ففي هذه الآية أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاءه المؤمنات، أي: قاصدات لمبايعته على الإسلام، وعلى أن لا يشركن بالله شيئًا من الأشياء كائنًا ما كان، وهذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعنه، فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن بالله شيئًا، وأمورًا أخرى قد ذكرتها الآية.
قال مقاتل بن حيان: «أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» 38.
فنلحظ أن الله تعالى ذكر في هذه الآية في صفة البيعة خصالًا ستًّا، أوّلهنّ: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الاشتراك، والظاهر أن المراد: الشرك الأكبر، ويجوز التعميم، فيكون المراد الشرك الأكبر والأصغر الذي هو الرياء، والمعنى: بايعهن على أن لا يتخذن إلهًا غير الله، ولا يعملن إلا خالصًا لوجهه 39.
قال الإمام الشافعي في الأم: «وإنما يبايع النساء على الإسلام، فأما على الطاعة فهن لا جهاد عليهن» 40. فكان نص بيعة النساء مختلفًا عن غيره من أنواع البيعات؛ وذلك بتربيتهنّ على عظائم الأمور، وزجرهن عن كبائر الفواحش الواردة في الآية الكريمة وأكبرها الشرك، قال تعالى: {عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} ففي الآية تقرير للتوحيد، وإعلان المفاصلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك.
فبدأ تعالى بالنهي عن الشرك؛ لأنه مقابل للإيمان الذي تقوم عليه قاعدة الحياة السليمة لكل بشر، فالشرك نزعة نفسية منحطة تسفل بالإنسان، وتشدّه إلى ذاته البدنيّة؛ وذلك في حالة من سيطرة الوهم، وغياب الوعي، وعمى في البصيرة عن الحقيقة 41.
لذا كان من أولويات البيعة في الإسلام عمومًا وبيعة النساء خصوصًا إعلان المفارقة بين الشرك والتوحيد، فهو أصل الميثاق، وأساس الحياة.
وهذه البيعة على الإسلام قال بعض العلماء: إنها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن رجب: «وقد ذكر طائفة من العلماء، منهم: القاضي أبو يعلى في كتاب (أحكام القرآن) من أصحابنا: أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم؛ واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخصّ الرسول بالخطاب بها وحده، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12] » 42.
والمقصود أن هذه البيعة على الإسلام قد ذكرت في القرآن، وهي التي تسمى بيعة النساء أيضًا، وهي نفس بيعة الرجال، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء، من مات منا ولم يأت شيئًا منهن ضمن له الجنة، ومن مات منا وقد أتى شيئًا منهن، وقد أقيم عليه الحد فهو كفارة، ومن مات منا وقد أتى شيئًا منهن فستر عليه، فعلى الله حسابه 43.
ومن مجالات البيعة الهامة البيعة على الأعمال الصالحة، ومنها:
-البيعة على النصرة والمنعة.
البيعة على نصرة الدين من أفضل الأعمال، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي بيعة المنعة والنصرة- البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من وفد الأنصار في بيعة العقبة الثانية في منى، وكان عددهم آنذاك ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، فبعد أن تلا الرسول الكريم القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم ... ) . فبايعه البراء بن معرور وسائر الوفد على المنعة والنصرة، ومما قاله البراء بن معرور: «نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله؛ فنحن أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر» 44.
وما قبل النبي صلى الله عليه وسلم عرض الأوس والخزرج في النصرة إلا بعد أن استوثق له عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه منهم، وبعد أن تيقن هو صلى الله عليه وسلم من صدق إيمانهم، وقوة شكيمتهم، واستعدادهم للشهادة في سبيل الله، وأن قلوبهم قد تطهّرت من مطالب الدنيا، فهم يريدون فقط الله ورسوله، والدار الآخرة، ومما يدل على ذلك ما جاء في عقد البيعة: «السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله» 45.
وهذه البيعة هي المقصودة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 111] .
فقد روى القرطبي وغيره من المفسرين 46 أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية، بيعة العقبة الكبرى، وكان فيها الأنصار نيّفًا وسبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: «اشترط لربك ولنفسك ما شئت» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم) ، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: (الجنة) ، قالوا: «ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل» ؛ فنزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة: 111] .
وهذه الآية وإن نزلت في بيعة العقبة فحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة، قال بعضهم: ما أكرم الله! فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة 47. فهذه الآية وأمثالها تمثيل عبّر فيه عن إثابة الله المؤمنين الباذلين أنفسهم وأموالهم في سبيله بأن لهم الجنة بالشراء والمعاوضة، وهذا تفضل منه وكرم، وترغيب في الجهاد ببيان فضله إثر بيان حال المتخلفين عنه، وهم المنافقون.
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ اشترى منهم وعوّضهم ما فيه الخير كله، مع أن ما في الكون هو ملكه، وهذا من غاية لطفه وكرمه بعباده المؤمنين، وقدّم الأنفس على الأموال ابتداء بالأشرف، وبما لا عوض له إذا فقد 48.
وفي لفظة ژ?ژ لطيفة، وهي: أن فيها دلالة على رغبة المشتري فيما اشتراه، واغتباطه به ... ، والظاهر أن هذا الشراء هو مع المجاهدين، وقال ابن عيينة: اشترى منهم أنفسهم أن لا يعملوها إلا في طاعة، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله، فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، وعلى هذا القول يكون مستأنفًا، ذكر أعظم أحوالهم، ونبه على أشرف مقامهم 49.
وقال أبو السعود في الآية: «ترغيب المؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته، إثر بيان حال المتخلفين عنه، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبّر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى، وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس، بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها؛ إيذانًا بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم، ثم إنه لم يقل: بالجنة، بل قيل: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم، واختصاصه بهم، كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم» 50.
وقوله: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ جملة مستأنفة؛ جيء بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة، وهي القتال في سبيل الله، أي: إنهم يقاتلون في سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل على أيدي هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين: القاتل والمقتول، جزاؤه الجنة 51.
وقرأ حمزة والكسائي ژ? ?ژ بتقديم الفعل المبني للمفعول على الفعل المبني للمعلوم 52. قال في الوسيط: «وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلى الحياة الباقية الدائمة» 53.
وكأن الجمع بين الفعلين: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ أي: سواء قَتلوا أو قُتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة 54؛ ولهذا جاء في الصحيحين: (وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة) 55.
وقوله: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق في التوراة والإنجيل والقرآن، يعني: أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد وبيّنه في هذه الكتب، وفيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة 56.
وفي هذا التعبير تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين 57.
قال ابن كثير: «أخبر الله تعالى بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابتوَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ? كتاب موسى عليه السلام، ژ?ژ كتاب عيسى عليه السلام، في توراة أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن، أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله، والانجيل، أي: لا أحد أوفى منه سبحانه؛ لأن الإخلاف لا تقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق» 58.
وقوله تعالى: والقران أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم، وفي هذا تحريض على القتال، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة، والاستبشار: الشعور بفرح البشرى، شعورًا تنبسط له أسارير الوجه، أي: إذا كان الأمر كذلك، فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح، وارضوا به نهاية الرضا، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه، قال بعض العلماء: ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة، وثمنه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلًا في الكتب السماوية، وناهيك به من صكّ، وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلية، حيث صوّر جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابة الله لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله: وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ بيانًا لمكان التسليم، وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (الجنة تحت ظلال السيوف) 59، ثم أمضاه بقوله: فَاسْتَبْشِرُوا.
والمقصود أن من أنواع البيعات التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، البيعة: أن يمنعوه وينصروه، وهي ما تسمى ببيعة النّصرة والمؤازرة، وهي مذكورة في القرآن، وعبّر عنها بالبيع والشراء، قال عمر رضي الله عنه: إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال قتادة: ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم، وقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن. وعنه أنه قال: إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. قال بعضهم: ناهيك عن بيع، البائع فيه رب العلا، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم 61؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم -والله- فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية؛ ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قبل هذا العقد، ووفّى به 62.
-البيعة على الجهاد وعدم الفرار.
ومن أمثلة البيعة على الأعمال الصالحة أيضًا: البيعة على الجهاد، وعدم الفرار، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي البيعة على الجهاد في سبيل الله وعدم الفرار- البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه تحت الشجرة يوم الحديبية، وهي بيعة الرضوان، التي قال الله فيها: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 18] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عنإِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِيعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولَ الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفرّوا، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة، وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان رضي الله عنه عليه بعض الإبطاء، فظنّ أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان» 63.
ومن أبرز الأمثلة على البيعة على تجنب السيئات: ما جاء في بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى? أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ? فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?12? [الممتحنة: 12] .
ففي هذه الآية ذكر في صفة البيعة خصالًا ستًّا، هن أركان ما نهى عنه في الدين، ولم يذكر أركان ما أمر به، وهي الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والاغتسال من الجنابة وغيرها؛ وذلك لأن النهي عن هذه دائم في كل زمان وكل حال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم أهم وآكد، أو أنه لم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين، وشعائر الإسلام، وإنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء 64.
وقد ذكرت هذه المنهيات على ترتيب بديع، ووجه هذا الترتيب بين هذا المنهيات أنه قدّم الأقبح على ما هو أدنى قبحًا منه، ثم كذلك إلى آخرها؛ ولذا قدم ما هو الأظهر والأغلب فيما بينهن.
وقد ذكر الله تعالى هذه الأمور، وهناك أمور أخر لم تذكر في كتاب الله، ولكنها ذكرت في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، منها قول أم عطية: (أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح، فما وفّت منا امرأة إلا خمس نسوة فقط) 65. فانظر مع أن المبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهن نقضن البيعة كلهن، ولا وفّى منهن بالبيعة إلا خمس نسوة فقط، فهذا يدل على قلة التزام النساء بالعهود والمواثيق، وكان مما بايعهن في هذه الآية:
-أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا.
بايعهن الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكره الله في كتابه، وهو ألا يشركن بالله شيئًا، أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الإشراك، والظاهر أن المراد الشرك الأكبر، ويجوز التعميم له وللشرك الأصغر الذي هو الرياء، فالمعنى على أن لا يتخذن إلهًا غير الله، ولا يعملن إلا خالصًا لوجهه.
-وَلا يَسْرِقْنَ
أي: ولا يرتكبن جريمة السرقة، قال ابن كثير: «أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج معسرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها» 66. لما جاءت لتبايع بعد إسلامها في فتح مكة خافت من ذلك الشرط العظيم؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن هندًا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، فأحتاج أن آخذ من ماله، قال صلى الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) 67.
وفي الحديث: تقييده صلى الله عليه وسلم الأخذ من مال الزوج بالمعروف، وهو ما تعارف عليه الناس دون إفراط ولا تفريط.
وقال ابن عاشور: «فقد شملت الآية التخلّي عن خصال في الجاهلية، وكانت السرقة فيهنّ أكثر منها في الرجال» 68.
-وَلا يَزْنِينَ
أي: ولا يرتكبن جريمة الزنا التي هي من أفحش الفواحش، قال الرازي: «يحتمل حقيقة الزنا، ودواعيه أيضًا» 69 على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه) 70.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة -أخت هند- تبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها: ژپ پ أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ الآية، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية 71.
وهذه الرواية تدل على كراهة الزّنا عند النساء الحرائر، وبشاعته في الجاهلية، وإن كان مشهورًا في بعض النساء كالبغايا والإماء؛ لذا جاءت أحكام الإسلام السامية تدعو إلى الترفّع عن السفاسف، وتطييب النفس بالمباح من النكاح، وسد أبواب الفتنة بالمنع من الاختلاط المحرّم بين الرجال والنساء؛ لسدّ أبواب الغواية، وحبائل الشيطان؛ قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ?32? [الإسراء: 32] .
فإذا لم يكتف الإنسان بالنّكاح المباح ووقع في الزنا فقد أعدّ الله له عذابًا عظيمًا؛ قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ? وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2] .
وجعل حكم الزاني المحصن الرجم حدًّا مصلتًا قاسيًا شديدًا؛ لينتهي من كان في قلبه إيمان وإحسان عن سلوك طريق الحرام.
-وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ.
أي: ولا يئدن البنات، كما كان يفعله أهل الجاهلية، خوف العار، أو خشية الفقر، قال ابن كثير: «وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق أو العار، ويعم قتله وهو جنين، كما يفعله بعض النساء الجاهلات، تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه» 72.
وقال ابن عاشور: «والمراد بقتل الأولاد أمران:
أحدهما: الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم.
والآخر: إسقاط الأجنة، وهو الإجهاض، وأسند القتل إلى النساء، وإن كان بعضه يفعله الرجال؛ لأن النساء كن يرضين به، ويسكتن عنه» 73.
وقال ابن حجر: «خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات، وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذّكر لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم» 74.
{وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} [الممتحنة: 12] أي: لا تنسب إلى زوجها ولدًا لقيطًا ليس منه، تقول له: هذا ولدي منك، قال المفسرون: كانت المرأة إذا خافت مفارقة زوجها لها لعدم الحمل التقطت ولدًا ونسبته له ليبقيها عنده، فالمراد بالآية: اللقيط، وليس المراد الزنا لتقدمه في النهي صريحًا.
قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه، وقال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، وإنما قال: {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} ؛ لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها 75.
وأوضح ذلك الزمخشري بقوله: «كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك؛ كني بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا؛ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين، فهو غير الزنا، فلا تكرار فيه» 76.
والبهتان: الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال: هذا بما كسبت يداك ... ، وأصل هذا كان في بيعة النساء، ويعني: نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد أولًا، فيحتمل أن يكون المراد بين الأيدي والأرجل (القلب) ؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزوّرونه في أنفسكم، ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم 77.
وفي هذه البيعة بالنسبة للرجال والنساء دلالة عظيمة على حرص القرآن الكريم على تربية النفوس، وتهذيبها مما قد علق بها من صنائع الجاهلية المذمومة؛ ليبني مجتمعًا سليمًا من الرجال الصادقين، والنساء العفيفات، والدليل على ذلك ما قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: «لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن» 78.