وتخصيص {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بالذكر من بين الموجودات؛ لأنهما أعظم المعروف للناس من الموجودات، وعطف {وَالْجِبَالِ} على {وَالْأَرْضِ} وهي منها؛ لأن الجبال أعظم الأجزاء المعروفة من ظاهر الأرض، وهي التي تشاهد الأبصار عظمتها؛ إذ الأبصار لا ترى الكرة الأرضية، كما قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] 69.
ولما عرضت الأمانة على هذه الأجرام العظام من {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} أبين أن يحملنها؛ لثقلها وضخامتها {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدي بهن إلى عذاب الله وسخطه؛ بسبب التقصير في أداء ما كلفن بأدائه.
وفائدة هذا تعظيم أمر هذه الأمانة؛ إذ بلغت أنه لا يطيق تحملها ما هو أعظم ما يبصره الناس من أجناس الموجودات.
وقوله: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} أي: قبل الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها. والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهي مع ثقلها وضخامتها، والإنسان المعروضة عليه هذه الأمانة: إما أن يكون آدم عليه السلام أو جنس الإنسان.
قال في التحرير: «فحقيق بنا أن نقول: إن هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوع الإنسان؛ لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإنسان علم أن المراد بالإنسان نوعه؛ لأنه لو أريد بعض أفراده -ولو في أول النشأة- لما كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة بتعذيب المنافقين والمشركين؛ ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانة حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى، فتعريف الإنسان تعريف الجنس، أي: نوع الإنسان» 70.
فتكون اللام في {الْإِنْسَانُ} للجنس، وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
فلو قال قائل: لكن لو كانت الآية تعني التكاليف -على ما قاله الجمهور- لذكر الجن (الخلق المكلفين) ولو كانت تعني الإيمان والاختيار، فالجن مشتركون معنا في هذه الخاصية، وإن الآية فصلت حتى إنها ذكرت الجبال رغم تابعية الجبال للأرض، ثم إن الآية حددت من حمل الأمانة وهو الإنسان، ولم تقل: الجان، فما التوجيه؟
والجواب: أنه لابد للناظر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ العظة والعبرة منهما أن يكون صاحب فهم ومعرفة، وعليه أن لا يقتصر على نصٍ يستشكله ويترك نصوصًا أخرى.
فإذا لم تكن هذه الآية فيها بيان تكليف الجن، فأين نحن من الآيات الأخرى التي ذكر الله فيها أن الجن مكلفون؟ كقوله سبحانه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 29 - 32] .
وأيضًا أول الآيات في سورة الجن.
وأيضًا فلفظ {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} ليس من صيغ الحصر التي تعني أنه لا يوجد لها متحمل إلا الإنسان، فلو قال: (ولم يحملها إلا الإنسان) لكان لهذا الاستشكال حظ من النظر حتى يبحث له عن جواب.
ثم إن الجن قد لا تكون عرضت عليهم أصلًا بل حملوها بغير عرض، والله جل وعلا له أن يكلف المخلوق قبل أن يأخذ رأيه، فهو {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .