومنهاجهم، والتلبيس عليهم وتعطيل الأحكام؛ لنشر الظلم وإشاعة الفوضى في المجتمعات.
وإذا كان الاستجابة لبعض دعواتهم والانقياد لهم والسقوط في شراكهم بتعطيل بعض ما أنزل الله فتنةٌ يجب الحذر منها، فإن أعرضوا وانصرفوا عن شرعة الله ومنهاجه الذي ارتضاه لعباده وجعل فيه صلاحهم، فاعلم أن الله تعالى يريد عقوبتهم وحرمانهم، وقد جبلت نفوس كثيرةٌ على الصدود والإعراض والانفلات عن شريعة الله تعالى والتحايل عليها والخروج عنها، ثم أنكر الله على من هجر شريعته ورضي بأهواء وأحكام الجاهلية مع ما تحمله من جهل وسفهٍ وتناقض وتخبط وظلم وقسوة، وحميةٍ ورجعيةٍ، مع ذلك تجد من ينادي بها ويطالب بتطبيقها.
وأنكر تعالى على من يعتقد خلاف ذلك، ويقرر تعالى أن حكمه تعالى هو المقدم، فلا يضاهيه ولا يضارعه حكمٌ، ولا يمتثل لشريعة الله إلا أهل اليقين، الذين وقر الإيمان في قلوبهم ونور بصائرهم وهيئ نفوسهم لقبول شرع الله والرضا بحكم الله.
رابعًا: اشتمال الكتب المنزلة جميعًا على وجوب الإيمان بخاتم النبيين:
ما بعث الله من نبي ولا أنزل من كتاب إلا وبشر فيه بخاتم النبيين، وجلى أوصافه للمؤمنين، فبشر به كل كتاب وأخبر عنه كل نبيٍ، وقد أخذ الله الميثاق على جميع أنبيائه بالإيمان بهذا النبي ومؤازرته إن أظلهم زمانه، ودعوة أتباعهم إلى ذلك.
قال جل وعلا: (? وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ? قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ? وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157 ) ) [الأعراف: 156 - 157] .
فلقد جاءت أوصاف نبينا صلى الله عليه وسلم مكتوبةً في التوراة والإنجيل وعلى إثرها وفي ضوئها آمن من آمن من علماء أهل الكتاب، وكان اليهود والنصارى يترقبون مجيء هذا النبي الأمي الذي يبعث بالرحمة ويرفع الله به الحرج ويضع عنهم الآصار التي أرهقتهم، ويحط الأغلال التي أثقلتهم، وكانوا يتواصون ويتعاهدون على نصرته ومؤازرته، فلما بعث آمن منهم من تجرد للحق وأخلص له، وأعرض من خاب وخسر.
وقال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29) ڑ) [الفتح: 29] .
فلم يقتصر الحديث في التوراة والإنجيل على أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، بل ورد الحديث كذلك عن أوصاف أصحابه ومناقبهم، كما أشارت الآية الكريمة، أن الله تعالى ضرب لنبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في التوراة والإنجيل، حيث بدأت دعوة الإسلام غريبةً، ولم تلبث أن قوي عودها وانتشر عبيرها وأورقت شجرتها وأينعت ثمارها. ولا تزال الكتب السابقة تحفل بالبشارات التي بقيت شاهدة وهادية لطريق إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم.
وقال جل وعلا: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ? فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ?ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ(6 ) ) [الصف: 6] .
فلقد جاء عيسى عليه السلام مصدقا بالتوراة ومبشرًا بخاتم الأنبياء.
تحدث القرآن الكريم عن موقفه من الكتب المنزلة فقد جاء مصدقا لها داعيا للإيمان بها، مهيمنا عليها، حافظا وأمينا ومستوعبا لها، موثقا لها حيث انقطعت أسانيدها واندثرت أصولها وتعرضت للتحريف، فجاء القرآن بالحق فيها.
أولًا: القرآن مصدق لما بين يديه من الكتب:
جاء القرآن الكريم مصدقا لتلك الكتب، فبين أنها نزلت بالحق من عند الله تعالى، وأنها بشرت بالنبي العربي الأمي، وقد ورد الحديث عن تصديق القرآن الكريم بالكتب السابقة في أكثر من عشرة مواضع، تقرر تلك الحقيقة وتذكر بها، فقد جاء القرآن مصدقًا للكتب المنزلة قبله، مصدقًا بنزولها، وبما بقي في تلك الكتب التي بين أيديهم من حقائق لم تتبدل، فلا زالت بشاراتٌ كثيرةٌ باقيةٌ في كتبهم، شاهدةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته.
ولقد جاء الحديث عن تصديق القرآن بالكتب السابقة في سياق بيان مقاصد القرآن ووجوب اتباعه، ودعوة أهل الكتاب إلى الإيمان به، والاحتجاج عليهم والرد على أقوالهم، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ? فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [المائدة: 48] .
وتصديقه لها لأنها أخبرت بمجيئه، ووقوع المخبر به يدل على صدق من أخبر، ويدل كذلك على صدق القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يوافقها. عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) ، فهو القرآن شاهدٌ على التوراة والإنجيل مصدقًا بهما»، وروي عن قتادة، قال: «الكتب التي خلت قبله» 56.
وقال ابن كثير: «وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله والأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه.» 57.
فالقرآن جاء مصدقا للتوراة والإنجيل، وسائر الكتب المنزلة من عند الله تعالى، ومصدقا بنزولها من عند الله تعالى ومصدقا لمقاصد تلك الكتب ومضمونها، ومصدقا على وجه الخصوص بما حدثت عنه.
وقال الرازي: «والمعنى أنه مصدقٌ لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما أخبروا به عن الله عز وجل، ثم في الآية وجهان: الأول: أنه تعالى دل بذلك على صحة القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقًا لسائر الكتب، لأنه كان أميًا لم يختلط بأحدٍ من العلماء، ولا تتلمذ لأحدٍ، ولا قرأ على أحدٍ شيئًا، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى. الثاني: قال أبو مسلمٍ: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيًا قط إلا بالدعاء إلى توحيده، والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمانٍ، فالقرآن مصدقٌ لتلك الكتب في كل ذلك» 58.
فتصديق القرآن بما سبقه من كتبٍ دليلٌ على صدقه وصدقها، وبيان انتظامه في سلكها، وخروجه من المشكاة التي خرجت منها؛ وكتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا. قال ابن القيم في هداية الحيارى: «لو لم يظهر محمدٌ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديقٌ لنبواتهم، وشهادةٌ لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ?) [الصافات: 37] .
فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، فكان مجيئه تصديقًا لهم؛ إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم، وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله، ومثل هذا قول المسيح: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ? فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ?ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ(6 ) ) [الصف: 6] .
فإن التوراة لما بشرت به وبنبوته كان نفس ظهوره تصديقًا لها، ثم بشر برسولٍ يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة، فعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق، فلو لم يظهر محمدٌ بن عبد الله ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله، والله سبحانه لا يخلف وعده، ولا يكذب خبره» 59.
ودعا الله تعالى أهل الكتاب للإيمان بالقرآن الذي جاء مصدقا لما معهم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى? أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) [النساء: 47] .
ومعنى كونه مصدقا لما معهم: أي بما في كتبهم من بشارات واضحة تدل على بعثته وتقرر نبوته صلى الله عليه وسلم.
قال ابن جرير: «ويعني بقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) : أن القرآن مصدقٌ لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة، فأمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة؛ لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه نظير الذي من ذلك في الإنجيل والتوراة، ففي تصديقهم بما أنزل على محمدٍ تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة، وفي تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما معهم من التوراة» 60.
وقال ابن كثير رحمه الله: «فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات» 61.
وقال جل وعلا داعيا بني إسرائيل للإيمان بخاتم النبيين الذي جاء مصدقا بما معهم: (. وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ? وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) [البقرة: 41] .
وهذه الآية دعوةٌ للإيمان بالقرآن العظيم وبنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم التي دلت عليها كتبهم فهي تصديقٌ لما جاء في كتبهم من بشاراتٍ، بدليل إسلام عديدٍ من الأحبار والرهبان وغيرهم، حينما طابقوا ما جاء في كتبهم بما شاهدوه وعاينوه من أوصاف وأحوال نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام 62، وغيره.
احتج عليهم ونعى كيف لم يؤمنوا بهذا الكتاب مع مجيئه مصدقا لما معهم!
قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89] .
فبين تعالى حال كثيرٍ من اليهود الذين جحدوا وكابروا، مع ظهور الحجج وجلاء البراهين، على صدق نبوة إمام المرسلين، فيما جاء به من عند رب العالمين، فسارعوا إلى الكفر، ومع طول انتظارهم لداعي الحق وترقبهم لمبعثه. ومع مجيء القرآن مصدقًا لما بين أيديهم من البشارات والأخبار وتأكد كثيرٍ منهم من أوصاف هذا النبي الذي ينتظرونه، مع ذلك كله فقد كفروا به بغيًا وحسدًا وكبرًا وعنادًا، وطمعًا في أعراض دنيا فانية.
قال ابن عباس: كان يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، وقالت: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) 63.
كما نعى القرآن عليهم عداوتهم لأمين الوحي جبريل عليه السلام مع كون ما نزل به مصدقا لما معهم، قال جل وعلا: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ ?97?) [البقرة: 97] .
فتصديق الكتب السابقة من مقاصد نزول القرآن الكريم، ومن صفاته اللازمة، فكيف يعادون جبريل عليه السلام وهو أمين الوحي، نزل بالكتاب الذي جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب!
عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (سمع عبد الله بن سلامٍ، بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌ: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال:(أخبرني بهن جبريل آنفًا) قال: جبريل؟: قال: (نعم) ، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) 64.
وجاء القصص القرآني مصدقا بقصص التوراة والإنجيل وشاهدا على أنبياء الله قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ? مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَ?كِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 111] .
أي: تصديقًا لما جاء في الكتب السابقة حيث تتفق القصص في مسارها العام، وإن اختلفت في تفاصيلها، فالقرآن الكريم هو القصص الحق لأنه من عند الله تعالى، وقد حفظ من التبديل، بينما الكتب السابقة وقع عليها التحريف والتبديل، وإن احتفظت بحقائق وأخبار صادقة، فجاء القصص القرآني مصدقا برسالات الله، داعيا للتأسي بالأنبياء والإيمان بما أنزل عليهم، كما جاء مصدقا بما تبقى في كتبهم من حقائق، أما ما حرف فقد صدق القرآن بأصله الحقيقي، وأصل لنا المنهج القويم في معرفة الحقائق من الأباطيل وتمييز الأصيل من الدخيل.
فكلام الله تعالى يصدق بعضه بعضًا، وكل كتاب نزل مصدقا لما قبله. وتصديقه بالكتب السابقة أنها نزلت من عند الله تعالى على الأنبياء عليهم السلام، وتصديقه بما ورد في هذه الكتب من بشاراتٍ عن مبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ونزول آخر الكتب، وبما ورد فيها من عقيدةٍ وأحكامٍ وآدابٍ وقصصٍ وأمثالٍ.
فالقرآن جاء مقررا لما ورد في هذه الكتب من حقائق ثابتةٍ. فحريٌ بأهل الكتاب أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء مصدقا لما معهم، ولذا تقترن دعوتهم للإيمان بالقرآن ببيان كونه مصدقا لما معهم، فهذا أدعى لتصديقه، وتصديقه بأصل الكتب المنزلة أنها كلها من عند الله، أما الكتب المحرفة فقد جاء القرآن بتصديق ما تبقى فيها من حقائق لم تتبدل وأحكام لا تزال.
ولا يعني تصديقه لما سبقه من الكتب التطابق التام بينهما، بل للقرآن هيمنته على ما قبله، وله سماته التي تفرد بها، والتي تتفق مع مقاصد نزوله وتتفق مع كونه آخر الكتب. كما لا يتعارض تصديقه بها مع نسخه لبعض أحكامها، واستقلاله بأحكامٍ لم ترد فيها، بل ونسخه العمل بها جملةً؛ فالإنجيل على سبيل المثال جاء مصدقا للتوراة مقرًرا لأحكامها وإن نسخ بعضها.
وتصديقه لما سبقه من الكتب دليلٌ على صدقه؛ إذ لو كان من عند غير الله لما وافق كلامه. وفي تصديقه ردٌ على مطاعن المشركين وأهل الكتاب وزعمهم بأنه مفترى، ولو كان كما يدعون فأي عبقريةٍ! وأي براعةٍ تلك التي جعلت محمدا يحاكي كلاما لم يدرسه ولم يعهده من قبل، وهو العربي الأمي! أي موافقةٍ هذه؟ وأي توارد أفكار وإلهامٍ ذلك! وأي عقلٍ يمكنه تصديق تلك الفرية العجيبة، بل إن نزوله موافقا ومصدقا للكتب المنزلة لبرهانٌ جليٌ على أنه كلام الله، أدرك ذلك وآمن به كل من سمعه أو قرأه ممن له معرفةٌ بالوحي الإلهي.
ثانيًا: القرآن هو المهيمن على الكتب السابقة جميعًا:
كما جاء القرآن مصدقا بما قبله من كتب فقد جاء مهيمنا عليها، حافظا ومؤتمنا، ومستوعبا ومبينا وحكما وإماما.