فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 2431

الدفع

أولًا: المعنى اللغوي:

دفع: الدال والفاء والعين أصل واحد مشهور، يدل على تنحية الشيء. يقال: دفعت الشيء أدفعه دفعًا، ودافع الله عنه السوء دفاعًا 1.

والدفع: الإزالة بقوة 2. ومنه يتبين لنا: أن الدفع معناه: الإزالة بقوة لكل ما يعرض من ضرٍ وأذى، كدفع بلية، أو دفع صائل ونحوه، وهي تدل على عموم الإزالة والإزاحة، والدفع لكل ما يدفع أو يندفع، حتى إنهم يقولون: تدفع السيل واندفع، أي: دفع بعضه بعضًا 3.

والدفع إما أن يكون من الشخص لصالح نفسه، أي: يدفع الأذى عن نفسه، أو لصالح غيره، أي: يدفع الأذى عن غيره، كقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 167 - 168] .

فإنه شمل أمرهم دفع أذى الكافرين عن أنفسهم، وعن إخوانهم من المسلمين بحسب الظاهر، والآية الأخيرة أمرتهم على سبيل التعجيز -إن هم خافوا الموت بامتثال الأمر بالدفع- أن يدفعوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين.

وقد يكون الدفع متبادلًا من شخصين أو فريقين؛ فيسمى حينئذ (دفاعًا) ، و (تدافعًا) ؛ لدلالة الدفاع والتدافع على الاشتراك في الفعل، فالأول فعله (دافع) ، والثاني فعله (تدافع) مثل: (قاتل) و (تقاتل) ، كلاهما يدل على المشاركة، ففي معنى التشارك ذكروا أن الصيغ (فاعل) ، كخاصم، و (افتعل) ، كاختصم، و (تفاعل) كتخاصم - تشترك كلها في هذا المعنى 4. ومنه تدافعوا الشيء: دفعه كل واحد منهم عن صاحبه. وتدافع القوم: دفع بعضهم بعضًا 5.

ومن خلال ما سبق عرضه من كلام أهل اللغة يتبين لنا أن كلامهم في معنى الدفع ومشتقاته يدور حول إزالة الشيء بقوة أو إزاحته بقوة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الدفع إذا عدي بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] .

وإذا عدي بعن؛ اقتضى معنى الحماية، نحو: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38] .

وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الحج: 40] .

وقوله: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج: 2 - 3] .

أي: حامٍ 6.

تبين لنا مما سبق أن الدلالة اللغوية للدفع تدل على عموم الدفع لكل ما يدفع أو يندفع، أما الدلالة الاصطلاحية للدفع فسوف نقتصر فيها على بعض تلك الدلالة العامة فتكون:

(دفع ما يلحق من الغير مما يعوق المسلم عن العمل للغاية التي خلق لأجلها، من كفر، وطغيان، وفساد، وشر، وإيذاء) .

ويمكن أن يسمى ذلك (دفعًا) ، كما يمكن تسميته كذلك (دفاعًا، ومدافعةً، وتدافعًا) ، باعتبار أن كلًا من فريقي الحق والباطل يدفع الآخر.

وفي قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]

قرأ نافع بألف وكسر الدال (دِفَاع) 7، على اعتبار أن كلًا من أهل الحق المصلحين، وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله ويدافعه 8.

وردت مادة (دفع) في القرآن الكريم (12) مرة 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6]

الفعل المضارع ... 1 ... {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]

فعل الأمر ... 4 ... {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران:167]

المصدر ... 4 ... {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) } [البقرة:251]

اسم الفاعل ... 2 ... {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) } [الطور:7 - 8]

وجاء الدفع في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: تنحية الشيء 10، ومما يجب التنبه له أن الدفع إذا عدي بـ (إلى) اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

وإذا عدي بـ (عن) اقتضى معنى الحماية، نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38] 11.

الجهاد:

الجهاد لغة:

الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان، أو ما أطاق من شيء، والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود 12.

الجهاد اصطلاحًا:

بذل الجهد واستفراغه في مدافعة العدو 13.

الصلة بين الجهاد والدفع:

جهاد الدفع نوع من أنواع الجهاد، والجهاد أعم صورًا.

قال الراغب: «والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.

وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .

وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 72] .

والمجاهدة تكون باليد واللسان 14.

المحاجة:

المحاجة لغة:

والتحاج لغة: التخاصم، يقال: «حاجه محاجةً وحجاجًا: نازعه الحجة، وحجه يحجه حجًا: غلبه على حجته. وفي الحديث (فحج آدم موسى) 15، واحتج بالشيء: اتخذه حجةً» 16.

المحاجة اصطلاحًا:

المحاجة إذا هي: مبادلة الخصم الحجة بالحجة، فهي مفاعلة من: حجه يحجه محاجة، والمفاعلة تكون من طرفين، كالمباراة والمباهاة والمباهلة والملاعنة ونحوها، فهي مبادلة الحجج بين خصمين، كل منهما متمسك بما معه، منافح عنه، ويحاول إقناع خصمه بما معه.

الصلة بين المحاجة والدفع:

المحاجة صورة من صور الدفع، كذلك للباطل وأهله، وهي من نوع التدافع؛ لأن كلًا من الفريقين يحاول أن يدفع حجة الآخر ويبطلها.

تحدث القرآن الكريم عن أسباب الدفع عند المؤمنين وعند الكافرين، وسوف نتناول في النقاط الآتية:

أولًا: أسباب الدفع عند المؤمنين:

لما كانت غاية المؤمنين هي عبادة الله تعالى، وامتثال أوامره كانت تلك الغاية هي المحرك الأول لهم في جميع أمور حياتهم؛ ومن ثم فإن أهم أسباب الدفع لديهم هي:

1.تعبيد الناس لرب العالمين وحده.

وقد كانت هذه الرسالة واضحة في جهاد الصحابة وفتوحاتهم المجيدة، فهذا ربعي بن عامر يحمل دعوة الإسلام للفرس، ويدخل على ملكهم، غير هياب، ولا وجل، «فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، وجاء بنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه» 17.

2.نصرة الدين، وأن يكون الدين كله لله.

فالمؤمنون أمرهم الله تعالى أن يدفعوا الكفر وأهله؛ لئلا يكون لهم العلو في الأرض؛ فيعبدوا الخلق لغير خالقهم؛ فأمر المؤمنين أن يجاهدوا الكافرين والمشركين؛ ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ وكلمة الكافرين هي السفلى.

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] .

وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] .

وإذا صار الدين كله لله؛ ترتب على تحقيق ذلك كل الخير للعباد؛ مما سنكشف عنه في نتائج الدفع من حرية المعتقد، وحرية العبادة وأمكنتها، وإحقاق الحق، ورفع الظلم، وتمكين الحق وأهله، وخذلان الباطل وأهله.

ثانيًا: أسباب الدفع عند الكافرين:

إذا كانت أسباب الدفع عند المؤمنين تنطلق من منطلق إيمانهم وطاعتهم لله رب العالمين، وتحقيق عبوديته؛ فإن أسباب الدفع عند الكافرين تنطلق من منطلق كفرهم بالله، وسخطهم، وعداوتهم للمؤمنين به، ومحاولة ردتهم، وصدهم عن سبيل الله، وإفسادهم، وإشاعة الفاحشة بينهم.

ومن أهم تلك الأسباب:

لعل هذا يعد من أعظم أسباب دفع الكافرين المؤمنين، وقد يبدو ذلك مستغربًا؛ إذ قد يظن البعض أنه لا فائدة من ورائه لهؤلاء الكافرين، ولكنه الحقد -أولًا وقبل كل شيء- هو الذي يحرك أعداء المسلمين في قتالهم، ودفعهم، ورغبتهم في القضاء عليهم، ومحاولة إطفاء نور الله، ومحو كل مظاهر الإيمان وسلوكيات الطهر التي تذكرهم بجرائمهم، وتنكبهم عن سواء الصراط؛ ثم تأتي بعد ذلك بقية الأسباب من الاستحواذ على ثرواتهم ومقدراتهم وغير ذلك.

وقد أخبر سبحانه عن مدى عداوة هؤلاء الكافرين للمؤمنين، كاشفًا عن أسباب قتالهم إياهم، مبينًا أن أعظم تلك الأسباب هو إفساد المؤمنين بدفعهم عن الإيمان إلى الكفر، وأن يردوهم عن دينهم حسدًا وبغيًا.

فقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .

وأخبر تعالى عن مكنون صدورهم في ذلك، وأن عداوتهم للمؤمنين ما هي إلا بغي وحسد فقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] .

كما بين سبحانه أنهم ما كفروا إلا بعد معرفتهم بالحق واستيقانهم به، وأنهم ما فعلوا ذلك إلا بغيًا على أنبياء الله تعالى وأتباعهم من المؤمنين.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 89 - 90] .

وهم في ذلك كله يحاولون جاهدين أن يطفئوا نور الله بأفواههم؛ حتى لا يكون ثم إيمان، ولا مؤمنون.

وهذا واضح بينٌ كشف الله تعالى عنه في كتابه، ووضحه للمؤمنين؛ حتى يعرفوا أعداءهم، فقال سبحانه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 29 - 33] .

فأمر سبحانه بقتالهم؛ لدفع فسادهم وكفرهم وعقائدهم الباطلة في عبادة غير الله تعالى، كعزير والمسيح عليه السلام حيث يريدون إطفاء نور الإيمان الواضح المبين الذي أرسل الله به رسله أجمعين، ودعوة الناس للكفر الواضح المبين من عبادة غير رب العالمين.

وبين في مقابل ذلك أنه ما بعث رسوله صلى الله عليه وسلم إلا لدفع الكفر وأهله؛ ليظهر دين الحق على الدين كله، ولو كره المشركون.

وجاء نحو ذلك في سورة الصف كذلك، فقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 8 - 11] .

حيث أخبر سبحانه عن أسباب وغايات الدفع عند هؤلاء الكافرين، ثم أتبعها بتهييج المؤمنين على دفع منكرهم وباطلهم؛ جهادًا في سبيل الله.

من الثابت لدى أهل الإسلام ارتباط الأخلاق بالعقيدة الصحيحة؛ فالإيمان بالله ورسوله هو القاعدة والأساس الذي تنطلق منه جميع الأعمال الصالحة عند المسلم؛ وذلك أن الدين كله عقيدة وشريعة وأخلاقًا وآدابًا تنتظمه منظومة واحدة، هي منظومة العبودية والخضوع لله رب العالمين.

وهذا هو ما يؤكده النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) 18.

فنراه صلى الله عليه وسلم يربط ربطًا وثيقًا بين الأخلاق والإيمان بالله واليوم الآخر، ومن ثم إذا ما انهارت العقيدة -وهي الحصن الحصين للإسلام، وهي واسطة عقد نظامه-؛ لا شك ينهار هذا البناء، وينفرط عقد هذا النظام، ومن ثم جهد أعداء الإسلام على إحداث خلل كبير في أمر العقيدة عند كثير من الناس، في كثير من المجتمعات الإسلامية؛ مما يؤدي تلقائيًا إلى تردي أخلاق هؤلاء الذين أصابهم الخلل في عقيدتهم، ومن ثم ينهار بنيان المجتمع بكامله.

وليس عجبًا أن يربط الله تعالى في سورة من قصار السور بين الوصف بالتكذيب بالدين، وبين القسوة على اليتيم والمسكين، ليلفتنا إلى أثر العقيدة في سلامة الخلق.

قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون:6 - 7] .

إذن فالإيمان بالدين، وهو الحساب والجزاء، وإكرام اليتيم، والحض على طعام المسكين، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، وتقديم الماعون لأهله .. كل ذلك تشمله منظومة واحدة متكاملة، ويرجع إلى أصل واحد، وهو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.

ولذلك تجد أغلب الأوامر والنواهي التي تدعو إلى جميل الخصال، وتنهى عن رذيل الأحوال، تصدر كلها بنداء الإيمان {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وذلك كما في سورة الحجرات على سبيل المثال.

وقد أصبحت أغلب المجتمعات اليوم -بفعل دفع أعداء الإسلام بكثير من صور الإفساد الأخلاقي- تعج بمظاهر الفظاظة والغلظة والقساوة وسوء الأخلاق، وصار من الأمور المألوفة في شوارع المسلمين وسككهم، ما يؤذي الآذان من السب والقذف والصخب والفحش، وما يؤذي الأعين من مظاهر التبرج والسفور والسكر والعهر والاختلاط المحرم، وكثرة الأذى في سبيل الناس وطرقهم، ورؤية المدمنين من متعاطي الخمور والمخدرات، وما يزكم الأنوف من دخان التبغ وغيره، وما يؤذي الضمائر والأنفس من فساد المعاملات وانتشار الرشوة والربا والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، وما يدمي القلوب من العقوق وقطع الأرحام وتفشي التدابر والتقاطع بين الأهل والجيران وسائر الإخوان.

كل ذلك يستدعي ضرورة المسارعة للدفع المقابل؛ لإنقاذ مجتمعات المسلمين من براثن ذلك الفساد الخلقي، المؤذن بخراب تلك المجتمعات وانهيارها مما أشاعه أعداؤهم في مجتمعات المسلمين، لا يألونهم خبالًا؛ لأنهم دائمًا يودون ما يعنتهم، ويوقعهم في الموبقات والمهالك.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 118 - 120] .

كما أخبر أن أعظم تلك الأسباب أيضًا هو إفساد المؤمنين بإشاعة الفواحش فيهم، ودعوتهم للميل عن دينهم الحق الذي يأمرهم بزكاة نفوسهم، واستقامة أخلاقهم إلى سبيل الفواحش والشهوات.

فقال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] .

ومن ثم توعدهم الله تعالى على ذلك بعذاب أليم، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .

الكافر لا يؤمن بالآخرة؛ ومن ثم فهو لا يطلب إلا الحياة الدنيا، ولا يريد سواها، وفي سبيل ذلك يدافع ويقاتل؛ فقد زينت له بشهواتها وأعراضها الزائلة؛ فتكالب عليها، وقاتل لأجلها، ولم ير لأحد حق فيها سواه.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت