قال ابن كثير: «ولا منافاة؛ فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى» . وقال ابن جزي: «واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين» 43.
وفي ختام سورة الصافات جاء قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180: 182] .
وفي السورة عرض لافتراءات المشركين على الملائكة وعلى الذات الإلهية ورد عليها، ثم تأتي الآية الكريمة في الختام وفيها الرد الإجمالي على كل مكذب، ففيها أولًا تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق، وسلامة رسله الكرام من كل افتراء وكيد ثم تختتم بالثناء الجميل على الله جل في علاه، وقد اقترن السلام على المرسلين بالتسبيح والحمد، وفي الآية السابقة اقترن السلام على المرسلين بالحمد.
وجاء التسبيح في الآية الأولى والحمد في الثانية، إذا التسبيح مقدمة الحمد، ففيه التنزيه وفي الحمد الثناء، وهو بعد التسبيح، فسبحان الله وبحمده؛ قال الماتريدي «في هذه الأحرف الثلاثة جميع ما بينه الله تعالى من الحق على الخلق من التوحيد والثناء الحسن والحمد لنعمه، وجميع ما عليهم من الثناء الحسن والحمد له، وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين» 44.
وفي الآية تعليم للأمة أن تصلي على جميع المرسلين، وفي الحديث: (صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني) 45.
وفي آي القرآن تفصيل للسلام على بعض صفوة الله من خلقه صلوات الله عليهم أجمعين وهم:
1.السلام على نوح عليه السلام.
وذلك في موطنين، أولهما في قوله تعالى: {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} [هود: 48] .
وجاءت الآية في ختام قصة نوح بعد إغراق قومه المكذبين في الطوفان ونجاته هو ومن معه من المؤمنين، فجاء النداء الإلهي بالانتشار في الأرض مصاحبًا للسلامة والأمن والتحية من الله له ولمن معه، وهم في أحوج حال إلى السلامة أثناء نزولهم إلى الأرض ليهنأ لهم العيش، وفي حاجة إلى البركة بعد نزولهم ليحدث التكاثر في ذريته وفي من معه من الكائنات. فالسلامة من الله النجاة من آثار الطوفان لنوح ولمن معه ولمن كانوا في صلبه، وإن لكل مؤمن نصيبًا من هذه السلامة، نحن ذرية من كان مع نوح، قال القرطبي: «دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة» 46.
وفي استفتاح الزمرة الطيبة من صفوة خلق في سورة الصافات جاء السلام على نوح عليه السلام من الرب الجليل فقال تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 78 - 79] .
ففي الآيات ثناء على نوح وإبقاء لذلك الذكر الطيب في كل عصر ومصر، فجملة {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} في محل نصب مفعول (تركنا) على الحكاية، كما تقول قرأت من القرآن {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 47.
فجميع العالمين يسلمون على نوح ويدعون له ويذكرونه بالخير، ويصلون عليه، ولم يأت ذكر {فِي الْعَالَمِينَ} مع نبي في السورة سواه، وذلك لأنه الأب الثاني للبشر، وأول رسول أرسل إلى الأرض، وهو من أولي العزم الذين صبروا على أذى قومهم وظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فاستحق أن يظل الثناء عليه باقيًا في الأرض لا ينقطع.
ويرى الطبرى أن السلام على نوح أمنةً من الله له لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء. وعلى هذا يكون قوله (سلام) مستأنفًا، مسلّم الله عليه ليقتدي بذلك البشر 48.
2.السلام على إبراهيم عليه السلام.
وجاء السلام عليه في قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 109 - 111] .
والسلام على إبراهيم عليه السلام ثابت وحاصل وممتد، فهو الخليل أبو الأنبياء، وهو الأمة الإمام المقتدى به، الذي تتشرف كل الأمم بالانتساب إليه. ومن جملة السلامة له ما حصل له من معجزة أثناء إلقائه في النار حيث نجاه الله تعالى، قال سبحانه: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
فكان السلام حافظًا له أن يؤذيه حرها أو بردها، قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من شدة بردها 49.
3.السلام على موسى وهارون عليهما السلام.
وثالث سلام في سورة الصافات على موسى وهارون.
قال تعالى: {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 120 - 122] .
وموسى عليه السلام من أولي العزم الذين جاهدوا في الله وتحملوا أذى قومهم، وقد قام بدين الله خير قيام هو ووزيره هارون النبي، فنصرهما الله وآتاهما التوراة، وترك لهما في الآخرين الذكر الطيب والصلاة عليهما.
4.السلام على إلياس عليه السلام.
إن إلياس عليه السلام من الأنبياء الذين أبقى الله لهم ثناءً ودعاءً، و (إل ياسين) على وزن إسماعيل، وهو إلياس على الصحيح أو إلياس وآله الذين آمنو معه واتبعوه 50.
وفي التسليم على هؤلاء الأنبياء الكرام تنويه بفضلهم، وإشعار بحسن الثناء عليهم.
وفي تنكير (سلام) دلالة على التعظيم، وفي تقديم السلام على الاسم لفتة؛ ذلك «أن في الدنيا قدموا اسم الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس وتطلبه ويلذ السمع لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب المطلوب ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له القلب والسمع فيبقى السامع كالمنتظر لمن يحصل هذا وعلى من يحل فيأتي باسمه فيقول عليك أو لك فيحصل له من السرور والفرح» 51.
5.السلام على يحيى عليه السلام.
ومن السلام على الأنبياء ما ورد في قصة يحيى عليه السلام في قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:15] .
وهذه المواطن هي أشد مواطن على المرء فيحتاج فيها إلى الأمان والسلامة، فيسلم بها نزغة الشيطان المتحتمة لكل مولود ومن فتنة الشيطان عند الموت، ومن كرب وهول المطلع يوم القيامة.
قال سفيان بن عيينة: «أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: في يوم ولد فيخرج إلى دار همٍّ، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانًا لم ير مثلهم، ويوم يبعث فيشهد مشهدًا لم ير مثله قط، قال الله تعالى ليحيى ابن زكريا في هذه الثلاثة مواطن: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] 52.
والسلام هنا بمعنى الأمان عند الطبري وغيره، قال ابن عطية: «والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان» ، ووفق الشنقيطي بين القولين فقال: «ومرجع القولين إلى شيء واحد؛ لأن معنى السلام: التحية والأمان والسلامة مما يكره، وقول من قال هو الأمان، يعني أن ذلك الأمان من الله، والتحية من الله معناها الأمان والسلامة مما يكره» 53.
6.السلام على عيسى عليه السلام.
وقد جاء السلام في حق عيسى عليه السلام في قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] .
وسلام يحيى من الله عليه، أما عيسى فقد أنطقه الله في المهد بالسلام عليه في نفس المواطن، وجاء سلام عيسى معرفًا بالألف واللام، قيل: لأنه لما جرى ذكر (سلام) قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يرد ثانية بالألف واللام 54.
فيكون المعنى: السلام الذي سبق على يحيى متوجه إلىه أيضًا، وقيل: إن الأول من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله 55.
ثانيًا: سلام الله على أهل الجنة:
وليس السلام الإلهي قاصرًا على الدنيا وأحوالها ولا على الأنبياء وحسب، وإنما يعم السلام جميع أهل الجنة وهم فيها، فالتحية في الجنة من الله بالسلام، قال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 55: 58] .
ولفظ (سلام) جعله بعضهم مرتبطًا بما قبله.
قال الفراء: «ذلك لهم سلام قولًا، أي: لهم ما يدعوه مسلم خالص، أي: هو خالص، يجعله خبرًا لقوله لهم ما يدعون، خالص، ورفع على الاستئناف، يريد ذلك لهم سلام» 56.
والأقرب الذي عليه الجمهور أن السلام خبر؛ فيكون المعنى أن السلام من الله عليهم، وهو التحية، والسلام «يجمع جميع النعم» 57.
وبذلك يشمل التحية والسلام، قال ابن سعدي: «وإذا سلم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه وحصلت لهم التحية لا تحية أعلى منها ولا نعيم مثلها، فما ظنك التحية ملك الملوك الرب العظيم الرؤوف الرحيم لأهل دار كرامته» 58.
وإذا كان السلام عند جماعة من المفسرين يحتمل أن يكون من الرب الرحيم مباشرة ويحتمل أن يكون من الملائكة فإن الأقرب والأولى بنظم الآية أن يكون من الله تعالى؛ فـ (من) هنا ابتدائية، فالسلام من السلام وهذا غاية الإكرام.
ومن سلام الله على عباده المؤمنين في الجنة قوله تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 90: 91] .
وهذه السلامة تصحبهم في احتضارهم، وهم في الجنة، وقيل: المعنى: مسلم لك إنك من أصحاب اليمين 59.
ونلاحظ أن السلام هنا تعدى باللام ولم يتعد بـ (على) كما في غيره من المواضع، وفي تأويل ذلك يقول أبوالسعود: «إخبار من جهته تعالى بتسليم بعضهم على بعض، كما يفصح عنه اللام لا حكاية إفشاء سلام بعضهم على بعض، وإلا قيل عليك» 60.
ويقول ابن القيم: « {فَسَلَامٌ لَكَ} ، أي: ثبت لك السلام وحصل لك، وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب، فهو خطاب للجنس، أي: فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين، كما تقول: هنيئًا لك يا من هو منهم» 61.
وهذا السلام الأقرب أنه بمعنى السلامة وإن كانت اللفظة تشمل كل إكرام وتبعد عن كل سوء وشر .. ويدخل في السلام الإلهي على أهل الجنة ما سبق من قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [يونس:105] .
وقوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] .
وقوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب:44] .
وقوله: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} [ق: 34] .
وقوله: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] .
فكل هذا سلام إلهي سواءً كان من الرب الرحيم مباشرةً أو بواسطة الملائكة، فإنهم مبلغون عن الرب ذي الجلال والإكرام والفيض والإنعام على عباده سكان دار السلام.
تتعدد مواقف الملائكة مع المؤمنين، فالملائكة يثبتون المؤمنين، ويدعون لهم، ويستغفرون لهم، ويحفظونهم من الأمر إلى غير ذلك. ومن المواقف الطيبة المباركة للملائكة مع المؤمنين: السلام عليهم وتتعدد مواطن ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: سلام الملائكة على الأنبياء:
وقد ورد في القرآن الكريم سلام الملائكة على إبراهيم عليه السلام وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69] .
وقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: 51 - 52] .
وقوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 24 - 25] .
وخلاصة تفسير هذه الآيات: أن الملائكة نزلوا على إبراهيم متلبسين أو مصاحبين بالبشرى وهي ولادة يعقوب، وقيل: بإهلاك قوم لوط 62.
ولا مانع من إرادة كليهما وإن كان الأول أقرب؛ لقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] .
قال الشنقيطي: «لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى، لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي لما» 63.
وقد حيوه بالسلام، فقالوا: نسلم عليك سلامًا، فرد تحيتهم بأحسن منها، فقال: سلام عليكم. أو يكون التقدير: فأمري سلام.
قال ابن القيم: «فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلامًا، وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة إسمية تقديره: سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم، والفعلية تقتضي التجدد والحدوث، فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن» 6465.
وللسهيلى في تأويل النصب من قولهم والرفع من قول إبراهيم عليه السلام تأويل لطيف حيث قال: «وحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية هذا ورفعه ونصب ذلك، إشارة لطيفة وفائدة شريفة؛ وهو أن السلام من دين الإسلام، والإسلام ملة إبراهيم عليه السلام، وقد أمرنا بالاتباع والاقتداء به، فحكي لنا قوله ولم يحك لنا قول أضيافه، إذ لا فائدة في تعريف كيفيته، وإنما الفائدة في تبيين قول إبراهيم وكيفية تحيته، ليقع الاقتداء به» 66.
ومن جملة تحية الملائكة للأنبياء ما ورد في حق يحيى عليه السلام: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] .
قال الرازي: «هذا السلام يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف، لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى» 67.
ثانيًا: السلام ساعة الموت:
تمر على المرء لحظات شدة يحتاج فيها إلى البشارة، ومن أشد هذه الأوقات ساعة الاحتضار، ومقاساة شدائد نزع الروح وما في ذلك من كرب وألم وسكرات وغمرات، في وسط هذه الشدائد تنزل الملائكة على المؤمنين تبشرهم بالأمن والأمان.
قال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:31 - 32] .
وقد جاءت الآية بعد الحديث عن وفاة الكفار ظالمي أنفسهم وإخبارهم بدخولهم جهنم خالدين فيها، في مقابل هذا تأتي بشارة الملائكة في لحظة خروج الروح فالملائكة تتوفى المؤمنين وهم طيبون، وكلمة (طيبين) «كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة» 68.
وقولهم: (سلام عليكم) يحتمل أن يكون بمعنى التحية ويحتمل معنى السلامة والأمن، ولها مانع من إرادة كليهما؛ قال محمد بن كعب القرظي: «إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه الآية {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 32] 69.
وقوله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} بشارة لهم بدخول الجنة.
ومن البشارات الطيبة للمؤمنين ساعة الموت قوله تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 90 - 91] .
وهذا السلام من جملة مقول القول لهم، وتقدير المعنى: وأما إن كان من أصحاب اليمين فيقال: سلام لك من أصحاب اليمين، أي: تقول له الملائكة 70.
وقد ورد عن السلف في تفسير الآية ما يدل على هذا القول، فقال قتادة: سلام من عند الله وسلمت عليه ملائكة الله 71.
وقال الضحاك: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت 72.
وهذا السلام جاء متعديًا بحرف اللام الذي يفيد الاختصاص، فالسلام مختص به، واصلٌ أثره إليه، فيه الأمن والسلامة وفيه التحية والبشارة.
ومما ورد في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 30 - 31] .
قال مجاهد: ذاك عند الموت 73.
وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] .
قال ابن عباس في تفسيرها: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا في جنازته ... » 74.
ومن الأحاديث في ذلك ما ورد عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها) 75.
ثالثًا: السلام في الجنة:
تتعدد وجوه النعيم والإكرام لأهل الجنة؛ ومن ذلك تسليم الملائكة عليهم؛ فان تحية الملائكة لهم تكون بالسلام.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 9، 10] .
ففي الآية الكريمة بيان لتحية أهل الجنة، والتحية تحتمل أن تكون بين المؤمنين وبعضهم البعض أو من الله لهم أو من الملائكة؛ قال الألوسي: في تفسير الآية: «والفاعل إما الله سبحانه؛ أي: تحية الله تعالى إياهم ذلك، ويرشد إليه قوله عز وجل: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] .
أو الملائكة عليهم السلام، ويرشد إليه قوله سبحانه: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ} [الرعد:23] .
يجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل بتقدير مضاف، أي: تحية بعضهم بعض آخر ذلك» 76.
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] .
قال ابن جريج: «الملائكة يسلمون عليهم في الجنة» 77.
وقوله تعالى {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 44] .
قال الماتريدي: «جائز أن تكون تحية الملائكة عليهم سلام .... أوتحية بعضهم على بعض سلام» 78.
وإذا كانت الآيات السابقة تحتمل أن تكون التحية لهم من الله تعالى أو من الملائكة أو من المؤمنين، فإن هناك آيات نصت صراحةً على أن الملائكة يسلمون على أهل الجنة؛ ومن ذلك قوله تعالى في جزاء أولي الألباب: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 - 24] .
فإن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الحميدة لهم جنات إقامة هم ومن آمن واستقام من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. وهذه تهنئة الدخول، تدخل الملائكة عليهم بالتهنئة بدخول الجنة، قائلين: سلام عليكم.