أولا: طور التخليق.
ثانيًا: طور التصوير.
ثالثًا: طور نفخ الروح» 42.
الطور الأول: طور التخليق.
ويتضمن أربع مراحل رئيسةٍ هي:
المرحلة الأولى: التراب.
يعد التراب المرحلة الأولى والبداية الحقيقية لخلق الإنسان الأول، أي: آدم عليه السلام.
قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران: 59] . فهذه الآية صريحة في أن آدم عليه السلام خلق من تراب، فالهاء في قوله: {خَلَقَهُ} تعود على آدم عليه السلام.
المرحلة الثانية: من طينٍ.
وهذه هي المرحلة الثانية التي يصير فيها التراب طينًا.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) } [ص:71] .
وقال سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) } [السجدة: 7] . والطين ناتج عن خلط التراب بالماء. ويلاحظ أن هذا الطين بالنسبة للإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام، كان: طينًا لازبًا. يصور ذلك قوله سبحانه: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) } [الصافات: 11] .
واللازب: هو الثابت شديد الثبوت 43.
المرحلة الثالثة: خلقه من حمأ مسنونٍ.
بعد ذلك يتغير الطين اللازب إلى أن يصير طينًا متغير الرائحة أسود، وهو ما سماه القرآن الكريم بالحمأ المسنون، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) } [الحجر: 26] .
المرحلة الرابعة: خلقه من صلصالٍ كالفخار.
والمراحل السابقة مجتمعة أدت إلى مرحلة الصلصال هذه: قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) } [الرحمن: 14] .
والصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، أي: صوتٌ إذا قرع بشيء 44.
وهذا الصلصال يشبه الفخار إلا أنه ليس فخارًا؛ لأن الفخار مطبوخ بالنار بخلاف الصلصال، فهو طين يابس غير مطبوخ بالنار.
هذا هو الطور الأول: طور التخليق، بمراحله الأربعة السابق ذكرها.
الطور الثاني: طور التصوير.
يقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) } [الأعراف: 11] . ويلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة أن مرحلة التصوير ثانية بعد الخلق، حيث عطفت جملة صورناكم بحرف (ثم) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن رتبة الخلق 45.
الطور الثالث: طور نفخ الروح.
بعد أن سوى الله عز وجل الإنسان الأول وصوره، وهو آدم عليه السلام أراد أن يبث فيه الحياة، نفخ فيه من روحه، فصار بشرًا حيًا. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) } [الحجر:28 - 29] .
والنفخ: إجراء الريح في الشيء؛ وإنما سمى إجراء الروح فيه نفخًا؛ لأنها جرت في بدنه مثل جري الريح فيه 46.
[انظر: آدم: مراحل خلق آدم]
ثانيًا: خلق حواء:
لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام خلق له زوجه حواء عليها السلام.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء: 1] .
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .
وقال جل شأنه: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] .
فدلت هذه الآيات الكريمات على أن آدم عليه السلام قد خلق أولا، وأن حواء قد خلقت بعده. حيث ذكر جمهور المفسرين أن المراد ب (النفس الواحدة) : آدم عليه السلام، والمراد بقوله تعالى: (زوجها) : حواء عليها السلام 47.
وقد اختلف العلماء في كيفية خلق حواء على قولين مشهورين، وهما:
القول الأول: وهو قول جمهور المفسرين، حيث ذهبوا إلى أن الآيات الكريمات قد نصت على أن حواء خلقت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله: {مِنْهَا} ، ولهذا قالوا بأن (من) في قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} للتبعيض، ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزءٍ من آدم عليه السلام 48.
واختلفوا في الجزء الذي خلقت منه حواء على قولين:
الأول: قالوا بأنها خلقت من ضلع آدم، وممن قال بهذا الرأي: جماعةٌ من مفسري السلف رضوان الله عليهم.
واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلعٍ، لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوجٌ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» 49.
الثاني: قالوا بأنها خلقت من بقية الطينة التي خلق منها آدم.
وقد حكى هذا القول ابن عاشور 50، وشهاب الدين الخفاجي في (حاشيته على تفسير البيضاوي) 51،وابن عادل في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب) 52.
القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلمٍ الأصفهاني، أن المراد من قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: من جنسها.
وهو كقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72] .
وكقوله: {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] .
وقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] 53.
والراجح - والله أعلم- أن حواء خلقت من جنس خلق آدم عليه السلام أي: من نفس العناصر التي خلق منها آدم، فالله خلق حواء من نفس نوع آدم كما خلق لنا من أنفسنا أزوجا.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم: 21] .
وأما ما جاء في الحديث (إن المرأة خلقت من ضلع) فلا يدل على أنه ضلع آدم، إنما يحمل على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة، أي: صعبات المراس، فهي كالضلع العوجاء، كما جاء {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] .
ويؤيد هذا قوله (إن المرأة) فأتى بالجنس، ولم يقل حواء 54.
[انظر: آدم: كيف خلقت حواء]
يعد خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب معجزةً دالةً على عظيم قدرة الله التي لا تحدها حدود ولا يقف أمامها مانع ليظهر للناس أنه عز وجل على كل شيءٍ قدير. وقد تحدث القرآن الكريم عن خلق عيسى عليه السلام وحكى مراحل حياته المختلفة، وسأقتصر في حديثي عن خلق عيسى عليه السلام على أمرين:
الأول: البشارة بعيسى عليه السلام.
والثاني: الحمل بعيسى عليه السلام.
وفيما يأتي بيان لهذين الأمرين.
أولا: البشارة بعيسى عليه السلام.
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) } [آل عمران: 45 - 46]
وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } [مريم: 16 - 21]
لما بلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء، خرجت ذات يومٍ من محرابها، وسارت جهة شرقي بيت المقدس، فبينما هي تسير، وقد ابتعدت عن أهلها وقومها، إذ فاجأها شاب وضيء الوجه، حسن الصورة، مستوي الخلق، ففزعت واضطربت وخافت على نفسها منه، ثم قالت له: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) } [مريم: 18] .
ولم يكن في خاطرها أنه ملك كريم، هو جبريل الأمين عليه السلام تمثل لها في صورة إنسان. قال سبحانه: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) } [مريم: 17]
قال أبو حيان في تفسيره: «وإنما مثل لها الملك في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه، ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبرًا لعفتها» 55.
وحين ظهر لمريم بعد ذلك أن الذي عرض لها في خلوتها ليس بشرًا إنما هو ملك كريم، أنست واستبشرت به، ولكنها تعجبت من قوله حين بشرها بالغلام: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} فهي امرأة بكر لم تتزوج ولم يقربها أحد من الرجال، ولا تزال عذراء. وهي عفيفة لم تقارف إثمًا، فكيف يمكن أن يأتيها غلام مع عدم اتصال رجل بها؟! {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) }
وقد كان جوابه لها أنها إرادة الله ومشيئته، فهو جل ثناؤه لا يعجزه شيء، وإذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } [مريم: 21] .
وقال سبحانه في آية أخرى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } [آل عمران: 47] .
أي: كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء، فإن من شأنه الاختراع والإبداع 56.
ثانيًا: الحمل بعيسى عليه السلام.
بعد أن سكنت مريم لأمر الله ورضيت بقضاء الله، وأيقنت أن تلك إرادة الله وحكمته، نفخ فيها روح القدس، كما قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) } [الأنبياء: 91] .
وقال سبحانه: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) } [التحريم: 12]
فالذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ: نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: {فَنَفَخْنَا} ؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ، بل من أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى. وذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام لما نفخ في جيب درعها، نزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها. قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) } [مريم: 22] .
واختلف العلماء في مدة الحمل على أقوال مضطربة متناقضة لا حاجة إلى ذكرها، والصحيح أنها حملت به حملًا طبيعيًا كما تحمل سائر النساء، ووضعته كما تضع النساء.
وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] . بينت هذه الآية الكريمة أن عيسى عليه السلام خلق بأمرين: بكلمة من الله، وروح منه.
الأمر الأول: خلق عيسى عليه السلام بكلمة الله (كن) .
جاء في محكم التنزيل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران: 59] . وبهذا يتبين أن الله سبحانه وتعالى خلقه بكلمةٍ منه، وهي (كن) ، كما خلق آدم، وكان عيسى بهذا كلمة الله؛ لأنه خلقه بها 57. وقال سبحانه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) } [آل عمران: 45] .
إن الكلمة من الله المذكورة في الآية مفسرة بأنها المسيح عيسى ابن مريم، بدليل أن الضمير في كلمة (اسمه) جاء مذكرًا مع أنه يعود على مؤنث (كلمة) ، فلم يقل: بكلمة منه اسمها المسيح؛ لأن المراد بالكلمة مذكر، وهو عيسى عليه السلام، فذكر مراعاة للمعنى 58.
الأمر الثاني: خلق الله عيسى عليه السلام بروح من الله.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] .
ذكر الإمام فخر الدين الرازي وجوه اختلاف أهل العلم في تأويل قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} :
الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روحٌ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل - عليه السلام- لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله (منه) التشريف والتفضيل، كما يقال: هذه نعمةٌ من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.
الثاني: أنه كان سببًا لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روحٌ. قال تعالى في صفة القرآن:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] .
الثالث: {وَرُوحٌ مِنْهُ} أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .
أي: برحمة منه، فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث إنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحًا منه.
الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل، وقوله (منه) يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمرٍ الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] .
والراجح - والله أعلم- هو القول الأول، حيث إن عيسى عليه السلام سمي روحًا لكونه نشأ من الروح مباشرةً، ولأنه غلبت عليه الروحانية، وإن كان بشرًا كسائر البشر، يأكل ويشرب، ويمشي في الأسواق، و (من) هنا للابتداء، أي: أن الروح مرسل من عند الله تعالى، ونفخ بإذنه 59. ويؤيد ذلك أن الآية جاءت في معرض الرد على النصارى الذين غالوا في المسيح عليه السلام.
رابعًا: خلق سائر بني آدم.
بعد أن خلق الحق سبحانه وتعالى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام، وخلق منه زوجه حواء عليها السلام بين لنا في كتابه العزيز أطوار خلق ذرية آدم؛ إظهارًا لعظمته سبحانه وتعالى وقدرته، وقد دلت نصوص القرآن الكريم على أن الإنسان يخلق على أطورٍ ومراحل متتاليةٍ. قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) } [نوح: 14] .
وقال سبحانه: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) } [الزمر: 6] ، أي: طورًا من بعد طورٍ.
ولقد تعرض القرآن الكريم إلى أطوار خلق الإنسان بأساليب مختلفةٍ، فمرةً يذكر أطوار الخلق كلها، وأخرى يكتفي بذكر طورٍ واحدٍ أو طورين، فالقرآن تناول الخلق في كل مرةٍ من زاويةٍ؛ لتكتمل الصورة، وذلك لحكمةٍ بيانيةٍ وبلاغيةٍ، لما يحققه هذا الأسلوب من العبرة والموعظة في إثبات القدرة الإلهية في مخلوقاته، والتي يرفضها الملحدون، لقصورٍ عقليٍ أو عنادٍ أو غرورٍ 60. ومن خلال تتبع الآيات القرآنية المتعلقة بأطوار خلق الإنسان، نجد أن القرآن الكريم حدد أطوار خلق الإنسان الأساسية في ثلاثة أطوارٍ 61:
الطور الأول: طور النطفة.
النطفة- بضم النون- في لغة العرب: تعني القليل من الماء، وقيل: الماء القليل يبقى في القربة، وقيل: هي الماء الصافي قل أو كثر، والجمع نطفٌ ونطافٌ.62. وقد ورد التعبير بالنطفة في اثني عشر موضعًا من كتاب الله 63.
والنطفة أنواع ثلاثة:
1.نطفة الذكر: وهي الحيوانات المنوية الموجودة في المني.
2.نطفة الأنثى: وهي البويضة.
3.النطفة الأمشاج: وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي الذي يلقح البويضة 64.
مراحل تكوين النطفة:
يبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبويضة، وينتهي بمرحلة الحرث والانغراس، وتمر النطفة خلال تكونها بمراحل، أطلق القرآن الكريم على كل مرحلةٍ منها تسمية تتناسب مع تلك المرحلة، والمراحل التي تمر بها النطفة أربع 65، وهي:
أولًا: مرحلة الماء الدافق.
ثانيًا: مرحلة السلالة.
ثالثًا: مرحلة النطفة الأمشاج.
رابعًا: مرحلة الحرث.
المرحلة الأولى من مراحل طور النطفة: مرحلة الماء الدافق.
قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ?5?خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ?6?) [الطارق: 5 - 6]
الدفق في كلام العرب صب الماء، وهو متعدٍ، يقال: دفقت الكوز فاندفق، وهو مدفوق. وأهل الحجاز يطلقون صيغة فاعل على المفعول كقولهم: هذا سرٌ كاتمٌ (أي مكتوم) ، وهمٌ ناصبٌ (أي منصوب) 66.
و (دَافِقٍ) بمعنى مدفوق، اسم الفاعل بمعنى مفعول 67. وقال الخليل وسيبويه: هو على النسب ك (لابن، وتامر) ، أي: ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول.
والراجح والله أعلم أن المراد: ماء ذي دفق؛ لأن تفسيرها على مدفوقٍ، يعد من صرف اللفظ عن ظاهره، فهم اعتبروا أن الماء الدافق مفعولًا وليس فاعلًا. ولكن الحقيقة أن للماء - بإذن الله- قوة دفق ذاتية. فهو بذلك فاعل وليس مفعولًا 68. فالدافق هو المندفق بشدة قوته 69. وقد أثبت العلم الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة كشرط أساسي للإخصاب. وأثبت العلم أيضًا أن ماء المرأة الذي يحمل البويضة يخرج متدفقًا إلى قناة الرحم (فالوب) ، وأن اندفاعة البويضة لابد أن تكون حيوية متدفقة حتى يتم الإخصاب 70.
والمراد بالماء الدافق عند المفسرين: مني الرجل ومني المرأة، وعبر عنهما بماء وهو مفرد؛ لأن الإنسان مخلوقٌ منهما، ولكن جعلهما ماءً واحدًا لامتزاجهما 71.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الماء في آياتٍ أخرى بأنه ماء مهينٌ ضعيفٌ ليس كالماء العادي المنطلق، قال تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [المرسلات: 20] .
وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة: 8] .
ووصفه الله جل وعلا في آيةٍ أخرى أنه نطفة أي قليل من الماء، قال تعالى: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى?ہ) [القيامة: 37] .
وقال سبحانه: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى?مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى?) [النجم: 45 - 46] .
ثم وصف الحق سبحانه وتعالى ذلك الماء الذي هو النطفة، بأنه يخرج من بين الصلب والترائب، ذلك في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) [الطارق: 7] .
والصلب في اللغة: جمعه أصلبٌ وأصلابٌ وهو فقار الظهر، وهو عظم من لدن الكاهل (الكاهل من الإنسان هو مابين كتفه) إلى العجب (أي: أصل الذنب، وهو العصعص) . ويقال: هو من صلب فلان: أي من ذريته. والصلب: الشديد، وباعتبار الصلابة والشدة سمي الظهر صلبًا 72.
أما الترائب: فهي جمع تريبة، وقد اختلف في معناها على أقوالٍ 73.
والراجح- والله أعلم- هو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وهو قول جمهور المفسرين، أن المراد بالترائب: هو موضع القلادة من الصدر، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم 74.