فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 2431

ويبين حسن نية الرسول -عليه الصلاة السلام- فيما بدر منه حين أعرض عن عبد الله بن أم مكتوم وأقبل على وفد قريش يحاورهم، فقد خفف من شدة هذا العتاب أن الله لم يسند العبوس والتولي للرسول مواجهًا له به، فجاء مسندًا إليه على طريقة الغيبة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ولم يقل له: عبست وتوليت وهو مقتضى الحال ترقيقًا له في العتاب حتى لكأن العابس والمتولي شخص آخر غير محمد عليه الصلاة السلام، والجمهور يسمون هذا السلوك القولي: وضع الغيبة موضع الخطاب.

ويسميه السكاكى: التفاتًا 58 إذ لا يشترط أن يسبقه التعبير بواحد من طرقه الثلاثة، وأيًا كان الخلاف بينهم فإن المؤدى واحد هو كراهة إسناد ما لا يليق بالرسول على سبيل الخطاب.

وخفف منه أيضًا أن القرآن أبان أن ما حدث من الرسول لم يكن لغرض شخصي، بل لباعث من بواعث الرسالة التي جاء بها، وهو حرصه الشديد على هداية هؤلاء الناس، فكأنه أراد أن يستميلهم بحديثه وإقباله عليهم.

كما أن في التعبير بضمير المخاطب في قوله تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس: 3] .

الإيناس بعد الإيحاش، والإقبال بعد توهم الإعراض، أما ابن أم مكتوم فمؤمن لا يتأثر بمثل هذه الأعمال التي بدرت من الرسول عليه الصلاة السلام لمصلحة دينية توقعها هو.

فهكذا يكون العتاب الرقيق باستخدام الألفاظ الرقيقة التي لا تؤثر سلبًا على نفس سامعها، بحيث ينسى أنه عتاب ويتحول إلى مدافعٍ ومجادلٍ عن موقفه؛ ليثبت أنه على صواب، ولا يؤتي العتاب -في تلك الحالة- ثمرته المرجوة.

وانظر إلى لطف العتاب في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) [التوبة: 43] .

فمبالغة في لطف عتاب الله له صدر العتاب بالعفو من أول الأمر، وقدم على ما استحق من أجله العتاب: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) وأن العتاب الرقيق يدل على عظم منزلة المعاتب عند المعاتب، أن يبادره بالعفو، ثم يأخذ معه في بيان ما خالف فيه مما ينبغي ألا يكون.

وقد غلا الزمخشري في توجيه هذه الآية حيث قال: « (عَفَا اللَّهُ عَنكَ) كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت» 59.

وغلوه في هذا التوجيه ظاهر؛ لأنه حمل الكلمة ما ليس من طبيعتها، وصرح بما لم يصرح به الله في كتابه، ولو كان هذا الذي يقوله الزمخشري مطلوبًا لله من هذه الآية لما منع مانع من ذكره.

ولو أنه فسر قوله تعالى: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بما قاله في تفسير: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ) لكان لقوله شبهة قبول؛ لأن (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) هو موضوع المخالفة.

وقد تعقب ابن المنير قول الزمخشري، وخطأه فيه.

ثم قال: «ولقد أحسن من قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأ بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداءً: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) لتفطر قلبه عليه الصلاة السلام.

فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه الصلاة والسلام» 60.

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ? تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1] .

قال الألوسي: « (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فيه تعظيم لشأنه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه السامي الكريم يعد كالذنب، وإن لم يكن في نفسه كذلك، وأن عتابه صلى الله تعالى عليه وسلم- ليس إلا لمزيد الاعتناء به، وقد زل الزمخشري ها هنا كعادته، فزعم أن ما وقع من تحريم الحلال المحظور لكنه غفر له عليه الصلاة والسلام» 61.

وقال سيد قطب: « (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة، وأن تتداركه مغفرة الله ورحمته، وهو إيحاء لطيف» 62.

ومن ذلك أيضًا ما رواه مسلم 63 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: (لما أسروا الأسارى في بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعمر:(ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكرٍ: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكني من فلانٍ -نسيبًا لعمر- فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) شجرةٍ قريبةٍ من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى? حَتَّى? يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: 67] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف آثر السلامة، وهو رأي كثير من أصحابه، ولكن الله -تبارك وتعالى- أرشده إلى الأولى من ذلك، وهو الشدة في هذا الموقف؛ لأن هؤلاء هم صناديد الكفر، وكبار أهل الضلال، فالأولى معهم القتل والتنكيل بدلًا من العفو والصفح، خاصة والدعوة في بداياتها، وتحتاج إلى أن تظهر بمظهر القوة بين قبائل العرب، وكان هذا هدفًا لا يعدله المال، ولذا سمي هذا اليوم بيوم الفرقان لعظمته في تاريخ الدعوة.

فعاتبه الله بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) فالخطاب ليس موجهًا مباشرة إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن المعنى: لا يحق لأي نبي مهما كان أن يكون في هذا الموقف وعنده أئمة الكفر الذين حاربوه وأخرجوه ومكروا به، وأرادوا قتله أن يعفو عنهم.

وهكذا يكون العتاب الرقيق الذي لا يوجه مباشرة إلى الملوم؛ حتى لا يتشاغل بالدفاع عن نفسه، وينسى في ظل الجو شديد السخونة أن يتعلم ويفهم المراد من التوجيهات السديدة، والنصائح الرشيدة، ويفهم عن اقتناع ورضا نفس أن الأولى هو فعل ما يرشد إليه العاتب.

ولقد تعلم النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا فقه العتاب وفنه من أحاديث ومواقف الأنبياء التي قصها الله -تبارك وتعالى- عليه، وأعلمه بها، فمن ذلك ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نزل نبيٌ من الأنبياء تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت فأوحى الله إليه فهلا نملةً واحدةً) 64.

عاتب الله تبارك وتعالى هذا النبي الذي يقال: إنه العزير، بأنه قتل جماعة النمل لأنه لدغ من واحدة فقط، فاستدعى الله انتباهه وقال له: (فهلا نملةً واحدة) .

والناظر لقوله تعالى: (فهلا نملةً واحدةً) يجد أنها لطيفة موجهة لما هو أرفق بهذا النبي؛ حيث إن الموقف لا يستدعي الشدة، فالخطب يسير، وأمة النمل مهما بلغت لا تملك من أمرها شيئًا.

وعلى هذا المنوال من الأدب الجم والفقه العميق لفن العتاب، تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في المواقف التي تحتاج إلى ذلك، وتوجيههم إلى ما هو أصلح وأولى، فكان صلى الله عليه وسلم بذلك يهذب أصحابه ولا يلجئهم إلى الدفاع عن أنفسهم، بل يلفت انتباههم إلى العبرة والعظة من العتاب.

ولقد حرص صلى الله عليه وسلم أن تكون الصيغ والكلمات معبرة وموحية بالحب والعطف والشفقة على محدثه؛ لتنفذ هذه النصائح والكلمات إلى قلبه؛ فيتأثر بها ويعمل بمقتضاها.

وغيرها من المواقف التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصرح باسم أحد من صحابته، بل يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) 65 يعاتبهم بأسلوب مهذب رقيق، ليس فيه تجريح للمشاعر، ولا غض من قيمة الشخص الذي اقترف خطأ، فكان صلى الله عليه وسلم مثلًا حيًا للصحابة في فقه التعامل مع الناس؛ حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيءٍ يكرهه» 66.

بل كان يتعامل مع أهله -أعني زوجاته- بهذا الفقه، فمن ذلك ما قصه ربنا -تبارك وتعالى- في سورة التحريم، حيث قال: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ? فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَ?ذَا ? قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم: 3] .

أي أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتم حفصة سرًا بتحريم العسل على نفسه، وأن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي؛ فذكرته حفصة لعائشة، فأظهره الله عليه، فعرف بعضه وأعرض عن بعض.

أي: قال لها: إن الله أوحى إلي ما أفشيت من السر في تحريم العسل، وأنك أخبرت عائشة بذلك.

وهذا التغاضي عن كثير من أخطاء الأحبة والمقربين من شيم الكرام الأخيار الذين لا يلومون أحبابهم على كل ما يفعلون، أو يأتون من أخطاء، ولكن يكفي التعريض ببعضها والكف عن البعض الآخر.

ويعد هذا من قمة فقه العتاب وفنه بمكان، لا يصل إليه إلا من تأدب بآداب القرآن، وتعلم من النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.

قال الحسن: «ما استقصى كريم قط» 67.

وقال سفيان: «ما زال التغافل من فعل الكرام» 68.

وعلى هذا يجب علينا أن نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم الأساليب اللطيفة في العتاب والمحاورة الرقيقة التي تجعل المعاتب لا يخرج عن حب معاتبه، ولا يجنح إلى الإعراض عنه، بل يسمع ويطيع؛ لأن معاتبه لا يبغي إلا صلاحه وكماله سواء في الفعل أو القول.

هذه بعض المواقف من حياته صلى الله عليه وسلم التي تبرز وتوضح ما للعتاب من قيمة حيوية في ديننا وشريعتنا، لعلنا نعتبر بها في عصر الجفاء والغلظة علها أن تبرد أكبادنا، وتطفئ نار قلوبنا، وتهدئ من روعنا 69.

ونلحظ ثلاثة جوانب في آيات الذكر الحكيم من عتاب لبعض الأنبياء والمرسلين:

أولها: إثبات بشرية هؤلاء الأنبياء، وأنهم وإن بلغوا قمة الكمالات البشرية فلا تزول عنهم صبغة البشر المخلوق الذي تتنازعه الطاقات والقوى المودعة فيه، فإن صلتهم بالملأ الأعلى، وسعيهم الحثيث لتطبيق ما يوحى إليهم، والمسارعة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى يجعل منهم قدوة لأتباعهم في الإيمان والعمل الصالح، إلا أن دواعي الحاجة الإنسانية من طعام وشراب وسير في الأسواق للكسب والمعاش، وعدم الاطلاع على الغيب ومستقبل الأيام، وما يعتريهم من مرض ونسيان وضعف في القوى الجسمية كل ذلك يؤكد بشريتهم، فلا يستطيعون النجاة منها، وإلى هذا الجانب أشار القرآن الكريم في دحض شبهة من زعم أن عيسى وأمه إلهين من دون الله (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ?72? لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?73? أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ?74?مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [المائدة: 72 - 75] .

فبلوغ الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه الدرجات العليا من القربى والطاعة لا تخرجهم عن طبيعة البشر، ولا يجوز اتخاذهم شركاء مع الله سبحانه وتعالى.

وقد ضلت الأمم السابقة في هذا الأمر فاختلطت عليهم المقاييس، فبلغ من تقديسهم لأنبيائهم وصالحيهم أن عبدوهم من دون الله، كما فعلت النصارى فضلوا وأضلوا.

وأبرزت بعض الأمم جانب البشرية فيهم وضخمته، ونفت عنهم المزايا التي يتميزون بها عن غيرهم، فنسبت إليهم كل نقيصة ظلمًا وزورًا فضلوا وأضلوا، كما فعل اليهود في سير أنبيائهم، والمنهج العدل أن يعتقد في اصطفائهم من البشر لحمل رسالة ربهم وتبليغها إلى الناس على خير وجه، وصلتهم بالملأ الأعلى، وتلقيهم عن طريق الوحي إليهم، وهي مكانة لا تدانيها مكانة غيرهم من البشر.

إلا أنهم يبقون من البشر (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ) [الكهف: 110] .

فوجود النسيان والسهو من بعض الأنبياء تأكيد لهذا الجانب، من غير أن يؤثر على مكانتهم الرفيعة عند ربهم ومولاهم جل جلاله.

ثانيها: جانب تربوي تعليمي: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمثلون قمة العبودية لله تعالى، وهم القدوة لغيرهم في ذلك.

كما أن سيرتهم الذاتية هي النبراس لغيرهم أثناء السير إلى الله تعالى، فلئن وقع منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ما يعاتبون عليه سرعان ما يرجعون إلى الله، ويلتجئون إلى عفوه ومغفرته، ويتفيؤون ظلال رحمته ورضوانه.

إن في رسم معالم التوبة والاستغفار واستدرار الرحمة والرضوان من خلال سيرة الأنبياء تشريعًا للأمم، ولو لم تكن هذه الوقائع في سيرهم فأنى للمذنبين أن يدركوا طريق الإنابة إلى ظلال رحمة ربهم.

إن في لجوء آدم عليه السلام إلى ربه بالابتهال والإنابة (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23] .

وفي استسلام نوح عليه السلام لربه ورجوعه إليه، وإيثار رضوانه على ما تطلعت إليه نفسه بشأن ابنه أكبر المعالم التربوية إلى يوم القيامة (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ? وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [هود: 47] .

وفي ابتهال ذي النون في بطن الحوت (فَنَادَى? فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87] .

زادٌ لمن وقع في ضيق الدنيا وتقلبات أحوالها، وسدت في وجهه السبل.

وفي إنابة داود عليه السلام واستغفاره وإقباله على ربه بالطاعة والعبادة، إدراك للصلة بين العبد وخالقه ومولاه ومالكه (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ? ?24?فَغَفَرْنَا لَهُ ذَ?لِكَ ? وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى? وَحُسْنَ مَآبٍ ?25?) [ص: 24 - 25] .

لو ترك البشر يشرعون لأنفسهم طريق التوبة والإنابة والاستغفار لما اهتدوا إلى رضوان ربهم، ولضلوا كما ضل من شرع لنفسه شئون حياته الدنيوية، إن (الدعاء هو العبادة) 70.

والشرائع التعبدية كلها من الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد أن يشرع لنفسه، والمقربون إلى الله سبحانه وتعالى يدركون ما يليق بالذات القدسية من كمالات وما تنزع عنها الذات القدسية من نقص ومحال، والبشر عاجزون عن ذلك، فما يكون كمالًا في حق البشر، قد يكون نقصًا محالًا على الذات الإلهية؛ إن وجود الولد والزوجة والقرين والشريك من متطلبات الحياة الإنسانية، وتعتبر من الكمالات البشرية ومن عدمها اشتكى من نقص في نفسه.

أما بالنسبة لله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحمنُ وَلَدًا?88? لَقَد جِئتُم شَيئًا إِدًّا ?89? تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقُّ الأَرضُ وَتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا ?90? أَن دَعَوا لِلرَّحمنِ وَلَدًا ?91? وَما يَنبَغي لِلرَّحمنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا?92? إِن كُلُّ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ إِلّا آتِي الرَّحمنِ عَبدًا) [مريم: 88 - 93] .

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? أَنَّى? يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ? وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ? وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102) لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ? وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 100 - 103] .

ثالثها: إن من يمعن النظر في الأقوال والأعمال التي عوتب عليها الأنبياء صلوات الله عليهم يجدها لا تخرج عن دائرة الأقوال والأفعال التي تدخل في دائرة الاجتهاد وورود الاحتمالات عليها، والموقف الذي اتخذه النبي في الغالب يكون مما يقال عنه أن الأولى كان الوجه الآخر، إلا أن هذه الأولوية لا تدرك إلا بعد التنبيه الرباني ولا يمكن الاستدلال عليها بالظواهر والأسباب المتاحة عند وجود الحادثة، وإلا لأدى إلى ارتكاب النبي المخالفة الواضحة، وهم منزهون عن ذلك.

وإذا كان العتاب يرد على خلاف الأولى، والتهديد يرد على الأمر المفروض غير الواقع.

ولمن العتاب؟ ولمن التهديد؟ لصفوة الله من خلقه وأنبيائه المرسلين إلى عباده، فكيف يكون الحال بالنسبة لمن خالف صريح أمره، وارتكب صريح نهيه، وعصى محكم شرعه؟

إن في ذكر هذه الألوان من العتاب إيجاد حاجز نفسي بين العباد وبين المعصية، ومخالفة شرائع الله 71.

ومن أهم آداب العتاب التي تستنبط من القرآن الكريم:

فلا تعتب على أخيك بكل كبيرة وصغيرة، وإذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه؛ فكثرة العتاب تودي إلى القطيعة، فلابد من الحكمة في العتاب.

فمن حين إلى آخر، إن رأيت من أخيك شيئًا أقلقك ينبغي أن تعاتبه، فهذا دليل صدق المحبة، والحرص على دوام الوصال، فأكبر عقاب من الله عز وجل للكافر عدم استعتابه، حيث قال: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ?84?) [النحل: 84] فالكافر لا يستعتب؛ لأنه خارج العناية الإلهية، أما المؤمن فيستعتب.

فعند العتاب لابد أن تذكر محاسن أخيك، وتشير إلى فضائله.

وفي ذلك فوائد -أي: في ذكر المحاسن والإشارة إلى الفضائل- فوائد كثيرة من هذه الفوائد:

أولًا: ذكر المحاسن والفضائل هو مدخل إلى تقبل العتاب، وتطييب لنفس صاحبك لما هو فيها. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قالت: حفصة فكان بعد لا ينام إلا قليلًا 72.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة) 73.

بل امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب.

ثانيًا: من الذل أن تذكر المساوئ والأخطاء، وتوجع قلب أخيك بتكرار ما عليه، ولا تشير إلى فضائله ومحاسنه، ولا شك أن هذا ظلم للعباد، أن تنقل عنهم شرهم، وتخفي خيرهم.

فالمؤمن مرآة أخيه، أن يكون القصد من العتاب مقصدًا شريفًا؛ لأجل النصح والتوجيه، وليس بتتبع الزلات والسقطات، وروي أن رجلًا صحب رجلًا فلما أراد أن يفارقه قال له: أخبرني عن عيوبي، فقال: سل غيري؛ فإني كنت أراك بعين الرضا.

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا 74

فبعض الناس يفعل ذلك بشكل منفر للنفس والعياذ بالله، وهنا إذا حصل ذلك يخرج العتاب عن معناه الصحيح، ويصبح هذا العتاب هو الشرارة الأولى للعداوة، وهو الذي عبر عنه الشاعر بقوله 75:

فدع العتاب فرب شر هاج أوله العتاب

بل يكن لسان حالك وأنت تعاتب أخاك أو زوجك أو ولدك:

أنت عيني وليس من حق عيني

طبق أجفانها على الأقذاء

وذلك عن طريق التماس العذر، فلا يغلق عليه الأبواب بعتاب غليظ جاف، ثم يريده أن يعتذر منه، ألم تر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه المتخلفون عن غزوة تبوك يعتذرون عن تخلفهم، أخذ بظواهرهم وقبل اعتذارهم، ووكل سريرتهم إلى الله تعالى.

وتأمل صنيع الشافعي، قال يونس الصدفي: «ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، فلقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟» 76.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه) 77.

وقال عليه السلام: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق!) 78.

يدخل أعرابي المسجد فيبول في ناحية منه، فيغضب عليه بعض الصحابة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن فعلهم هذا حتى فرغ الأعرابي، ثم يناديه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن) 79.

كلمات يسيرة، تخرج في رحمة وإشفاق، فتلامس شغاف قلب رجل البادية، فيرفرف قلبه حبورًا ويقول في ذهول: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا» 80.

ومن الرفق استخدام العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ والعتاب، فمثلًا حينما نقول للمخطئ: لو فعلت كذا، ما رأيك لو نفعل كذا؟ أنا أقترح أن تفعل كذا، عندي وجهة نظر أخرى ما رأيك لو تفعلها؟ فلا شك أنها أفضل مما لو قلت له: يا قليل التهذيب والأدب، وعديم المروءة والرجولة ألا تفقه؟! ألا تفهم؟! ألا تسمع؟! ألا تعقل؟!

والعتاب يمحو كل ما يعتلي القلب من كراهية وأحقاد وأحزان.

موضوعات ذات صلة:

الحوار، الدعوة، النصيحة

1 انظر: العين، الفراهيدي 2/ 75 - 77، الصحاح، الجوهري 1/ 175 - 177، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 2/ 53 - 55، المفردات، الأصبهاني ص 545، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، القاضي عياض 2/ 65، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 175 - 176، مختار الصحاح، الرازي ص 199، لسان العرب، ابن منظور 1/ 576 - 580، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي 2/ 391، تاج العروس، الزبيدي 3/ 309 - 316، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة 2/ 581،.

2 انظر: تهذيب اللغة 2/ 165.

3 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 225.

4 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 236.

5 انظر: نضرة النعيم، مجموعة باحثين 8/ 3419.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 445.

7 انظر: تاج اللغة، الجوهري، 1/ 176.

8 انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 4101، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1159.

9 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 293.

10 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 350.

11 انظر: لسان العرب، ابن منظور 2/ 615.

12 التعريفات، الجرجاني ص 241.

13 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 56، جمهرة اللغة، ابن دريد 2/ 938.

14 انظر: الكليات، الكفوي ص 53، 598.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت