فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 2431

والمعنى: يخرج هذا الماء المنصب من موضع العمود الفقري وأضلاع الصدر التي تضع المرأة القلادة عليها 75.

المرحلة الثانية من مراحل طور النطفة: مرحلة السلالة:

يقول الحق سبحانه وتعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة: 8] .

هذه الآية تشير إلى المرحلة الثانية التي تمر بها النطفة عبر رحلتها الطويلة من المهبل إلى البويضة ليتم التلقيح وهي مرحلة السلالة. والسلالة في اللغة: على وزن (فعالةٌ) ، من سللت الشيء من الشيء: إذا استخرجته منه، والسل: انتزاع الشيء وإخراجه في رفقٍ 76. وفعالة تأتي للقليل من الشيء، نحو: القلامة، والنخالة 77. والسلالة: الخلاصة، وأصلها ما ينسل ويخلص بالتصفية 78.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (مِنْ سُلَالَةٍ) قال: صفو الماء 79. وقيل في تفسير السلالة إنها خلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية.

ومن خلال معاني لفظة (سلالة) نستطيع أن نتلمس مدى انطباق هذه المعاني على النطفة (الحيوانات المنوية للرجل والبويضة للمرأة) ، فقد ذكر علماء الطب أنه من بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية التي توجد عادة في نطفة الرجل، ينسل حيوان واحد فقط منها كلها ليلقح بويضة المرأة التي تنسل هي بدورها من حويصلة البويضة، لتلتقي بسلالة الرجل في أنبوب الرحم. وبذلك تنشأ البويضة الملقحة، ويبدأ الحمل 80. وهذا هو ما تدل عليه لفظة السلالة من (التصفية والانتقاء) وهذا يؤكد لنا أيضًا دلالة اللفظة على (القلة) فهي عبارة عن جزء يسير جدًا من نطفة الرجل والمرأة.

ومن هنا نفهم سر الإعجاز الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيءٍ لم يمنعه شيءٌ) 81.

فالحديث صريحٌ في أنه ليس من كل الماء يكون الولد، وإنما من جزءٍ يسيرٍ منه 82.

ولم يكتشف الحيوان المنوي والبويضة إلا في القرن السابع عشر مع اكتشاف المجهر، ولم يعرف دورهما الحقيقي في تكوين الجنين إلا في القرن التاسع عشر. أما القرآن الكريم فقد أعطى الحيوان المنوي والبويضة اسم (السلالة) وهي التسمية الأبلغ والأسهل والأصح علميًا، إذ إنها تعني النخبة المستخلصة والمنسلة من الشيء، وهي من صفات الحيوان المني وميزاتهما 83.

المرحلة الثالثة من مراحل طور النطفة: مرحلة النطفة الأمشاج.

أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة من مراحل النطفة في قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2] .

والمشج في اللغة: الخلط، يقال: مشج يمشج مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط 84.

قال ابن فارس: «الميم والشين والجيم أصلٌ صحيحٌ، وهو الخلط. ونطفةٌ أمشاجٌ، وذلك اختلاط الماء والدم. ويقال إن الواحد مشجٌ ومشج ومشيج» 85.

ومن خلال استقراء أقوال أهل التفسير حول معنى (أمشاج) تبين أن أغلبهم متفقون على أن الأمشاج هي الأخلاط من ماء الرجل (الحيوان المنوي) وماء المرأة (بويضتها) . ولكن الخلاف الذي وقع بين المفسرين هو في المقصود بذلك الخلط، وكيفيته. وهذه النطفة الأمشاج تعرف علميًا عند بدء تكوينها (بالزيجوت) 86.

وقد كانت العرب وبعض الأمم تعتقد أن تكوين الجنين إنما يكون من الرجل، وليس للمرأة إلا الحمل والرعاية، وليس كذلك، بل إن الجنين يتكون من عملية التلقيح بين الحيوان المنوي للرجل والبويضة للأنثى ليكونا خلية واحدة تحمل الصفات الوراثية لكل منهما، وهي النطفة التي جاء وصفها في القرآن الكريم ب (النطفة الأمشاج) 87.

ويمكن تقسيم النطفة الأمشاج إلى:

المرحلة الرابعة من مراحل طور النطفة: مرحلة الحرث (الانغراس) .

هذه المرحلة هي آخر مرحلةٍ في طور النطفة، وبنهايتها تنتقل النطفة الأمشاج لتنغرس في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية الحرث، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث، ويكون عمر النطفة حينئذٍ ستة أيامٍ 89.

والحديث عن مرحلة الحرث يقتضي الحديث عن المكان الذي تستقر فيه النطفة في جسد المرأة، ألا وهو رحم المرأة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى هذا المكان بوصفين جامعين في قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ) [المؤمنون: 13] .

وقوله جل وعلا: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ?20?فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ?21?إِلَى? قَدَرٍ مَعْلُومٍ ?22?فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ?23?) [المرسلات: 20 - 23] .

هذان الوصفان هما (قرار) و (مكين) ، وهما يعبران أتم التعبير عن أهم خصائص الرحم ومميزاته. والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بالقرار: الرحم، ومكينٌ: أي متمكنٌ قد هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له 90.

الطور الثاني: طور التخليق.

ويشمل هذا الطور أربع مراحل هي: العلقة، والمضغة، والعظام، واللحم.

ومن أهم ما يميز هذا الطور هو التكاثر السريع للخلايا ونشاطها الفائق في تكوين الأجهزة، ولأن هذه العمليات التخليقية تتم بسرعة كبيرة، فقد استعمل القرآن الكريم حرف الفاء للربط بين مراحل هذا الطور.

قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) [المؤمنون: 14] 91.

المرحلة الأولى: مرحلة العلقة.

تطلق العلقة في اللغة على عدة معانٍ منها:

وقد ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم ست مراتٍ في خمسة مواضع على النحو الآتي:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) [الحج: 5]

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ?12?ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ?13?ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ?13?ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) [المؤمنون: 12 - 14] .

وقال جل وعلا: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلً) [غافر: 67] .

وقال عز وجل: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى? ?37?ھثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى? ?38?) [القيامة: 37 - 38] .

وقال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ?1?خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ?2?) [العلق: 1 - 2]

وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن الجوزي: «سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة» 95.

ومن خلال تتبع أقوال المفسرين في تفسير معنى العلقة، تبين أن أغلبهم فسروا العلقة بالدم الجامد أو العبيط 96.

بيد أنه من المعروف علميًا أن الإنسان لا يمر بمرحلة الدم المتجمد أو كتلة الدم 97.

لكن إذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد عن ربع مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون على أن العلقة هي الدم الغليظ. فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة إذن بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، ولم يبعد بذلك المفسرون عن الحقيقة كثيرًا، فالعلقة العالقة بجدار الرحم والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطةٌ بدمٍ غليظٍ يراه كل ذي عينين 98.

وبعد أن تقدم العلم لاحظ العلماء أيضًا أن الجنين في هذه المرحلة يفقد شكله المستدير ويستطيل حتى يأخذ شكل دودة العلقة، وفي هذه المرحلة يتشبث الجنين بالمشيمة بواسطة ساقٍ موصلةٍ تصبح فيما بعد هي الحبل السري وهو ما يتفق مع معنى (التشبث بالشيء) 99.

وبهذا نلاحظ أن لفظة (علقة) جاءت مطلقةً في القرآن الكريم لتشتمل على كل المعاني اللغوية السابقة، حيث إن اسم (علقة) يتسع ليشمل وصف الهيئة العامة للجنين كدودة العلقة، كما يدل لفظ (علقة) على تعلق الجنين بالمشيمة. كذلك نجد أن المظهر الخارجي للجنين وأكياسه يتشابه مع الدم المتخثر الجامد الغليظ 100.

المرحلة الثانية: مرحلة المضغة.

المضغة في اللغة: فعلةٌ من مضغ، وهي تطلق على عدة معانٍ منها:

وقد ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم ثلاث مراتٍ في موضعين على النحو الآتي:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ? وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى? وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ?) [الحج: 5] .

وقال سبحانه: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14] .

وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن قتيبة: «وسميت بذلك؛ لأنها بقدر ما يمضغ، كما قيل: غرفة لقدر ما يغرف» 104.

وقد فسرت المضغة بقطعة اللحم الصغيرة بقدر ما يمضغ 105، وهو ما يتطابق مع المعاني اللغوية، وقد أوضح علم الأجنة الحديث مدى الدقة في اختيار القرآن الكريم لتسمية (مضغة) من حيث ارتباطها بالشكل الخارجي للجنين، وتركيباته الداخلية الأساسية. فقد وجد أنه بعد تخلق الجنين والمشيمة في هذه المرحلة، فإن الجنين يتلقى الغذاء والطاقة، وبذلك تتزايد عملية النمو بسرعةٍ، ويبدأ ظهور الكتل البدنية المسماة فلقات، والتي تتكون منها العظام والعضلات. ونظرًا لتعدد الفلقات التي تتكون، فإن الجنين يبدو وكأنه مادةٌ ممضوغة عليها طبعات أسنانٍ واضحة 106.

أطوار المضغة:

يقول الحق سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ) [الحج: 5] . يتضح من هذه الآية أن هناك طورين للمضغة هما، الأول: طور المضغة المخلقة. والثاني: طور المضغة غير المخلقة.

وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، وهل هي من صفات النطفة أم من صفات المضغة 107. والراجح- والله أعلم- أن معنى مخلقة، أي: تامة، وغير مخلقة، أي: غير تامة، وأن هذا من صفات المضغة، لأن ذلك تطورٌ من تطورات المضغة، والتخليق صيغةٌ تدل على تكرير الفعل، أي خلقًا بعد خلقٍ، والنطفة لا يمكن وصفها بذلك، كما أن تفسير (المخلقة) بتامة الخلق أو مستبينة الخلق، و (غير المخلقة) : بغير ذلك، هو المشهور من كلام العرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة العظام.

هذه المرحلة من أطوار خلق الإنسان وردت في قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14]

العظام: جمع عظمٍ، وهو ما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب 108. والعظام المرادة في الآية هي عظام الجنين، جعلها سبحانه متصلبة؛ لتكون عمودًا للبدن على أشكال مخصوصة 109.

وفي قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) نلاحظ أن استعمال حرف (ف) يشير إلى أن مرحلة العظام تنمو بعد مرحلة المضغة بفترةٍ قصيرةٍ؛ لأن حرف الفاء يفيد الترتيب والتعقيب، بخلاف حرف (ثم) الذي يفيد الترتيب والتراخي 110.

والمعنى: أن المضغة بعد أن تخلقت، وتميزت أجزاؤها، جعلها الله تعالى عظامًا، أي: جعل من هذه المضغة عظامًا صلبةً تتحمل 111.

ومن ثم فإن المضغة لا تتحول كلها إلى عظامٍ- كما ذكر ذلك بعض المفسرين-، وإنما يتحول جزءٌ منها فقط، وهذا متفقٌ مع ما كشفه علم الأجنة. قال الألوسي وأبو السعود: قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ) أي: غالبها ومعظمها أو كلها 112.

المرحلة الرابعة: مرحلة اللحم.

بعد خلق العظام تأتي مرحلةٌ تاليةٌ تتميز بكساء جميع العظام باللحم من كل الجهات، فبذلك يتغير شكل الجنين، ويصير هنالك تناسقٌ بين الأعضاء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) [المؤمنون: 14] .

أي: فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس 113.

ومن خلال تتبع أقوال المفسرين نلاحظ أنهم لم يخوضوا في تفصيلات إنبات اللحم على العظم، وإنما اكتفوا بما ذكرناه أو نحوًا منه بإيجاز شديد. لكن السؤال الذي يرد هنا، هل هذا اللحم من لحم المضغة أم لحمًا آخر خلقه الله على العظام؟

ذكر الألوسي قولين في تفسيره: الأول: أن ذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها عظامًا، بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها.

الثاني: يحتمل أن يكون لحمًا آخر خلقه الله تعالى على العظام من دمٍ في الرحم 114.

هذان القولان مبنيان على ما سبق ذكره من كون بعض المفسرين ذهب إلى أن المضغة كلها تتحول إلى العظام، وبعضهم ذهب إلى أن التحويل يكون لجزءٍ منها. وقد مال البيضاوي إلى القول الأول قائلًا: «قوله تعالى: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) مما بقي من المضغة، أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها» 115.

الطور الثالث: طور النشأة.

قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14] . والإنشاء كما ذكر الراغب: إيجاد الشيء وتربيته 116.والإنشاء هو الإحداث حالًا بعد حالٍ من غير احتذاء على مثال، ومنه يقال: نشأ الغلام وهي ناشئ: إذا نما وزاد شيئًا فشيئًا، وقال بعضهم: الإنشاء: ابتداء الإيجاد من غير سببٍ 117.

وقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان، أي: ثم صيرنا هذا الإنسان بشرًا سويًا، بعد أن كان نطفةً، فعلقةً، فمضغةً، فعظامًا، فلحمًا يكسو هذه العظام، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أنه حق، إذ قدرته- سبحانه- لا يعجزها شيء 118. وعليه: فقد صير الله تعالى هذا الإنسان خلقًا مباينًا للخلق الأول، حيث جعله حيوانًا، وكان جمادًا، وناطقًا وسميعًا وبصيرًا، وكان بضد هذه الصفات 119.

الإنسان بين الإيمان والكفر

قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] .

وكان من مظاهر تشريف وتكريم الله للإنسان تكليفه، ومنحه نعمة العقل التي بها يوازن بين ما ينفع وما يضر، وبها يتلقى دعوات الأنبياء وما نزل به الوحي من السماء، وجعله مختارًا يستطيع أن يختار بين البدائل ما يشاء دون قسرٍ أو إجبارٍ، فله حرية الاختيار بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الانضواء في حزب الله أو حزب الشيطان.

وتظهر جليًا حرية الاختيار التي ميز الله بها الإنسان، من خلال قصة آدم عليه السلام الذي كان يملك القدرة على الاختيار بين طاعة الله ومعصيته.

قال الله تعالى: (وَإِذ قُلنا لِلمَلائِكَةِ اسجُدوا لِآدَمَ فَسَجَدوا إِلّا إِبليسَ أَبى ?116? فَقُلنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوجِكَ فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقى ?117? إِنَّ لَكَ أَلّا تَجوعَ فيها وَلا تَعرى ?118? وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فيها وَلا تَضحى ?119? فَوَسوَسَ إِلَيهِ الشَّيطانُ قالَ يا آدَمُ هَل أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلدِ وَمُلكٍ لا يَبلى ?120? فَأَكَلا مِنها فَبَدَت لَهُما سَوآتُهُما وَطَفِقا يَخصِفانِ عَلَيهِما مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه: 116 - 121]

فالخطاب الموجه من الله تبارك وتعالى لآدم عليه السلام يدل دلالةً واضحةً على أنه موجه لمن يتمتع بحرية الاختيار، ولمن يمتلك الاستعداد نحو الطاعة والمعصية، ولمن هو موضع التكليف، ولذلك مارس آدم عليه السلام كامل حريته، وعصى الله، فالحرية مغروسةٌ في فطرة الإنسان منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام 120.

فالله تعالى أودع في الإنسان استعدادات وقدرات للتمييز بين الخير والشر وبين الهدى والضلال، ومن الآيات الدالة على فطرية الحرية الإنسانية.

قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ?8?وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ?9?وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ?10?) [البلد: 8 - 10] .

وقوله سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?2?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ?3?) [الإنسان: 2 - 3] .

وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ? فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ? إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) [الكهف: 29] .

وقوله عز وجل: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ?27?لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ?28?) [التكوير: 27 - 28] .

وقوله سبحانه: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ? قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? أَلَا ذَ?لِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر: 15] .

وبناءً على ذلك فالإنسان حرٌ في اختيار نوع الطريق الذي يسلكه في الحياة الدنيا، فإما أن يختار طريق الحق والاستقامة أو أن يختار طريق الغواية والضلال 121، لكن الحق سبحانه وتعالى إذ جعله مختارًا لم يتركه سدًى، وإنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب وأرشده إلى الطريق الصحيح.

وقد جعل الحق سبحانه وتعالى طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير كما أنها صالحة للميل إلى الشر، فقال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ?7?فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ?8?) [الشمس: 7 - 8] .

وقال سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?2?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ?3?) [الإنسان: 2 - 3] .

وقرن سبحانه صلاحية طبيعته للفجور والتقوى بمنحه القدرة على تحقيق ما تميل إليه نفسه، وبين له أن نتيجة اختياره وثمرة عمله ستعود عليه، ومن نوع ما عمل.

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ?9?وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ?10?) [الشمس: 9 - 10] 122.

وإذا كانت طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير وللميل إلى الشر، فإن الميل إلى الخير هو الجانب الأغلب في هذه الطبيعة، حيث إن الله عز وجل فطر الإنسان على الإخلاص والتوحيد إذ هو ما تقتضيه العقول السليمة.

قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ?) [الروم: 30] .

وإنما كفر من كفر لعارضٍ أخرجه عن أصل فطرته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) 123.

(لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30] .

يعني يخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها أي: لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى 124.

وليس معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة) أنه يخرج من بطن أمه وهو يعلم هذا الدين ويعرفه، ولكن المراد أن فطرته موجبةٌ ومقتضيةٌ لمعرفة كل ما هو حقٌ، فقد صرح القرآن أن الإنسان يولد وهو لا يملك من المعرفة شيئًا، ثم يتم اكتساب مهارات وقيم من خلال أدوات الطاقة التي منحه الله تعالى إياها.

قال الله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ? لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78] .

كما بين القرآن أن الإنسان إذا بلغ مبلغ الرشد، وأصبح مسئولًا عن تصرفاته فإنه ينقسم- بسبب اختياره وإرادته- إلى مؤمنٍ وكافرٍ، أو طائعٍ وعاصٍ، أو مهتدٍ وضالٍ، وتلك هي المرحلة التي نراها في كثيرٍ من آيات الله البينات، وقد حكم على الإنسان فيها بأحد الوصفين 125.

ويلاحظ أن القرآن الكريم في تقسيمه الإنسان إلى مؤمنٍ وكافرٍ، إنما يفعل ذلك بعد أن يذكر بعض النعم التي أسبغها على عباده جميعًا مما يستلزم الشكر والاعتراف بالجميل والإقرار بالفضل.

ففي قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?2?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ?3?) [الإنسان: 2 - 3] .

نلمس المساواة بين الأفراد جميعًا في كل ما ذكر، ونجد أن النعم التي تحدث القرآن عنها لا دخل للفرد فيها، ولا إرادة له في الحصول عليها أو الحرمان منها، وإنما هي هبةٌ من الله له، أما ما بعد ذلك من قوله سبحانه في الآية نفسها: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) فهو ينطق بإسناد الشكر أو الكفر إلى الإنسان، وهو ما يحقق التفرقة بين من يعترف بالجميل ومن يجحد الفضل ولا يقدر النعمة.

وفي قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] . لا تخطئ المساواة التامة في ذلك بين أفراد النوع كله.

لكن التفرقة جاءت في قوله سبحانه: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ?5?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ?6?) [التين: 5 - 6] .

وهي تفرقةٌ مشروعةٌ ومسببة.

وفي قوله عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] .

تبرز المكانة التي أعدها الله لهذا الإنسان في هذه الحياة، وهي مرحلة الاختبار والابتلاء، وكما قرر القرآن وقررت الأديان السماوية جميعًا، لا بد من نتيجةٍ لهذه المرحلة.

ولا بد من تفرقةٍ بين من شكر النعمة ومن جحد بها وأنكرها، وهو ما نجده في الآيتين التاليتين: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ? فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَ?ئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ?71?وَمَنْ كَانَ فِي هَ?ذِهِ أَعْمَى? فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى? وَأَضَلُّ سَبِيلًا ?72?) [الإسراء: 71 - 72] .

وفيما قصه القرآن الكريم من شأن آدم عليه السلام نجد هذا المنهج واضحًا جليًا، فمن ذلك قوله تعالى: (فَتَلَقَّى? آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ? إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ?37?قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ? فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?38?وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?39?) [البقرة: 37 - 39] .

وقوله عز وجل: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ? بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى? ?123?وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? ?124?) [طه: 123 - 124] .

فهداية الله إلى عباده والممثلة في رسالاته وهديه عامةٌ وشاملة، أما أثر هذه الهداية في الناس فيختلف باختلاف موقفهم منها وعليهم تبعات هذا الموقف. وهذا الذي وجه إلى آدم عليه السلام في أول عهد الإنسان بالحياة، وجه إلى ذريته كذلك

يقول جل شأنه: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ? فَمَنِ اتَّقَى? وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?35?وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?36?) [الأعراف: 35 - 36] 126.

ويلاحظ أنه ما من أمةٍ بعث الله إليها رسولًا إلا انقسم أهلها قسمين لا ثالث لهما: مؤمن وكافر، وإن تفاوتت درجاتهم في الدنيا واختلفت درجاتهم ودركاتهم في الآخرة. فالمؤمنون منهم السابقون، ومنهم أصحاب اليمين؛ والكافرون تختلف دركاتهم، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، حيث يعلوهم إخوانهم الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت