والواقع التاريخي يثبت لنا حسن تمثل الصحابة رضوان الله عليهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ وتطبيقه. والأمثلة في ذلك كثيرة تعز على الحصر، ومن ذلك ما هو معروف من مواقف أبي بكر، و عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين- حتى ممن كان في قلةٍ من ذات اليد، فإنهم أيضًا لم يبخلوا بالقليل الذي كان عندهم، وقد سجل الله تعالى لهم مواقفهم الطيبة تلك.
وأما الإعداد المادي: ويشمل الإعداد للرجال والعتاد بكل أنواعه، ففي إعداد القوة والسلاح والفروسية روي عن عتبة بن أبي حكيم قال: ذكرت القوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما سبقها سلاحٌ قط إلى خيرٍ) 175.
يعني أنها أقوى آلات الجهاد.
وفي هذا حثٌ للمجاهدين على تعلم الرمي، وفي ذلك جاءت أحاديث وآثار منها حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} : (ألا إن القوة الرمي) قالها ثلاثًا 176.
وروي عنه أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه الذي يحتسب به، ومنبله، والرامي به) 177.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: «علموا أولادكم السباحة والفروسية، ومروهم بالاحتفاء بين الأغراض» 178.
وأما المرابطة بالنفس وبالخيل ونحوها فإنها كذلك من أهم مظاهر القوة والإعداد والاستعداد للجهاد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .
وأما درجة الاستعداد القصوى بالحث على الجهاد والاستنفار الدائم له والتأهب على أقصى درجات التأهب، والاستعداد للحركة والانطلاق نحو الخطر، فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يهتف بأهل مكة فيقول: «يا أهل مكة، يا أهل البلدة، ألا التمسوا الأضعاف المضاعفة في الجنود المجندة والجيوش السائرة. ألا وإن لكم العشر ولهم الأضعاف المضاعفة» .
وهذه خطبة الاستنفار لتحريض الناس على الجهاد والاستعداد له، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] .
ثم اقتدى به عمر رضي الله عنه في تحريضه أهل مكة، فحثهم على الجهاد وتحصيل أعلى الدرجات؛ لكي لا يتخلفوا عن الجهاد معتمدين على أنهم جيران بيت الله وسكان حرمه.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: «يا أهل المدينة خذوا بحظكم من الجهاد في سبيل الله، ألا ترون إلى إخوانكم من أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق، فوالله ليومٌ يعمله أحدكم في سبيل الله خير له من ألف يوم يعمله في بيته صائمًا قائمًا لا يفطر ولا يفتر» 179.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «خير الناس هو رجلٌ من أهل البادية، صاحب صرمة إبل أو غنم 180، قدم بإبله أو غنمه إلى مصرٍ من الأمصار فباعها ثم أنفقها في سبيل الله، فكان مسلحة بين المسلمين وبين عدوهم. فذاك خير الناس» 181.
وفي أصول التربية على القوة والتحذير من التنعم والترف، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا تزال هذه الأمة على شرعة من الإسلام حسنة، هم فيها لعدوهم قاهرون وعليه ظاهرون ما لم يصبغوا الشعر ويلبسوا المعصفر ويشاركوا الذين كفروا في صغارهم. فإن فعلوا ذلك كانوا قمنا أن ينتصف منهم عدوهم» 182.
وكتب عمر إلى خليفته بالشام: «انظر من قبلك فمرهم فلينتعلوا وليحتفوا وليأتزروا وليرتدوا وليؤدبوا الخيل، ولا يظهر صليب، ولا يجاورنهم الخنازير، ولا يقعدون على مائدة يشرب عليها الخمر، وإياكم وأخلاق الأعاجم» 183 يعني: في التنعم وإظهار التجبر. وفي هذا وذاك بيان النصرة لهذه الأمة ما داموا مشتغلين بالجهاد، فإذا انشغلوا بالدنيا واتبعوا اللذات والشهوات وأعرضوا عن الجهاد يظفر عليهم عدوهم 184.
ولذلك جاء التحذير من الانشغال عن الجهاد والتقاعس عنه بسبب الانشغال بالدنيا ومتاعها؛ إذ إن ذلك سبب في ضعف الأمة أمام أعدائها يطمعهم فيها وينزع هيبتها من صدورهم، فيكون ذلك طريقًا إلى الذلة. وفي هذا روى الإمام محمد عن معبدٍ قال: «إذا زرعت هذه الأمة نزع منهم النصر وقذف في قلوبهم الرعب» .
و عن محمد بن كعب قال: قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149] .
أهو التعرب -الإقامة بالبادية وترك الهجرة-؟! قال: لا، ولكنه الزرع 185.
وروي عن ابن عمر موقوفًا: «إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وكرهتم الجهاد، ذللتم حتى يطمع فيكم عدوكم» 186. وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) 187.
ولا يقتصر الاستعداد للحرب البرية فقط، بل يشمل الحرب البحرية. فقد روي عن مجاهد عن تبيع -وهو ابن امرأة كعب - عن كعبٍ قال: «إذا وضع الرجل رجله في السفينة خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه، والمائد فيه كالمتشحط بدمه في سبيل الله، والغريق فيه له مثل أجر شهيدين، والصابر فيه كالملك على رأسه التاج» 188189.
تقوم العلاقات الدولية في الإسلام على مجموعة من القواعد العقدية والأخلاقية والتشريعية، وهي أسس عامة تبنى عليها أحكام هذه العلاقات، وهذا يؤدي إلى تميز هذه الأحكام في الإسلام عن العلاقات الدولية في النظم الوضعية؛ ولذلك نعقد هذا الموضع لبيان هذه الأسس التي تتميز بها، وذلك فيما سيأتي.
المقصود بالأسس: مجموعة الأحكام والقواعد العقدية والتشريعية التي تقوم عليها العلاقات الدولية في الإسلام، وتؤثر فيها. وقد تناول البحث بعض الأسس التشريعية فيما سبق عن مزايا الدولة، مثل تحقيق العدل والوفاء بالعهود والمواثيق؛ ولذلك نكتفي في هذا الموضع بإشارات سريعة إلى أهم الأسس العقدية والأخلاقية في فقرتين.
أولًا: الأسس العقدية:
عني القرآن الكريم كما عنيت السنة النبوية بالعقيدة التي تقوم على أساس الإيمان بالله تعالى ربًا متفردًا بالخلق، وإلهًا متفردًا بالأمر والنهي، فلا عبودية إلا له، وبذلك يتحرر الإنسان من كل عبودية لغير الله، يتحرر وجدانه وعقله حريةً حقيقية. فالدولة الإسلامية والأمة المسلمة لها مثالية لم تنعم بها أي دولة كبرى سبقتها أو جاءت بعدها، وهذه المثالية التي هي دعامة الدولة الإسلامية، هي عقيدة التوحيد 190.
والتوحيد له أيضًا أثر سياسيٌ وقانونيٌ، لم يفطن له الكثيرون، فالتوحيد وقاية من طغيان الفرد وظلم الإنسان للإنسان. وهل هناك تحرر من طغيان البشر أروع من الإيمان بأن الله هو خالق الكون، وأن القوة لله جميعًا، وأن السلطة لله وحده، وأن الخير بيده سبحانه وإليه المصير؟! هذا المعنى رد للفرد شعوره بشخصيته وبكرامته، وبأن له حرمةً في نظر القانون، وأنه لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تجرده من حقوقه كإنسان، وإن حاولت فهو مطالب بالدفاع عن تلك الحقوق، وإن مات دونها فهو شهيد 191.
وإذا كانت العقيدة هي الموضوع الرئيس الأساس في السور المكية، فإنها كذلك موضوع رئيسي في السور المدنية التي تنزلت لتعالج قضايا تشريعية دولية مثل الدعوة إلى السلم، واستنقاذ المستضعفين، والوفاء بالعهد، والعدل والمعاملة بالمثل وغير ذلك من المبادئ والأحكام التي عرضت من خلال هذه العقيدة ومقتضى الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر، مرتبطةً بصفات الله تعالى من أنه حكيم عليم، سميع بصير، حكم عدل؛ ولذلك نجد هذه الآيات الكريمة وأمثالها:
{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] .
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .
{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] .
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
ومن هنا كانت أحكام العلاقات الدولية - كغيرها من جوانب الفقه الإسلامي - ذات اعتبارين: قضائي ودياني. فالقضائي يحاكم العمل بحسب الظاهر، أما الدياني فإنما تحكم بحسب الحقيقة والواقع. فالأمر أو العمل الواحد قد يختلف حكمه في القضاء عنه في الديانة. ولذلك نجد الفقهاء يميزون بين ما ينفذ من الأحكام ظاهرًا وباطنًا وبين ما ينفذ ظاهرًا؛ تأسيسًا على هذا التفريق 192.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى فيما روته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) 193.
ثانيًا: الأسس الأخلاقية والقيم العليا:
تمتزج العقيدة بالأخلاق، فتهذب النفس وتربي الضمير، فتجعل منه محكمة داخلية في نفس المسلم، ينصف من نفسه قبل أن ينتصف هو من الآخرين، وتحمله على الامتثال والالتزام بالأحكام عن طواعية واختيار في كل معاملاته على مستوى الأفراد والجماعة والأمة، وفي العلاقات مع الأمم الأخرى 194.
ومن الواضح أن القانون الإسلامي يعلق أهمية غير قليلة على القيمة الأخلاقية. وقد ألمحنا آنفًا إلى بعض الآيات القرآنية الكريمة التي توجب الالتزام بقانون الأخلاق الإسلامية في العلاقات الدولية، تمامًا كما هي ملزمة في العلاقات الفردية.
وقد جاءت السنة النبوية وأعمال الخلفاء الراشدين وسيرتهم في الجهاد والعلاقات الدولية تطبيقًا عمليًا لذلك، ثم بنى الفقهاء كثيرًا من أحكامهم في العلاقات الدولية والجهاد على هذا الأصل العظيم.
ومن ذلك: الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وإعلاء مكانة الجوانب الشعورية والنفسية، ووجوب الوفاء بالعهد، والتحرز عن الغدر حتى ولو غدروا بنا، وتحريم المثلة بالأعداء في الجهاد، وتحريم قتل غير المقاتلين، وتحريم استعمال آلاتٍ وأدواتٍ يعم ضررها، وغيرها من المبادئ الأخلاقية التي ستأتي - إن شاء الله تعالى - في مواضعها.
وقد أدرك بعض الكتاب في القانون الدولي- من غير المسلمين- قيمة هذه الخاصية ومكانتها، حيث إن الإسلام بوصفه منهجًا للحياة، فإنه يشدد على أهمية المبادئ الخلقية في العلاقات الدولية، التي دفعت المسلمين لاتخاذ موقفٍ رائع من التسامح نحو غير المسلمين، والتحلي بمبادئ إنسانية، يعكسها لنا مضمون الأحكام التي استنبطوها لحالة الحرب ولسير المعارك مع الأعداء. والواقع التاريخي الإسلامي - وهذا يصدق على البشر أجمعين - يظهر لنا أن أي نظام اجتماعي على الصعيد الدولي، يفقد معناه إذا خلا كليًا من المبادئ الأخلاقية والقيم العليا الفاضلة.
وهذ الارتباط بين الأخلاق والتشريعات أفاض على الأحكام هيبة واحترامًا في عقول المخاطبين بالتشريع، وأورثها سلطانًا على النفوس، كان به الفقه الإسلامي شريعة مدنية ووازعًا أخلاقيًا في وقت معًا؛ لما فيه من قدسية المصدر القرآني الآمر، ومن الزاجر الديني الباطن إلى جانب القضاء الظاهر، فلا يحتاج الإنسان إلى قوة مصلتة عليه دائمًا؛ لتلزمه الخضوع لإيجابه، ولا يجد في الإفلات من سلطان حكمه غنيمة -إن استطاع الإفلات- سواء كان عظيمًا أو ضعيفًا 195.
كما ترتب على هذا أيضًا: أن يكون لمخالفة الحكم الشرعي جزاء يتحمله المخالف، وهو يشمل الثواب عند الطاعة والعقاب أو الضمان عند المخالفة.
والجزاء قد يكون دنيويًا يتولاه الحاكم، أي: السلطة العامة في الدولة، وقد يكون جزاء أخرويًّا عند الله تعالى يوم القيامة، ولكن للتوبة أثر في سقوط العقاب عند الله تعالى، ولها أثر في سقوط بعض العقوبات في الدنيا 196.
وأما في القوانين الوضعية فلا نجد لذلك مثيلًا، حيث إن القانون الوضعي لا يلتفت إلى الأحكام الأخلاقية، ولا يعاقب على مخالفتها. فإن شراح القانون الدولي يميزون بين قواعد القانون الدولي العام وبين الأخلاق الدولية والمجاملات الدولية، فيجعلون الأولى لها صفة الإلزام بينما الأخيرة ليس لها هذه الصفة، كما أنه لا يترتب على مخالفتها أو تجاهلها تحمل المسؤولية الدولية، ولا تعد مخالفتها مخالفة دولية، وإن كانت قد تتحول إلى قواعد قانونية عندما تتكرر وتتعارف عليها الدول 197.
تتميز أحكام العلاقات الدولية في الإسلام بمجموعة من الخصائص التي تفردها عن غيرها من الأنظمة القانونية.
فأحكامها في الإسلام ليست قواعد وضعية يمكن أن تتناول أصولها يد البشر بالتعديل والتبديل كلما عَنَّ لهم ذلك. بل هي أحكام شرعية تكون جزءًا لا يتجزأ من الشريعة السمحاء، التي تنظم كل جوانب الحياة، مستقاة من آيات الله البينات وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فأول مصادرها الكتاب الكريم ثم السنة المطهرة، دون أن نغفل أهمية المصادر الأخرى باعتبارها كلها مصادر مكملة أو تابعة. وعلى هذا يمكن أن نبرز - بإيجاز - أهم الخصائص التي تتميز بها أحكام العلاقات الدولية في الإسلام:
1.مرجعها الوحي.
وهذه الخاصية هي أهم الخصائص، وعنها تنبثق سائر الخصائص، فالإسلام دين رباني، ومنهج إلهي كامل مترابط، ينظم الحياة ويحكم كافة جوانبها. وبما أن العلاقات الدولية جزء من الفقه الإسلامي الذي يقوم على الشريعة كتابًا وسنة فإنه يقوم على الوحي الإلهي. هذا الوحي الذي نجده في كتاب الله الكريم، وسنة رسوله العظيم، الذي لا ينطق عن الهوى. ففي هذين المصدرين نجد جماع الأحكام الشرعية في كل جوانب الحياة، بما في ذلك أحكام العلاقات الدولية. وكل فقيه مقيد في استنباطه للأحكام بنصوص هذين المصدرين أو الأصلين الأساسيين عندما تسعفه النصوص بذلك، وإلا فهو مقيد باستلهام روح الشريعة ومقاصدها وأصولها.
وينص الله تعالى في كتابه الكريم على أن هذا الدين كله وحي منه سبحانه لهداية البشرية، ورحمة منه لها، وأن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام هي البلاغ والبيان، فقد قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52 - 53] .
وقال سبحانه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1 - 4] .
وتقوم الأدلة القاطعة من القرآن الكريم على بيان هذه الخاصية وتأكيدها وإبرازها، فقد تواردت آيات الكتاب الكريم تؤكد بأن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والإيجاد والملك، فهو إذن المتفرد كذلك بالحكم والأمر والتشريع فقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .
وهذه الخاصية تميز أحكام العلاقات الدولية في الإسلام عن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية التي يضعها الناس لأنفسهم في القديم والحديث؛ لذلك لا نجد لها من الهيبة والاحترام ما نجده للتشريع الإلهي الذي يقوم على الوحي المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه.
وهي كذلك ضمانة لتوحيد كلمة الأمة كلها على منهج واحد، ونظام واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي بما فيه من موازين لا تضطرب، ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالهوى والعصبية والدوافع الذاتية. فالإسلام دينٌ ربانيٌ، ومنهج إلهيٌ كامل مترابط، ينظم الحياة ويحكم كافة جوانبها. وبما أن العلاقات الدولية جزء من الفقه الإسلامي الذي يقوم على مصادر الشريعة الأصلية كتابًا وسنة فإنه بذلك يقوم على الوحي الإلهي. ففي هذين المصدرين نجد جماع الأحكام الشرعية في كل جوانب الحياة، بما في ذلك أحكام العلاقات الدولية. وهذا يسبغ عليها صفة الكمال ويعطيها الثقة والاحترام، ويضمن لها الالتزام والامتثال 198.
2.تشمل الفرد والدولة.
إن الشريعة الإسلامية خطاب عام للمكلفين، أفرادًا وجماعاتٍ، وهم محل للتكليف بوصفهم أفرادًا وبوصفهم جماعات.
وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] .
وفي كثير من الآيات القرآنية الكريمة يتوجه الخطاب مباشرة إلى الإنسان الفرد كما يتوجه إلى الجماعة والأمة، وهذا أمر واضح في القرآن الكريم.
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .
فالخطاب هنا موجه للفرد، ثم يتوجه إلى الجماعة بمثل قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .
وينبني على ذلك: أنه إذا أخذنا الخطاب المباشر معيارًا للشخصية القانونية وجب علينا أن نرتب على ذلك نتيجةً حتميةً، وهي أن الإنسان بوصفه إنسانًا هو محل التكليف في الشريعة الإسلامية؛ لأن النصوص الشرعية تخاطبه خطابًا مباشرًا، فتلزمه بالتكليف وتكسبه الحقوق، وتبشره بالثواب وتوقع عليه الجزاء بطريق مباشر. فليست أحكام العلاقات الدولية قاصرة على الدول، بل هي مفتوحة عامة شاملة تقوم أصلًا على الكيان الفردي، سواء كان الفرد منفردًا أو في جماعة أو في تشكيل سياسي باسم دولة.
بينما يثير مركز الفرد في القانون الدولي الوضعي جدلًا كبيرًا، حيث يصر الشراح التقليديون على أن القانون الدولي هو قانون الدول فحسب، ولا يرتبون للفرد حقوقًا أو واجبات دولية بصفة مباشرة، وإنما اعتبروه مجرد محل لهذه القواعد. أما الإسلام فقد اعترف للفرد بالشخصية القانونية الدولية منذ خمسة عشر قرنًا، دون تفريق بين الرجال والنساء ودون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الإقليم 199.
3.جزء من الأحكام الإسلامية.