لذلك نجد التوجيه الإلهي، يوصي المؤمنين ترك البيع حال النداء لصلاة الجمعة، والسعي إلى حضور الخطبة، والصلاة التي تذكر بالله تعالى، فتملؤ القلب بتعظيمه، وإجلاله.
فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة: 9] .
«وأمر جل جلاله نبيه عليه السلام بأن يعظهم أن ما عند الله من الثواب على حضور الجمعة خيرٌ من فائدة التجارة ولذة اللهو. وكذلك ما أعد الله من الرزق للذين يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاءً لهم على إيثارهم جزاءً في الدنيا قبل جزاء الآخرة، فرب رزقٍ لم ينتفع به الحريص عليه وإن كان كثيرًا، ورب رزقٍ قليلٍ ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاحٍ» 77.
فقال تعالى: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة: 11] .
خامسًا: الانشغال بالمفضول عن الفاضل.
من صور اللهو الخفية التي تغيب عن بال الكثير من المكلفين، الانشغال بالمفضول من الأعمال الصالحة والطاعات على فاضلها، وهي حيلة يقصدها الشيطان إذا عجز عن جر ابن آدم إلى دوامة الدنيا ليغرقه في شهواتها وملذاتها، ويسعى بذلك إلى التشويش على المؤمن بإنقاص الأجر والثواب الذي يسعى إليه لنيل رضا الله تعالى 78.
ويعد الانشغال بالمفضول من الأعمال عن الفاضل، من اللهو الباطل، كما ذكر ابن حجر، تحت ترجمة كل لهو باطل فقال: «إذا شغله أي شغل اللاهي به عن طاعة الله أي كمن التهى بشيءٍ من الأشياء مطلقًا سواءٌ كان مأذونًا في فعله أو منهيًا عنه كمن اشتغل بصلاة نافلةٍ أو بتلاوةٍ أو ذكرٍ أو تفكرٍ في معاني القرآن مثلًا حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمدًا فإنه يدخل تحت هذا الضابط 79.
وحتى يتجنب المؤمن الوقوع في مثل هذه الشراك الخفية، كان لا بد له أولًا، من السؤال الدائم لله سبحانه وتعالى، أن يرزقه البصيرة الدالة على الخير، وهذا لا يتأتى إلا بمتابعة النبي، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له، وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى، ولرسوله، ولكتابه، ولعباده المؤمنين 80.
سادسًا: الانشغال بما لا فائدة حقيقة فيه:
تتعدد صور الملهيات في الحياة الدنيا، والمحيطة بالصراط المستقيم تتخطف الناس ذات اليمين وذات الشمال، وإن كانت جميعها تشترك في الهدف، إلا أنها مختلفة في نتائجها؛ فبعضها يقصده الإنسان من أجل فائدة يحسبها دائمة، لكنها حقيقة سرعان ما تزول وتنتهي، إما عاجلًا أو آجلا، فعلى سبيل المثال، من يشتغل بجمع المال، ويفني عمره في سبيل ذلك، فإنه يتلذذ ببريقه، ومنافعه إلى حين أن يموت، وعندئذ تنتهي تلك اللذة، وتنقطع تلك المتعة، لكن، هناك من الملهيات ما لا فائدة تجنى من السعي خلفه، وهذه هي المصيبة الكبرى، والطامة العظمى؛ لأن هذا يدل على مستوى الانحطاط الفكري الذي وصل إليه هذا اللاهي.
وقد عرض القرآن الكريم، صورًا للهو الذي لا فائدة منه، من باب ضرب المثال لا الحصر، وهي الآتي:
••الانشغال بأساطير، وقصص الأمم السابقة.
وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم، بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [لقمان: 6] .
ويلاحظ أن القرآن الكريم يبين قبيح فعل الكفار، وسوء صنيعهم، حيث إنهم تركوا الكتاب الحكيم، وانشغلوا بما لا فائدة فيه، وهذه أقبح من الأولى 81.
ويندرج تحت هذا الباب، في هذا الزمان، كثير من المواد الإعلامية المرئية؛ كمسلسلات الدراما، والأفلام السينمائية، والمسابقات الغنائية، وغيرها، وفي هذا دلالة على خطر الإعلام في نشر الملاهي غير النافعة في المجتمع.
••الضحك والسخرية من المؤمنين.
وهذا منهج أهل النفاق والكفر على مر الأزمنة، لا يكاد يختلف إلا بالوسائل والآليات المستخدمة في سبيل ذلك، فيخبرنا القرآن الكريم عن ذلك، حين يقرع الكفار يوم القيامة، بقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ?109?فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى? أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ?110?) [المؤمنون: 109 - 110] .
وقال أيضًا: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ?29?وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ?30?وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى? أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ?31?وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَ?ؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ?32?وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ?33?) [المطففين: 29 - 33] .
قال ابن عاشور: «كانوا يضحكون» يدل على أن ذلك صفةٌ ملازمةٌ لهم في الماضي، وصوغ يضحكون بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدنٌ لهم 82.
والمتدبر لآيات سورة المؤمنون يعقد مقارنة بين فريقين:
فريق أول: انشغل بعمل يرجو منه فائدة حقيقة، وهو تعبيد النفس لله، وتعلقها به.
وفريق آخر: أشغل نفسه بعمل لا طائل منه، ولا نفع، وهو السخرية والاستهزاء بالفريق الأول.
وأي فائدة تجنى من إطلاق سهام السخرية والاستهزاء نحو إنسان يسعى لهدف نبيل، لذلك يعقب الله تعالى بقوله عن نتيجة سخرية الكافرين: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ?34عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ?35?هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?36?) [المطففين: 34 - 36] .
والجذر (ل غ و) يدل على أصلين:
الأول: ما لا يعتد به.
والآخر: اللهج بالشيء 83.
فعلى الأول، يطلق اللغو على السقط، وعلى كل ما لا يحصل منه على فائدة أو نفع، سواء كان كلامًا أو غيره. يقال: شاة لغو أي لا يعتد بها في المعاملة 84.
وقد وضح البيهقي: مفهوم اللغو مع ضرب الأمثلة التي تزيد في بيانه وتفصيله، فعرفه بأنه: الباطل الذي لا يتصل بقيدٍ صحيحٍ، ولا يكون لقائله فيه فائدةٌ، وربما يكون وبالًا عليه 85.
وقسمه إلى عدة أقسام وهي 86:
••أن يتكلم الرجل بما لا يعنيه من أمور الناس؛ فيفشي سرائرهم، ويهتك أستارهم، ويذكر أموالهم وأحوالهم من غير حاجةٍ به إلى شيءٍ من ذلك، عادة سوءٍ ألفها فلا يريد النزوح عنها.
••الخوض فيما لا يحل من ذكر الفجار، والفجور، والملاهي.
••الافتخار بالآباء الجاهلين، والتمدح بهم، والذكر للمعاملات المبنية على الاستطالة، ويكون فيه خوض المبطلين في القصائد فيما عندهم، وتفضيلهم إياه على ما عند غيرهم بالدعاوي، والتوسع في المقال في غير حاجةٍ.
••إنشاد الأشعار المقولة في ضروب الأكاذيب فيما لا يجدي على أهلها نفعًا في العاجل، ولا في الآجل والاشتغال بها تضييعٌ للزمان.
وقد امتدح الله عباده المؤمنين ببعدهم عن اللهو، واجتنابهم إياه، وعد ذلك سببًا من أسباب الفلاح، فقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ?1?الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ?2?وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ?3?) [المؤمنون: 1 - 3] .
كما أن الله تعالى جعله من صفات عباد الرحمن، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان: 72] .
في المقابل، فقد أخبر الله تعالى، أن الخوض في اللغو من صفات الجاهلين، كما ذكر على لسان عباده المؤمنين: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص: 55] .
إن من الوسائل التي يتبعها أهل الباطل في حربهم على الحق، التعرض لثوابته بالسخرية والاستهزاء، واتخاذها لهوا ولعبًا، وما ذلك إلا لأجل هز صورة الدين في داخل قلوب المسلمين وزعزعتها، وتشكيكهم بثوابته وأصوله، فإذا ظفروا بذلك، سهل عليهم الولوج إلى الداخل؛ لتخريب هذا البناء وتشويهه، ومن ثم السيطرة على صاحبه، ليصبح أداة طيعة، ومسخًا مشوهًا ينفذ ما يملى عليه. والثوابت التي يتعرض لها أهل الباطل، هي:
••القرآن الكريم؛ مصدر النصوص الشرعية.
••النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ الدين، وشارح نصوصه، ومن قام مقامه من العلماء والصالحين.
••الشعائر والأحكام الدينية.
أولًا: اللهو بالآيات القرآنية:
القرآن الكريم حجة الله على عباده، فيه من الحجج والبراهين الدالة على ألوهيته وربوبيته ما لا ينكره كل ذي لب، وفيه من الأحكام والقواعد، ما ينظم مسيرة الحياة الإنسانية بيسر وسلاسة، لذلك يعده أهل الباطل خصمهم اللدود، وعدوهم الأول؛ لأنه يقوض مصالحهم وسياساتهم التي تحقق لهم الكثير من المنافع، وتجلب لهم الكثير من المتع وتضمن لهم الاستمرارية في التحكم بمصائر البلاد والعباد.
ولما كانت عقولهم وقواهم قاصرة عن الانتصار على هذا القرآن، ودحض حججه وبراهينه بالعقل والمنطق، فإنهم سلكوا سبلًا أخرى لمواجهته والصد عنه، ومنها:
••حمل الآية على غير معناها، ومرادها استهزاءً، كقول أبي جهلٍ لما سمع (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ(43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44 ) ) [الدخان: 43 - 44] . تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم لمجموع الزبد والتمر فقال: «زقمونا» ، وقوله: لما سمع قوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر: 30] : أنا ألقاهم وحدي 87، ورد ذلك في قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) [الكهف:56] . وقوله تعالى: (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ?9?) [الجاثية: 9] .
••وصف القرآن بأوصاف غير لائقة؛ كعدم صلاحيته للحكم، أو جور أحكامه وتشريعاته، أو نسبته إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم دون الله، لذلك جاء النهي الإلهي صارمًا وحازمًا للمؤمنين بعدم حضور المجالس التي يستهزأ فيها بآيات الله، وإلا عد الحاضر من المشاركين، وكان عليه من الوزر والإثم ما على المباشرين للفعل، فقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ?140?) [النساء: 140] .
وذكر أهل العلم أن النهي عن القعود مطلقًا؛ بسبب ما تقتضيه المجالسة من المؤانسة، والمشاركة فيما يجرى من المحادثة في الغالب، وفي هذا تشجيع لأمثال هؤلاء بالدوام على هذا الأمر، وانتشار الظاهرة في المجتمع، لذا كان لا بد لمن حضر مجلسًا وقع فيه تحقير أو استهزاء بآيات الله ودينه؛ أن ينكر عليهم، ويقوم من فوره، حتى لا يكون مثلهم، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه 88.
ثانيًا: اللهو بالشعائر الدينية:
تعد الشعائر الدينية، التطبيق العملي للنصوص الشرعية، وتتمثل أهميتها في أنها تعكس مستوى الإيمان المخزون في القلب لدى الإنسان؛ فإذا ما شاب هذه التطبيقات خلل ما، ظهر أن هناك مشكلة حقيقية في الإيمان، ويتفاوت هذا الخلل بطبيعة المشكلة وحقيقتها، بمعنى؛ إن كانت طارئة أم دائمة، أم تمس أصل الإيمان أم لا.
وعند استقراء الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع، ظهر أن اللهو بالدين يكون من أربعة أطراف رئيسة هي:
••مؤمن نقص مستوى الإيمان في قلبه.
••منافق ادعى الإيمان باللسان، وقلبه فارغ منه.
••كتابيٌ ادعى الإيمان، وفعله مخالف له.
••كافرٌ انتفى الإيمان من قلبه بالكلية.
فالطرف الأول وجه إليه الخطاب الإلهي مضمنا بالتهديد والوعيد في سياق بيان حكم الطلاق حثا للمسلمين على احترام صلة الزوجية، وعدم الاستقواء على النساء لضعفهن، والحذر من اتخاذ مسألة الطلاق لهوا ولعبا كما كان عليه أهل الجاهلية 89.
فقال تعالى: (ٹ ٹولا تتخذوا آيات الله هزوا) [البقرة: 231] .
والآية الكريمة، وإن تناولت حكمًا شرعيًا إلا أن النهي ينسحب على جميع الأحكام الشرعية، واللهو المنهي عنه يتخذ صورتين، هما:
••المعصية للأمر وترك العمل به، وتفصيل ذلك أن من رضي بالله ربًا وبمحمد نبيًا وجب عليه طاعة أمرهما وما يصدر عنهما من توجيهات وأحكام، فإذا ظهر منه خلاف ذلك كان كالمستهزئ بها، إذ كيف يدعي الطاعة ثم لا ينفذ؟! 90.
••التسامح في أداء التكاليف، كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث، جريًا على عادةٍ منتشرةٍ في المجتمع، أو مصلحةٍ توافق الهوى، أو شهوةٍ متمكنةٍ من القلب، فهو يعامل تكاليف الله معاملة تكاليف البشر 91.
ويمكن استخلاص أمر مهمٍ من هذه الآية، وهو أن الموجه الفعلي للتصرفات والسلوكيات، إنما هو الإيمان الذي وقر في القلب، وليس الأهواء، والشهوات، أو العادات التي تلبسها المرء في زمنٍ ما من حياته. كما أن صدق الإيمان من ضعفه، يظهر عند تطبيق الأحكام الشرعية، وبخاصة إذا كانت فيما يتعلق بحقوق العباد.
أما بقية الأطراف، من منافقين، وأهل كتاب وكفار، فقد وجه الخطاب الإلهي للمؤمنين بالنهي عن اتخاذهم أولياء للهوهم في الدين، واستهزائهم به، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?57?وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ?58?) [المائدة: 58] .
ويمكن حصر صور اللهو في التشريعات الدينية، بما يأتي:
••إظهار المودة والاحترام للإسلام باللسان، واستبطان الكفر 92، كقول الله تعالى عن المنافقين (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: 14] . فكانوا يقولون: لعبنا بعقولهم، وضحكنا عليهم 93، أو أداء الشعيرة على سبيل اللهو واللعب، كما كان المنافقون يتضاحكون، ويلعبون عند القيام إلى الصلاة تنفيرًا للناس عنها 94.
••تكذيبهم واستخفافهم بالإسلام، وأحكامه كاستهزاء الكفار، وأهل الكتاب بالصلاة أو النداء، فبعضهم ينعت الأذان بصياح العير، وآخرون يتندرون إذا رأوا صلاة المسلمين 95.
••اعتقادهم أن لا فائدة في التشريعات الدينية، ولا منفعة منها في الدنيا والآخرة، فيزعمون أن مصدرها البيئة المحيطة، أو الأعراف السائدة في الزمن الغابر، فيجب إلغاؤها، واستبدالها بما هو أنسب وأفضل 96.
ثالثًا: اللهو بالشخصيات الاعتبارية:
التعرض للشخصيات المهمة بالأذى والسخرية منهج قديم حديث، يسلكه أهل الباطل في مواجهة أهل الحق والصلاح؛ لصرف الناس عنهم، وتنفيرهم من دعوتهم، ولا يلجأ أهل الباطل إلى هذا الأسلوب، إلا لعجزهم عن دفع الحق وحججه الدامغة، فقال تعالى مسليًا نبيه عليه السلام: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنعام: 10] .
ولأنهم اتخذوه منهجًا، فقد صار جزءًا من حياتهم لا يفارقهم، حتى إنهم نسوا مقابل ذلك المقصد من خلقهم، فما عادوا يتفكرون ولو للحظة عل عقولهم تتنبه، وقلوبهم تستيقظ.
فقال تعالى واصفًا ذلك: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ?109?فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى? أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ?110?) [المؤمنون: 109 - 110] .
وتنوعت صور اللهو والسخرية الموجه نحو شخوص الأنبياء؛ فاتهموهم بالجنون، والكذب، والضعف 97.
فقالوا عن نوح: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى? حِينٍ ?25?) [المؤمنون: 25] .
وقالوا عن هود: (إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ?) [هود: 54] .
وغير ذلك من الأمثلة كثير.
ولم يختلف الأمر بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد واجه الاستهزاء والسخرية من كل الأطراف التي عايشها في مكة والمدينة، من أهل الشرك، والكتاب، والنفاق؛ ففي مكة كان يتعمد كفارها إظهار السخرية من شخصه الكريم، فقد كان يقول بعضهم لبعض: أهذا الذي يذكر آلهتكم؟ لقوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَ?ذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَ?نِ هُمْ كَافِرُونَ ?36?) [الأنبياء: 36] .
وسبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي سفيان، وأبي جهل، وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل، ضحك. وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان، فقال: ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل، فوقع به، وخوفه، وقال: (ما أراك منتهيًا حتى يصيبك ما أصاب عمك) ، وقال لأبي سفيان: (أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية) 98.
والظاهر أن المشركين يرمون من اتخاذهم النبي صلى الله عليه وسلم مادة للعبث، واللهو، بصورة علنية لهدفين: الأول ضرب الروح المعنوية للنبي لقوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ?) [الأنعام: 33] 99، الآخر: إدخال الشك في قلوب الناس حول صواب ما يدعو إليه.
وفي المدينة المنورة كان اللهو من جماعة المنافقين بمحاولة إظهار النبي عليه السلام -وحاشاه- بصورة الغر الساذج الذي يتلقف المعلومة دون تمحيص، أو اختبار، فيقبلها، ويصدقها. فقالوا هو أذن 100.
كما جاء في قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ? قُلْ أُذُنُ) [التوبة: 61] .
قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة من المنافقين، منهم: جلاس بن سويد، ومحشر بن خويلد، وأبو ياسر بن قيس، وذلك أنهم كانوا ينالون من رسول الله عليه السلام، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر. فقال الجلاس: نقول ما نشاء، فإنما هو أذنٌ سامعة ثم نأتيه فيصدقنا 101.
ويسعى المنافقون من وراء هذا الاتهام، إلى تحقيق هدف خبيث، وهو النيل من ثقة النبي عليه السلام والطعن فيما ينقله ويبلغه، فلربما نقل أخبارًا زعم أنها من القرآن، وهي ليست كذلك، وعندئذ تتضعضع ثقة الناس به، فلا يستجيبون له، وهذا يوضح لنا حقيقة مهمة، وهي تبادلية الأدوار بين أهل الكفر والنفاق، وتنوع الأساليب المستخدمة في الهجوم على أهل الصلاح والعلم، ومحاولة زعزعة ثقة الناس بهم، وضرب مصداقيتهم.
ولم يتوقف منهج اللهو والاستهزاء عند الأنبياء، بل شمل أتباعهم من المؤمنين، وعادة ما يلجأ أهل الكفر والنفاق إلى التركيز في استهزائهم على أمور دنيوية لا يملك المؤمن شأنًا من أمرها؛ كالفقر، واللون، والمرض، وقد وصف الله تعالى ذلك في قوله: (ٹ ٹ ٹ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ?) [البقرة: 212] .
وذكر الرازي أسبابًا متعددة لنزول الآية، تشترك كلها في استهزاء أهل الكفر والنفاق من فقراء المسلمين وضعفائهم 102، كذلك نجد المنافقين يستهزؤون من تسابق المسلمين للطاعات، ويشككون في نواياهم، ودوافعهم لفعلها، فينعتونهم بالرياء، أو طلب الشهرة، أو الغباء، وغير ذلك من الأوصاف.103 كما قال تعالى، واصفا حال المنافقين: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ? سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 79] .
وسبب نزول هذه الآية، كما أخرج مسلمٌ، عن أبي مسعود الذي قال: أمرنا بالصدقة- قال: كنا نحامل، في رواية: على ظهورنا- قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاعٍ. قال: وجاء إنسانٌ بشيءٍ أكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغنيٌ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء.104
والظاهر أن الدافع لذلك يكون شعور الكفار والمنافقين بالغيرة والحسد من المسلمين، أو نقص داخلي ومرض قلبي لا يستطيع المنافق الانفكاك عنه فيعبر عنه برمي الآخرين بالنقائص والسيئات.
اللهو عبارة عن عملية تفاعليه يشترك فيها طرفان: قلب الإنسان ملك الحواس والجوارح، وأحد الملهيات، تؤدي إلى الانشغال عن مقاصد مهمة خلق الإنسان من أجل تحقيقها، فتكون النتيجة انحراف الإنسان عن صراط الله تعالى المستقيم إلى سبل الشيطان، مما يؤدي إلى ظهور الكثير من الآثار السلبية التي تنعكس على حياة الفرد والمجتمع.
وبعد استقراء للآيات القرآنية نستخلص أن الملهى عنه لا يخرج عن أحد المقصدين:
الأول: مقصد عاجل في الدنيا، والذي من أجله خلق الخلق، وهو العبادة لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ?56?) [الذاريات: 56] .
الآخر: مقصد آجل في الآخرة والذي يرتبط به المصير النهائي لكل مخلوق، لقوله تعالى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ?) [آل عمران: 185] .
أولًا: اللهو عن العبادة:
وصف الله سبحانه وتعالى ذاته العلية، في أكثر من موطن في القرآن الكريم، بالحكمة، وتجلت هذه الحكمة في مقصده من خلق المخلوقات جميعًا، وما أوكل من وظائف لكل صنف منها، فما خلقها سدى ولا عبثًا، بل خلقها بالحق، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّھ) [الحجر: 85] .
وقال أيضًا: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الدخان: 38] .
ومن أجل هذه المخلوقات وأشرفها، الإنسان الذي حصر الله مهمة وجوده بالعبادة، فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ?56?) [الذاريات: 56] .
وذلك إنما يدل على أهميتها، ومنزلتها العظيمة، فهي العهد القديم الذي أخذه الله من الإنسان، لقوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ?) [الأعراف: 172] .
وهي النداء الأول في كل رسالة بعثها الله لبني البشر، فما خاطب نبيٌ قومه إلا ابتدأهم بقوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ(3 ) ) [نوح: 3] 105.
وهي الأمر المؤكد عليه في القرآن الكريم لبني البشر في مواطن كثيرة، فقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99] .
وقال أيضًا: (. وَأَنِ اعْبُدُونِي ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [يس: 61] .
والمراد بالعبادة التي أمر بها الإنس والجن، أنها «اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار، والمنافقين، والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة» 106
إذن فالعبادة بهذا التصور، أفقٌ رحبٌ، ودائرة واسعةٌ تشمل الشعائر الدينية الواجبة والتطوعية، ومنظومة الأخلاق والفضائل الإنسانية، وكذلك العلاقات الاجتماعية القريبة والبعيدة، وتشمل كذلك الأخذ بالأسباب كما قال ابن تيمية: «فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة» 107.
فالنتيجة هي أن العبادة عبارة عن حركة الفرد والمجتمع بثبات واتزان، نحو هدف واضح المعالم مصحوبة بأفق واسع، يسودها المشاركة والتعاون في البناء والإعمار، لتحقق الصلاح العاجل، والآجل 108.
صور اللهو عن العبادة: