فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 2431

ومع الثقة في الإجابة يكون الإلحاح على الله عز وجل في الدعاء، فلا استعجال في تحقق المراد، ولا استبطاء لوقوعه؛ مما يبلور توكلًا صادقًا على الله، ويقينًا راسخًا بقدرته ورحمته بعباده.

إنّ من علامة التذلّل والافتقار إلى الله عز وجل في الدعاء: الإلحاح فيه والتكرار؛ فعن أبي الدرداء وابن عباس رضي الله عنهما أنّهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر: ربّ، وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا ربّ ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرؤون القرآن؟!

ثم تلا قول الله عز وجل: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران 191 - 195] 34.

ونجد هذا الإلحاح والتكرار في دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127 - 129] .

للدعاء آداب سوف نعرضها في النقاط الآتية:

أولًا: الدعاء بأسماء الله الحسنى:

من أعظم الثناء على الله عز وجل الدعاء بالأسماء الحسنى، والتوسل بها؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف 180 - 181] .

ومن دواعي الإجابة تحري الأدعية التي اشتملت على اسم الله الأعظم؛ فعن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] . وفاتحة آل عمران: {الم(1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2] ) 35.

ويستحضر الداعون حين يرفعون أكفهم بالدعاء عبوديتهم الخاضعة لله وحده، وتتجدد في وعيهم أبعاد وحدانية خالقهم المعطي سبحانه الذي يتوجهون إليه، وهم ينشدون تحقيق ما يرغبونه من جلب نفع، أو كشف ضر، أو طلب حاجة.

وقد أفاضت آيات من القرآن في بيان ذلك؛ قال الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 106 - 107] .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194] .

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197] .

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 - 13] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 73 - 74] .

وقال تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 41 - 43] .

وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22 - 23] .

وقال عز وجل: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13 - 14] .

وقال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5 - 6] .

وكل من استغاث بغير الله، أو دعا غير الله دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك مرتد، كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .

وقال تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213] .

وقال عز وجل: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65 - 66] .

وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] .

على من يتوجّه إلى ربه عز وجل بعد شعوره بضعفه، وحاجته الماسة إلى ملك الملوك، ومن بيديه خزائن السموات والأرض أن يحمد ربه ويثني عليه، ويمجّده بما هو أهله، ويجعل ذلك وسيلته إلى رضا ربّه وقبول دعائه، يظهر ذلك في أدعية القرآن الكريم؛ فسورة الفاتحة التي هي أم الكتاب، والجامعة لمقاصده بدأت بحمد الله، وأثنت عليه ومجّدته سبحانه وتعالى، ثم ذكرت الاعتراف بعبوديّته، والاستعانة به وحده، وشرعت بعد ذلك في أعظم دعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .

«ولمّا كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب، علّم الله عباده كيفيّة سؤاله، وأمرهم أن يقدّموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديّتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسّل إليهم بأسمائه وصفاته، وتوسّل إليه بعبوديّته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يردّ معهما الدعاء» 36.

ومن أدعية القرآن المبدوءة بتمجيد الله تعالى:

-دعاء يونس عليه السلام: (? ? ں ں ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 87] .

-دعاء يوسف عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 101] .

-ودعاء الملائكة: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر: 7] .

ثانيًا: الإخلاص في الدعاء:

الإخلاص: هو تصفية الدعاء من كل ما يشوبه، وصرف ذلك كله لله وحده، لا شرك فيه، وإنما يرجو العبد ثواب الله وينشد تحقيق آماله من الله وحده مخلصًا له سبحانه في عبوديته له.

وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في كتابه الكريم، فقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] .

وقال عز وجل: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] .

وقال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] .

وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .

ويرتبط التوحيد بالإخلاص في الدعاء، قال عز وجل: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 14 - 15] .

وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] .

والعمل الصالح هو ما كان موافقًا لشرع الله تعالى، ويراد به وجه الله سبحانه، فلابد أن يكون الدعاء والعمل خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم 37.

ولهذا قال الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1 - 2] .

قال: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة» 38، ثم قرأ قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] .

وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان: 22] .

فإسلام الوجه: إخلاص القصد والدعاء والعمل لله وحده، والإحسان فيه: متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته 39، فيجب على المسلم أن يكون متبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في كل أعماله؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .

وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] .

وقال تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] .

وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] .

وقد يتوسل العبد إلى الله تعالى بأنواع التوسل المشروعة؛ قال تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] .

وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، ومعنى قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه 40.

وأنواع التوسل المشروع ثلاثة:

1.التوسل في الدعاء باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، كأن يقول الداعي في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي؛ ولهذا قال تعالى: (? ? ? ? ?) [الأعراف: 180] . ومن دعاء سليمان عليه السلام ما قال الله تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 19] .

2.التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي نفسه، ويدل على مشروعية ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [آل عمران: 16] . وقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ) [آل: عمران 53] .

3.التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر، وهو أن يطلب المسلم المفرّط والمقّصر في دين الله من رجل صالح تقي أن يدعو له ربه فيفرج عنه كربه.

ثالثًا: الدعاء رغبًا ورهبًا:

مدح الله تعالى عبده زكريا عليه السلام وأهله بتذلّلهم عند دعائهم، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 90] .

ذكر الحافظ ابن كثير بسنده عن عبدالله ابن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: أمّا بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإنّ الله أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 90] 41.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ?) [الأنبياء: 90] .

ذكر الإمام القرطبي: «قيل: الرغب: رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب: رفع ظهورها» 42.

ومتى كان الدعاء رغبًا ورهبًا فلا يقع من العبد شيء من الاستعجال أو ترك الدعاء: فالعبد لا يستعجل في عدم إجابة الدعاء؛ لأن الله قد يؤخر الإجابة لأسباب: إما لعدم القيام بالشروط، أو الوقوع في الموانع، أو لأسباب أخرى تكون في صالح العبد وهو لا يدري، فعلى العبد إذا لم يستجب دعاؤه أن يراجع نفسه، ويتوب إلى الله تعالى من جميع المعاصي، ويبشر بالخير العاجل والآجل، والله تعالى يقول: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 56] .

الخشوع واستحضار القلب عند الدعاء:

يشترط في الدعاء الضراعة وحضور القلب، وإظهار الخشوع لله عز وجل، ويرتبط الخشوع وحضور القلب بالإقبال على الدعاء، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 90] .

والمراد بالخشوع والخضوع وحضور القلب أن يقصد بدعائه الخضوع والتذلّل لعظمة ربّه، كما هو وصف العبد اللازم له، ولا يكون الدعاء بلسانه والغفلة بجنانه، فيكون مانعًا له من مراده.

إنّ الخشوع والخضوع أرجى لقبول الدعاء؛ لأنّ فيه تعظيم الله تعالى، واستحضار الضعف مع التأدّب عند مناجاة الربّ.

قال تعالى: (ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 55 - 56] .

وهذا أمر بالدعاء وتعبّد به، ثم قرن جلّ وعزّ بالأمر صفات تحسن معه، وهي: الخشوع والاستكانة والتضرّع، أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقّب وتخوّف وتأمّل لله عز وجل حتّى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحجر: 49 - 50] .

فرجّى وخوّف، فيدعوه الإنسان خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه، قال تعالى: (? ? ?) [الأنبياء: 90] 43.

وقد ذمّ الله الذين لا يتضرعون إليه، قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ?) [المؤمنون:76] .

وقال الله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 42 - 43] .

وقال عز وجل: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [الأنعام: 63] .

وقال عز وجل: (? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 205] .

مع هذا كلّه يجب أن يكون الداعي حاضر القلب، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيّها النّاس فاسألوه، وأنتم موقنون بالإجابة، فإنّ الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل) 44.

وقد أمر الله تعالى بحضور القلب، والخشوع في الذكر والدعاء، فقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 205] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت