3 -إكرام الضعفاء والإحسان إليهم:
عن مصعب بن سعدٍ قال: رأى سعدٌ رضي الله عنه أنّ له فضلًا على من دونه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم) 86.
وفي الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) 87.
ويكون الخلف بعدة وجوه:
يخلفه في الدنيا، إذا رأى ذلك صلاحًا، فيعوّضه مثل ما أنفق وأزيد يخلفه في الآخرة بالأجر والثواب.
سادسًا: السعي في الأرض:
لقد أعلن القرآن الكريم دعوته الأكيدة على ضرورة العمل، وعلى الكسب، وبذل الجهد.
قال اللّه تعالى: (ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجمعة: 10] .
إن المنهج الإسلامي يتسم بالتوازن بين العمل لمقتضيات الحياة في الأرض، وبين العمل في تهذيب النفس، والاتصال باللّه تعالى وابتغاء رضوانه، والى ذلك يشير القرآن الكريم 88.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [القصص: 77] .
والمعنى: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، ولا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، وأحسن إلى عباد اللّه كما أحسن اللّه إليك بهذه الأموال، ولا تبغ الفساد في الأرض بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، إنّ اللّه لا يحبّ المفسدين بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة 89.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الملك: 15] .
لما ذكر سبحانه أنه يسرها للمشي، ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات والبركات فقال: (?) ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله: (? ?) أي: الذي أودعه لكم فيها، وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم، فإن الدفن في الأرض مما يفسد المدفون ويحيله إلى جوهرها كما يكون لمن قبرتموه فيها، ومع ذلك فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فيخرجه لكم سبحانه على أحسن ما تريدون ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان والملابس ما تعلمون، وكذلك النفوس هي صعبة كالجبال وإن قدتها للخير انقادت لك، كما قيل: (هي النفس ما عودتها تتعود) ، ولما كان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر: واعبدوه جزاءً على إحسانه إليكم وتربيته لكم. فمنه مبدأ جميع ذلك، عطف عليه ما يدعو إلى الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال: (?) أي: وحده (?) وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها، يخرجها في الوقت الذي يريده 90.
والكد والعمل -طلبًا للرزق- من سنن الأنبياء، قال عليه الصلاة والسلام: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) 91.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً» 92.
وخلاصة القول: أن الحياة جهاد وكفاح، فليس طلب المعيشة بالتمني ولكن بالعمل، وعجز المرء وكسله سبب البلاء والتأخير، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الكسل فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال) 93.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تكسل) 94.
فسبحان من أخرج الناس من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأمرهم باستعمالها، وهداهم إلى أسباب الرزق، ويسرها لمن طلبها.
ومن آداب السعي لطلب الرزق وزيادته وحصول البركة فيه:
التبكير في طلب الرزق:
عن صخرٍ الغامديّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها) ، وكان إذا بعث سريّةً أو جيشًا بعثهم من أوّل النّهار، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أوّل النّهار، فأثرى وكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضع ماله 95.
قال الإمام الشوكاني: «وحديث صخر المذكور فيه مشروعية التبكير من غير تقييد بيوم مخصوص سواءً كان ذلك في سفر جهاد أو حج أو تجارة أو في الخروج إلى عمل من الأعمال ولو في الحضر» 96.
سابعًا: صلة الرحم:
إن من أعظم الطاعات التي تزيد في الرزق هي صلة الرحم؛ كما روي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سرّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) 97.
ومعنى قوله: (وينسأ له في أثره) أي: يبقى ذكره الطيب وثناؤه الجميل مذكورًا على الألسنة، فكأنه لم يمت، والعرب تقول: «الثناء يضارع الخلود» ، كما يسمى الذم موتًا، وقال سابق البربري: موت التّقيّ حياةٌ لا انقطاع لها، قد مات قومٌ وهم في النّاس أحياء 98.
يعنى: بسوء أفعالهم وقبح ذكرهم، وفي الحديث السابق: إباحة اختيار الغنى على الفقر، فإن قيل: هذا الحديث يعارض قوله عليه السلام: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمّه أربعين يومًا مضغة ... ) وفيه: (فيكتب رزقه وأجله) 99.
قال المهلب: اختلف العلماء في وجه الجمع بينهما على قولين:
القول الأول: معنى البسط في رزقه: البركة؛ لأن صلته أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال وتزيد فيه، فينمو بها ويزكو.
والقول الثاني: أنه يجوز أن يكتب في بطن أمه أنه إن وصل رحمه فإن رزقه وأجله كذا، وإن لم يصل رحمه فكذا؛ بدلالة قوله تعالى في قصة نوح: (? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے) [نوح: 3 - 4] .
يريد: أجلًا قد قضى به لكم إن أطعتم، يؤخّركم إليه؛ لأن أجل الله إذا جاء في حال معصيتكم لا يؤخّر عنكم 100.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 98] ؛ وهو الهلاك على الكفر، (? ? ?) فهذا كله من المكتوب في بطن أمه؛ أي الأجلين استحقّ لا يؤخّر عنه، ويؤيد هذا قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الرعد: 39] .
وقد روي عن عمر بن الخطاب ما هو تفسيرٌ لهذه الآية؛ كان يقول: «اللهم إن كنت كتبتني عندك شقيًّا، فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تقول: (? ? ? ? ? ? ?) [الرعد: 39] » .
لا شك أن المعاصي جميعًا سواءً كانت في حق الله أو في حقوق العباد من أسباب ضيق الرزق ونكد العيش، وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يردّ القدر إلاّ الدّعاء، وإنّ الرجل ليحرم الرّزق بالذنب يصيبه) 101.
حتى وإن أنعم الله سبحانه على العاصي ببعض النعم استدراجًا له فإنها لا تأتيه إلا منغصةً منزوعة البركة بسبب ذنوبه ومخالفته.
يقول ابن القيم في كتابه الجواب الكافي: «ومن عقوباتها -المعاصي-: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما محيت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق» 102.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 96] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أي: لوسّعنا عليهم الخير، ويسّرناه لهم من كل جانب» 103.
قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [الجن: 16] .
وفي الحديث: (إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسًا لن تموت حتّى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتّقوا الله وأجملوا في الطّلب، ولا يحملنّ أحدكم استبطاء الرّزق أن يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله تعالى لا ينال ما عنده إلاّ بطاعته) 104.
وإن الله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 7] .
والمعنى: لئن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنّكم نعمةً إلى نعمة؛ تفضّلًا منّي، وقيل: لأزيدنكم من طاعتي، وقيل: لأزيدنّكم من الثواب 105.
المعاصي تمحق الأرزاق:
قد ينخدع الناس بزيادة خيرات الدنيا مع معاصيهم؛ فيظنوا ذلك بسطًا في الرزق فيزدادوا غيًّا وإعراضًا، ولكن اقتران المعاصي مع فيض النعم يعني الإمهال من الله تعالى لحصول التوبة، فإذا تعدى ذلك حدود الإياب والتوبة؛ فإنه يكون الاستدراج الذي يليه الهلاك والعذاب.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدة مواضع، ولعل من أوضحها دلالة ما جاء في سورة الكهف -في قصة صاحب الجنتين- حيث يقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 32 - 44] .
تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله، وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبةً لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره 106.
إن الوقوع في المعاصي والآثام يؤدي إلى محق الرزق وإهلاكه، وتهلك أصحابها ذلًا وضيقًا وعذابًا في الدنيا والآخرة. إن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا كان قد هيئ له.
فانظر رعاك الله إلى قول الله عز وجل: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [القلم: 19 - 20] .
قال ابن كثير: «عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب اللّه ما بأيديهم بالكلية: رأس المال، الربح، والصّدقة، فلم يبق لهم شيءٌ، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» 107.
فما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، وليست سعة الرزق والعمل بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام، ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه، ومعلوم أن عمر العبد: مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، بل حياة البهائم خير من حياته؛ فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبّته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله 108.
لقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون رزقه لعباده في الدنيا محدودًا، وعلى دفعات.
قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشورى: 27] .
ولو بسط الله الرزق لعباده، فوسّعه وكثّره عندهم لبغوا؛ فتجاوزوا الحد الذي حدّه الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزّل رزقهم بقدر؛ لكفايتهم الذي يشاء منه، فالله يعلم أن عباده -هؤلاء البشر- لا يطيقون الغنى إلا بقدر.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 18 - 19] .
وهكذا الحال: ترى كثيرًا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرًا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأمّا المؤمن التقي فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالى: أوتي حظًّا من الدنيا أو لم يؤت، فإن أوتي فيها وإلا فربما كان الفقر خيرًا له وأعون على مراده 109.
ومن عظيم رزقه تعالى في الآخرة الجنة: الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه، وهي دار النعيم الأبدي بعد دار التعب والنصب والعمل، ولا يمكن بحال مقارنة نعيمها بنعيم الدنيا وإن اشتركا في الاسم، إذ بينهما فرق أعظم مما بين السماء والأرض، سواءً في المساكن، أو النساء، أو الطعام، أو المراكب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء 110.
ونعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما ترقى الناس في دنياهم، فسيبقى ما يبلغونه أمرًا هينًا بالنسبة لنعيم الآخرة، فالجنة: نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبدًا، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية.
ومن أعظم فضل الله ورزقه وعطائه في الآخرة: النظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة؛ قال تعالى: (پ ? ? ? ? ? ? ?) [القيامة: 22 - 23] .
روى صهيب عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إذا دخل أهل الجنّة الجنّة يقول اللّه تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم. فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النّار. قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم عزّ وجلّ) 111.
وذكر القرآن أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، وفي الجنة.
قال تعالى عن الكفار: (? ? ? ?) [المطففين: 15] .
فدل على المؤمنين يرونه يوم القيامة، و قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [ق: 35] .
وفسّر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسنى: بأنها الجنّة، وفسّر الزّيادة بأنها: النظر إلى وجه الله الكريم، وهو ثابتٌ في صحيح مسلم 112.
وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
إن مما لا شك أن في الجنة فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، مما لا يوجد مثله في الدنيا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، اقرءوا إن شئتم:(? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) ، ولموضع سوط أحدكم في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، فاقرءوا إن شئتم: (ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) ، وإنّ في الجنّة لشجرةً يسير الرّاكب في ظلّها مائة عامٍ فما يقطعها، اقرءوا إن شئتم: (ک ک ) ) 113.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يومًا يحدّث وعنده رجلٌ من أهل البادية، أنّ رجلًا من أهل الجنّة استأذن ربّه في الزّرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكنّي أحبّ أن أزرع، قال: فبذر فبادر الطّرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنّه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابيّ: والله لا تجده إلاّ قرشيًّا أو أنصاريًّا فإنّهم أصحاب زرعٍ، وأمّا نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم) 114.
وهي ليست جنة واحدة، بل جنان متعددة.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من آمن باللّه وبرسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان كان حقًّا على اللّه، أن يدخله الجنّة جاهد في سبيل اللّه، أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها) ، فقالوا: يا رسول اللّه، أفلا نبشّر النّاس، قال: (إنّ في الجنّة مائة درجةٍ أعدّها اللّه للمجاهدين في سبيل اللّه، ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة، وأعلى الجنّة أراه فوقه عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنّة) 115 وثبت في الصحيح أيضًا عن أنس أنّ أمّ حارثة أتت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد هلك حارثة يوم بدرٍ، أصابه سهمٌ غربٌ، فقتله، فقالت: يا رسول اللّه، قد علمت موضع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنّة، لم أبك عليه، وإلا سوف ترى ما أصنع، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (هبلت أوجنّةٌ واحدةٌ هي؟ إنّما هي جنانٌ كثيرةٌ، وإنّه لفي الفردوس الأعلى) 116.
وجاء في مساكنها: ما في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنة وبنائها فقال: (الجنّة بناؤها لبنةٌ من فضّةٍ، ولبنةٌ من ذهبٍ، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللّؤلؤ والياقوت، وتربتها الزّعفران، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم) 117.
وأما غرف الجنة وخيامها، فذكر القرآن أن لأهل الجنة مساكن وبيوتًا وغرفًا مبنيةً بعضها فوق بعض.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 20] .
وقال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 37] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف: 12] .
وقال تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التحريم: 11] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ في الجنّة غرفةً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها اللّه لمن أطعم الطّعام، وألان الكلام، وتابع الصّيام، وصلّى والنّاس نيامٌ) 118.
وقال تعالى: (? ? ٹ ٹ) [الرحمن: 72] .
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوّفةٍ طولها ستّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا) 119.
وهذه الخيام غير الغرف والقصور، بل هي خيام منصوبة في البساتين، وعلى شواطئ الأنهار.
وأما طعام أهل الجنة وشرابهم، فأشجار الجنة وثمارها، وقطوفها الدانية المذللة تذليلًا، واختيار أهل الجنة من ثمارها ما يريدون ويشتهون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب.
قال تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الواقعة: 20 - 21] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 71] .
وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها، وألوان طعامها وشرابها ما يشتهون.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الحاقة: 24] .
وقال تعالى: (? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [الرعد: 35] .
وقال تعالى: (? ? ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [محمد: 15] .
وقد يتبادر إلى الذهن: أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ أوّل زمرةٍ يدخلون الجنّة على صورة القمر ليلة البدر، ثمّ الّذين يلونهم على أشدّ كوكبٍ درّيٍّ في السّماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوّطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذّهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة -الألنجوج، عود الطّيب- وأزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم، ستّون ذراعًا في السّماء) 120.
وأهل الجنة خالدون فيها، ونعيهم دائم.
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ في الجنّة لسوقًا يأتونها كلّ جمعةٍ فتهبّ ريح الشّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: واللّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا) 121.
قال النووي: «المراد بالسوق: مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع؟ لفقد الشمس والليل والنهار. وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه» 122.