فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 2431

وقد يكون تخصيص الإنسان بالذكر مع أن الجن مكلفون أيضًا وكذا الملائكة عليهم السلام؛ لأنه لم يكن في ذلك كلفة عليهم؛ لأنه ليس فيه ما يخالف طباعهم 71.

وقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} أي: إنه كان مفرطًا في ظلمه لنفسه، ومبالغة في الجهل؛ لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعًا بأداء ما كلفهم الله تعالى بأدائه، وإنما منهم من أداها على وجهها -وهم الأقلون-، ومنهم من لم يؤدها، وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التي التزم بأدائها.

والضمير في قوله: {إِنَّهُ} يعود على بعض أفراد جنس الإنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التي التزموا بحملها، ويكفي في صدق الحكم على الجنس بشيء وجوده في بعض أفراده فضلًا عن وجوده في غالبها.

وقال بعض العلماء: رجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن.

وقد جاء فعلًا في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر:11] .

وهذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر.

والمقصود أن من المجالات العظيمة للأمانة التكاليف الشرعية، وهي -بشكل أعم- ممارسة منهج الله في واقع حياة الإنسان على الأرض؛ ولهذا وهب الله الإنسان كل ما يلزمه لحمل هذه الأمانة، فتميز ببعض ذلك عن سائر المخلوقات.

ومن أهم ذلك السمع والبصر والفؤاد؛ لتكون المنافذ التي يستقبل بها آيات الله المبثوثة في الكون، ويستقبل بلاغ الأنبياء والرسل؛ فيعي الإنسان حقيقة الأمانة التي يحملها، فيؤمن بها، ويمضي للوفاء بها.

قال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك:23] .

وقد استخدم هذا الأسلوب وهو تمثيل للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السماوات والأرض والجبال -وهن من القوة والشدة بأعلى المنازل- لأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة.

ثانيًا: العهود والمواثيق:

ومن مجالات الأمانة حفظ العهود والمواثيق، ومن أبرز وأقوى العهود ما التزم به العبد من عبادة الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، والوفاء بذلك حتى الموت، زيادة على أمانات الناس والعهود لهم، فالكل واجب الحفظ والرعاية.

قال تعالى في سورة المؤمنون والمعارج: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8] ، [المعارج:32] .

أي: أن من صفات هؤلاء المفلحين أنهم يقومون بحفظ ما ائتمنوا عليه من أمانات، ويوفون بعهودهم مع الله تعالى، ومع الناس، ويؤدون ما كلفوا بأدائه بدون تقصير أو تقاعس؛ وذلك لأنه لا تستقيم حياة أمة من الأمم إلا إذا أديت فيها الأمانات، وحفظت فيها العهود، واطمأن فيها كل صاحب حق إلى وصول هذا الحق إليه.

قال الشنقيطي: «ففي هذه الآية الكريمة ذكر -جل وعلا- أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون لأماناتهم وعهدهم، أي: محافظون على الأمانات والعهود ... ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينًا في آيات كثيرة» 72.

وقد جمع ها هنا الأمانة، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} ؛ وذلك لتعددها وتنوعها، فهي كثيرة جدًا -كما سبق-، ومنها ما جاء في الحديث: (المؤذن مؤتمن) 73 يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم، فصلاة الناس وصيامهم أمانة عنده.

وفي الحديث أيضًا: (المجالس بالأمانة) 74.

وهذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت