وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا أرادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله عز وجل، فإذا نفيا طاعة الله سبحانه وتعالى في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله عز وجل مطلقًا، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله عز وجل، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل، فطاعة الأم في اتخاذ الشرك بالله عز وجل من الممتنعات، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق 97، وإذا كان الضرر ليس دينيًا وإنما ضررًا دنيويًا فلا يجب طاعة الأم فيه لما يعود على الشخص من ضرر 98.
يقول الزحيلي: «وتختص الأم بزيادة البر والطاعة لمعاناتها في سبيل تربية أولادها، وبما أنها كما ذكرت الآية تعرضت لمراتب ثلاث من المشاق: الحمل، والرضاع، والوضع» 99.
ثانيًا: واجبات الأمومة:
إن لكل شخص حقوقًا وواجبات ومتى تنتهي الحقوق فكان حتمًا عليه أداء واجباته، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها أمام الله سبحانه وتعالى، فعليها أن تقوم بواجباتها على أكمل حال، وبذل ما تقتضيه الفطرة السوية لهم من الحب والعطف والحنان، فهذا مما وصى الله عز وجل به في كتابه العزيز حيث قال: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء:11] .
وورد في السنة النبوية الشريفة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته) 100، فالأم تنشئ أبناءها لأجل الأمة الإسلامية ولعزتها فهم أمانة بين يديها؛ فلذلك وجب عليها بعض الواجبات، منها:
1.الرضاعة.
وجه الله عز وجل النداء الإلهي المملوء بالرحمة يطلب فيه من كل أم أن ترضع أطفالها حيث قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة:233] .
وقال سبحانه وتعالى عن موسى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ ?) [القصص:7] .
فالأم هي الأساس في رعاية الطفل، وسد حاجاته وتلبية رغباته المتنوعة.
والسنة النبوية أكدت ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير نساءٍ ركبن الإبل صالح نساء قريشٍ، أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه على زوجٍ في ذات يده) 101.
ذكر العلماء الكثير من أحكام الرضاع ومتعلقاته وحكمه؛ مما يدل على أهمية الرضاع وأثره في إنبات الوليد وتكامل بنيانه فينبغي أن يكون رضاع المولود من غير أمه بعد وضعه يومين أو ثلاثة وهو الأجود؛ لما في لبنها ذلك الوقت من الغلظ والأخلاط بخلاف لبن من قد استقلت على الرضاع وكل العرب تعتني بذلك حتى تسترضع أولادها عند نساء البوادي، كما استرضع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد 102.
وأخبر الله عز وجل أن كمال الرضاع حولان، وجعل على الرجل يرضع له ابنه أجر المرضع، والأجر على الرضاع لا يكون إلا على ماله مدة معلومة، والرضاع اسم جامع يقع على المصة وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين، ويكون الرضاع من خصائص الوالدة الأصيلة أو البديلة، ومدته عامان كاملان 103، ورد ذلك في قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف:15] .
يقول الخازن: «وهذا الأمر ليس أمر إيجاب، وإنما هو أمر ندب واستحباب؛ لأن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من لبن غيرها؛ ولكمال شفقتها عليه، ويدل على أنه لا يجب على الوالدة إرضاع الولد» 104.
2.الفصال.
الفصال: المقصود به الفطام، وهو مصدر من قول القائل: «فاصلت فلانًا أفاصله مفاصلة وفصالًا» ، إذا فارقه من خلطة كانت بينهما، فكذلك (فصال الفطيم) ، إنما هو منعه اللبن، وقطعه شربه، وفراقه وفصله عن ثدي أمه إلى الغذاء بالأقوات التي يتغذى بها الإنسان 105، وسواء كانت هذه الرضاعة طبيعية أم صناعية، إلى الشرب من كأسٍ أو كوبٍ، وتناول الأطعمة الأكثر صلابة ويكون ذلك بالتدريج 106.
الفصال يقع في عامين، أي في انقضاء عامين، قال تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) [لقمان:14] .
وذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين 107، قال تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ?) [البقرة:233] .
ويعني تعالى ذكره بقوله: (( فَإِنْ أَرَادَا) ، إن أراد والد المولود ووالدته فصال ولدهما من اللبن، فيما دون العامين، يكون ذلك بالتشاور والرضى بينهما، ويشاورون أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد 108.
يقول الزركشي: «الفصال لا حد لجانب القلة فيه، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم؛ ولهذا اعتبر فيه الأكثر، لأنه الغالب، ولأنه اختياري» 109، ولكن «ذكر الحولين ليس هو من جهة توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم، وأنه جائز أن يكون بعدهما رضاع» 110.
3.الرعاية.
أراد الله عز وجل للأسرة أن تقوم على الأسس الصحيحة السليمة، فأرسى لها الدعائم التي تؤهلها لذلك، والأسس القويمة لتكوينها تكوينًا سليمًا كحاضن جيد للطفل، بحيث ينشأ نشأة سوية، متمسكًا بالقيم الإسلامية، ولهذا وردت النصوص الوافرة موجهة إليه، عاكسة روح الإسلام وأهدافه في بناء الأسرة 111، فالطفل له حاجات أخرى كثيرة غير الرضاعة؛ إذ لا بد له من رعاية شاملة له في جميع أحواله وأوقاته، ونظافته ومداعبته، ودفع الأذى عنه، كما في قوله سبحانه وتعالى في شأن أخت موسى عليه السلام: (فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) [القصص:12] .
وكل ذلك يكون فيه الحمل الأكبر على عاتق الأم وذلك بسبب ملازمتها للبيت وللطفل، فعلى الأم تنشئة الأبناء ورعايتهم رعاية صحيحة، وإن العقل السليم في الجسم السليم والإسلام يريد منا أن نربي أولادنا على القوة والنشاط.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي، خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ) 112.
4.التربية.
إن المسلمين لم يهملوا جانب الاهتمام بطرائق تربية الأطفال، والبحث عن أنجح الطرق والمناهج انطلاقًا من أنه لا حضارة بغير علم، ولا علم بغير تعليم، ولا تعليم بغير نظام معينٍ ينظم الصلة بين المتعلم والمعلم، فما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى هذا التراث الضخم، وما أحوجنا اليوم إلى الأخذ بطرق السلف في التربية والتعليم، والتزكية والتصفية 113.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء) 114.
والأسرة المسلمة تقوم على مبادئ معينة، هامة وجليلة الشأن من أجل توفير جو صحي سليم لتربية الأولاد تربية سليمة على القيم الإسلامية، فهي تقوم على المودة والرحمة.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21] .
فيجب على الأم الغرس في قلوب أولادها حب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته في كل صغيرة وكبيرة، وتذكر لهم قصص الصحابة رضي الله عنه 115.
إن للأم أهمية ودورًا كبيرًا في التربية والتغيير، ودور الأم أعظم وأخطر من دور الأب؛ لأنها تتعامل مع أثمن شيء في الوجود وهو الطفل، وعمل الأم هو صناعة الإنسان وزرع الحب والفضيلة والرحمة والعاطفة والحنان والتضحية والإيثار في نفسه، فيجب الوقوف أمام هذا العطاء موقف الإجلال والتعظيم، فالطفل يولد والذهن صفحة بيضاء خالية من أي شيء له علاقة بثقافة العالم الذي يعيش فيه، ويتعلم التقاليد والعادات من خلال معاشرته لأمه والأهل والأقارب ومجتمعه، والحلقة الأهم في حياة الأم هي تربية الطفل، ولكن ليست أي أم، وإنما الأم التي تشعر وتلمس أهمية التربية ودورها في صناعة التاريخ، وهنا ترتبط الأم بولدها بأقوى علاقة ورابطة وهي رابطة التعليم، ومنها تستطيع أن تنجح في تلقين التراث الثقافي للجيل الجديد وتهيئته للحياة المستقبلية 116.
إن تطبيق هذه الواجبات من الأم على الأولاد عمليًا، أظهرت لنا الأجيال المتعاقبة الفاضلة، وخلفت أمتنا الأجيال الأشاوس والعلماء والأبطال والأئمة والقادة والمفكرين والمجاهدين، الذين يحاربون العدو الصهيوني بكل قوة وحماس، وما ذلك إلا نتيجة لتربية الوالدين في البيت والالتزام بالمنهج التربوي الإسلامي الفريد.
أولًا: أمهات الأنبياء و الرسل:
1.أم إسماعيل.
جاء ذكر أم إسماعيل في القرآن الكريم بالإشارة دون التصريح باسمها أو بقصتها، فجاءت السنة النبوية المطهرة بذكر اسمها وقصتها، فهي هاجر زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام، فقد ذكرت بالإشارة على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } [إبراهيم:37] .
وكانت هاجر عليها السلام جارية عند سارة زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقيل: كانت أميرة عند فرعون، ولعلمها بحب إبراهيم بالأولاد زوجته منها، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة، أمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن سارة حرارة الغيرة 117.
قال الطبري في تفسيره للآية الكريمة: «فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته، فقالت: إلى أي شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ فجعل لا يرد عليها شيئًا، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء، أقبل على الوادي فدعا، فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } [إبراهيم:37] 118.
وقد استجاب الله له دعاءه، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:57] .
وجاء فيما رواه البخاري في صحيحه القصة كاملة، قال ابن عباس: «جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت:-يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يتلفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يَشْكُرُونَ} ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط 119 فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فذلك سعي الناس بينهما) ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه-تريد نفسها-ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل لو كانت تركت زمزم-أو قال لو لم تغرف من الماء-لكانت زمزم عينًا معينًا) ، قال: فشربت وأرضعت ولدها. قال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن اله لا يضيع أهله) 120.
2.أم إسحاق.
ذكرت أم إسحاق عليها السلام في قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود:71] .
وهي سارة زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهي ابنة هاران بن ناحوراء وهي ابنة عم إبراهيم عليه السلام 121، آمنت به بعدما ألقي في النار، فهاجر بها إبراهيم إلى حران، ثم سار بها إلى مصر، فبلغ ملكها جمال سارة وحسنها، فأمر بإحضارها، فأحضروها ومعها إبراهيم عليه السلام فسأله من هي؟ قال: أختي، فطلب الزواج منها، فدعا عليه إبراهيم عليه السلام، ثم مرض مرضًا شديدًا، فدعا إبراهيم، وقال له: ما هذا الذي أردت بدعائك علي؟ فقال أنك أسأت جواري بتعرضك لزوجتي، قال: أولم تزعم أنها أختك؟ قال: ما كذبت؛ في الإسلام أختي، وهي أول من آمن بي، قال الملك: فادعو الله لي بالعافية، وحلف أن لا يقربها بسوء، فأطلقه الله بدعوة إبراهيم عليه السلام، ثم وهب لها هاجر جارية، فجاءت بها إلى إبراهيم عليه السلام ثم سار بهما إبراهيم من مصر إلى الشام، وكانت سارة لا تلد، فوهبت هاجر لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام.
فسارة لم يرزقها الله الأولاد في صغرها، ولكنها لما كبرت بشرت بالولد، كما في قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق 122.
وقيل في معنى ضحكت: ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، فعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فبشرناها بإسحاق فضحكت يعني تعجبًا من ذلك 123.
3.أم موسى.
ورد ذكر أم موسى في القرآن الكريم، وقصة موسى عليه السلام في مواضع مختلفة، وأم موسى هي لوحا بنت هاند بنت لاوي بن يعقوب عليه السلام 124.
وكانت أم موسى زوجة عمران، تعيش في بني إسرائيل، وكان فرعون يقتل الأطفال، ولما كثر القتل في بني إسرائيل خاف القبط أن يفنى بنو إسرائيل، فقالوا لفرعون: إنه يوشك أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون عليه السلام في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى عليه السلام في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وأمر القوابل أن يطفن على نساء بني إسرائيل ففعلن، ولم يدخلن بيت عمران لقربه من الملك، ولما تم حملها، وجاءها الطلق ليلًا، وولدت موسى، رأى جنود فرعون القابلة تخرج من بيت أم موسى، فأتوا وسألوها عن سبب قدومها، فأخفت أمرها مخافة على موسى من فرعون، فأوحى الله عز وجل إليها 125.
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .
واختلف المفسرون في معنى الوحي، فقيل: كان كلامًا في المنام، وقيل: كان إلهامًا، وقيل: كان ملك يمثل إليها 126.
فلما ولدته وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًا زائدًا، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه.
قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] .
فأمرها الله عز وجل أن ترضعه بالخفاء، قيل: إنها أرضعته أربعة أشهر ثم صنعت به ما في الآية، وقيل: أرضعته في بستان فلما خافت عليه من أن يعرف أمره فرعون - من شدة بكائه حيث لا يكفيه اللبن-صنعت به ما جاء في الآية 127، فاتخذت تابوتًا، ووضعته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل فذهب مع الماء، قال النسفي: «في هذه الآية أمران ونهيان وخبران وبشارتان، والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف غم يلحق بالإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع، وهو فراقه والإخطار به، فنهيت عنهما، وبشرت برده إليها وجعله من المرسلين» 128.
وجرى به الماء حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها، وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرأت، فقالت الغواة من قومه: هو الذي نحذر منه، فأذن لنا في قتله، فهم بذلك، فقالت آسية: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: لك لا لي، لكنها أصرت على بقائه؛ متعللة بدلائل النفع والبركة.
قال تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) } [القصص:9] 129.
لكن تبقى الأمومة أقوى من كل شيء، بدليل حالها بعدما وضعته في الماء.
قال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) } [القصص:10] .
فصار قلب الأم من شدة خوفها وحيرتها فارغًا من كل شيء سوى ذكر موسى 130، ولما ألقت التابوت في النيل، فرأت التابوت يرفعه الموج مرة، ويضعه أخرى، فخشيت عليه الغرق، فعند ذلك فزعت عليه، وكادت أن تصيح، ويقال إنها: لما أتى الليل، دخل الغم في قلبها حيث لم تدر أين صار ولدها، فأرادت أن تظهر ذلك لولا أن ثبتها الله عز وجل؛ لتكون من الواثقين بوعده عز وجل 131.
ثم جاء الوعد من الله عز وجل، والبشارة التي بشرت بها.
قال تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) } [القصص:11 - 14] .
فقد أرسلت أخته للبحث عنه، ومن رحمة الله أنه لم يقبل ثدي امرأة، فخافوا عليه من أن يموت، فعرضت عليهم أخته أن تدلهم على أهل بيت يقدمون له الرعاية والرضاعة، فتحقق وعده عز وجل، ورجع إلى أمه لترضعه ويبقى في رعايتها، وتأخذ الأجر إضافة لرعايتها ابنها، فتبارك الله أرحم الراحمين.
4.أم عيسى.
ورد ذكر أم عيسى في القرآن الكريم، وسميت سورة باسمها، وهي سورة مريم، فأم عيسى هي مريم ابنة عمران.
وأم مريم لم تنجب من زوجها عمران في بداية زواجها، وكانت تحن إلى الولد، فدعت الله عز وجل أن يرزقها ولدًا، ونذرت لله إن رزقها الولد أن تهبه خادمًا للكنيسة، فلما وضعتها أنثى حزنت وتحسرت مما كانت ترجوه 132، وقالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36] .