وعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة، فلا مانع من أن يخلق الله تعالى إدراكًا ونطقًا للسماوات والأرض والجبال فتعرض عليها الأمانة، فتدرك وتنطق، ولكن هذا الإدراك والنطق لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال بعض أهل العلم: ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.
قال في اللباب: «إن الله عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، وقلن ذلك خوفًا وخشية وتعظيمًا لله؛ خوفًا أن لا يقمن بها، لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، فالجمادات خاشعة لله عز وجل، ساجدة له، كما قال تعالى للسماوات والأرض: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:11] .
وقال في الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74] .
وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} [الحج:18] ... الآية» 64.
ويرى بعضهم أن العرض في هذه الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز. قال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب.
أو يكون العرض على من فيها من الملائكة. وقيل: عرضها على أهلها كلها دون أعيانها، وهذا كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82] .
أي: أهلها 65.
أو يكون المراد: المقابلة، أي: قابلنا الأمانة بالسماوات فرجحت الأمانة، والعرض أسهل من الفرض؛ ولهذا كفر إبليس بالإباء، ولم يكفر هؤلاء بالإباء؛ لأن هناك استكبارًا، وهاهنا استصغارًا؛ بدليل قوله: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ... ، وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان؛ لأن المراد تصوير عظم الأمانة، وثقل حملها، فمثلت حال التكليف في صعوبته، وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام 66.
والصواب: أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول؛ لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه فلا داعي لصرفه عن ذلك، ومما لا شك فيه أن قدرة الله تعالى لا يعجزها أن تخلق في السماوات والأرض والجبال إدراكًا وتمييزًا ونطقًا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
قال في أضواء البيان: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت» 67.
وسمى سبحانه ما كلفنا به أمانة؛ لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا سبحانه بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشيء منها.
و «عبر عن التكاليف الشرعية بالأمانة؛ لأنها حقوق مرعية أودعها الله المكلفين، وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها، والمحافظة عليها، وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها» 68.