والآية وإن كانت واردة في أهل الكتاب إلا أنه «يدخل فيها كل من زكى نفسه، ووصفها بزكاء العمل، وزيادة الطاعة والتقوى، والزلفى عند الله» 34.
فمن القواسم المشتركة بين العنصريين تزكيتهم الباطلة لأنفسهم بزعمهم أن لهم المنزلة العظمى عند الله، وأن لهم في الآخرة أفضل مما كان في الدنيا، وأنهم لن يعذبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز؛ اغترارًا منهم بجاه وسلطان، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، كما ذكر الله على لسان واحدٍ منهم {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] .
وكما ذكر عن صاحب الجنتين قوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] .
والقرآن قد نهانا عن تزكية النفس ومدحها على سبيل الإعجاب، فقال الله سبحانه وتعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] .
«أي: لا تمدحوها على سبيل الإعجاب، ولا تشهدوا لها بالكمال والتقى، فإن النفس خسيسة إذا مدحت اغترت وتكبرت {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} أي: هو تعالى العالم بمن أخلص العمل، واتقى ربه في السر والعلن» 35.
وقال أبو حيان: «أي لا تنسبوها إلى زكاء الأعمال والطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم» 36.
ومن هدايات الآيات حرمة تزكية المرء نفسه بلسانه والتفاخر بذلك، إما طلبًا للرئاسة، وإما تخليًا عن العبادة والطاعة بحجة أنه في غير حاجة إلى ذلك لطهارته، ورضا الله تعالى عنه.
رابعًا: طبيعة الخلقة:
من الأسباب الدافعة للعنصرية الافتخار بطبيعة الخلقة من جنس أو لون أو قوة أو لغة، أو غير ذلك مما يتعلق بطبيعة الخلقة التي لا فضل للإنسان فيها، وإنما هي منحة من الله بقدره وحكمته سبحانه وتعالى.
وإن أول من افتخر بعنصريته وخلقته هو إبليس -لعنه الله-، فقد أمره الله بالسجود لآدم عليه السلام، فامتنع من ذلك بحجة أنه خير من آدم؛ لأنه خلق من نار، وآدم مخلوق من طين.
قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 11 - 12] .
«أي: قال إبليس اللعين: أنا أفضل من آدم وأشرف منه، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟
ثم ذكر العلة في الامتناع فقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} أي: أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره؛ لأنني مخلوق من نار، والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى» 37. قال ابن كثير: «نظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم، وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا فأخطأ، قبحه الله في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار محل العذاب؛ ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار» 38.
فصار إبليس بذلك رمز العنصرية، وأول عنصري افتخر بطبيعة خلقته، وزعم أن العنصر أو الذات يمكن أن يكون له قيمة ذاتية، وتبعه على ذلك العنصريون في كل زمان ومكان، فها هو فرعون يفتخر فيقول: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] .
«أي: بل أنا خيرٌ من هذا الضعيف الحقير الذي لا عز له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} أي: لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟» 39.
وممن افتخروا بطبيعة خلقتهم، وجعلوها مانعة لهم من الإيمان قوم عاد الذين قال الله عنهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15] .
«أي: بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر والتجبر، ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر عنهم من الأقوال الدالة على الاستكبار والتباهي والتفاخر، فقال: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وكانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم وافتخروا بخلقتهم حين تهددهم هود بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما نزل بهم من العذاب، وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده، ويجعلها حيث يشاء» 40.
فرد الله عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] .
«الاستفهام للاستنكار عليهم والتوبيخ، أي: أولم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة وأوسع منهم قوة؟ فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء، يقول كن فيكون، وقال: {خَلَقَهُمْ} ولم يقل: خلق السموات، والأرض، لأن هذا أبلغ في تكذيبهم في ادعاء انفرادهم بالقوة، فإنهم حيث كانوا مخلوقين، فبالضرورة أن خالقهم أشد قوة منهم» 41.
ولا يزال الافتخار بطبيعة الخلقة ديدن العنصريين في هذا الزمان، فالأخبار العالمية تنقل إلينا باستمرار أنباء التمييز العنصري بين البيض والسود في أرقى دول العالم تمتعًا بمظاهر المدنية الحديثة التي وصل إليها إنسان القرن الحادي والعشرين، وتنقل إلينا أنباء العنجهية التي يتعاظم بها البيض الغرباء على السود أصحاب البلاد في إفريقية وغيرها، والتي يتعاظم بها إنسان القرن الحادي والعشرين الأبيض على سائر الملونين لمجرد بياض بشرته، وهو يدعي المدنية والحضارة والرقي، مع أن بياض البشرة ليس عنصرًا من عناصر المدنية والحضارة والرقي.
إنها صورة تزري بكل مزاعم الرقي الحضاري التي يزعمها رواد حضارة القرن الحادي والعشرين الميلادي، الذين ما زالت شعوبهم تعاني من مشكلات التمييز العنصري آلامًا كثيرة، وما زالت المفاهيم والتقاليد الجاهلية مسيطرة على عقولهم وعواطفهم.
خامسًا: الاغترار بالباطل:
العنصريون أشد الناس اغترارًا بما يركنون إليه من قوة، أو سلطة وجاه، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، أو أنصار وأموال، ويدفعهم اغترارهم بباطلهم إلى أن يعتقدوا أنهم على الحق، وأن لهم الحق في مجابهة المصلحين -وخاصة الأنبياء والمرسلين-، وهذا الاغترار بالباطل أحد الأسباب القوية الدافعة للعنصرية.
وقد ذكر القرآن أمثلة لاغترار العنصريين بباطلهم، منها ما قاله المنافقون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] .
وقائل ذلك رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول، وسبب مقولته ما حدث في غزوة بني المصطلق لما حدث شجار بين رجلين من المهاجرين والأنصار، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وقال: قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك» ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادك، فأنزل الله في مقولته تلك هذه الآية 42.
«والقائل هو عبد الله بن أبي بن سلول، ولكن القرآن نسب القول إليهم جميعا؛ لأنهم رضوا بقوله، ووافقوه عليه» 43.
وقد قال المنافقون هذا الكلام اغترارًا بما هم عليه من الباطل من وفرة العدد، وسعة المال، والعدة «والأعز: القوي في عزته وهو الذي لا يقهر ولا يغلب على تفاوت في مقدار العزة إذ هي من الأمور النسبية. والعزة تحصل بوفرة العدد وسعة المال والعدة، وأراد بالأعز فريق الأنصار فإنهم أهل المدينة وأهل الأموال وهم أكثر عددا من المهاجرين، فأراد ليخرجن الأنصار من مدينتهم من جاءها من المهاجرين» 44.
والمعنى: «يقول هؤلاء المنافقون- على سبيل التبجح وسوء الأدب- لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه لنا» 45. «وقد رأينا كيف حقق ذلك عبد الله بن أبي! وكيف لم يدخلها الأذل إلا بإذن الأعز!» 46 وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ادعوا لي عبد الله بن عبد الله بن أبي) ، فدعاه، فقال: (ألا ترى ما يقول أبوك؟) قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: (يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ؛ فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضى الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتينهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا؛ فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه؛ ثم قال: أنت القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله؛ فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتي، فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه؛ فاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: (اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه) ؛ فأتوه، فقال: أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنعم) 47.
وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] .
ومن مواقف العنصرية التي تبين اغترار العنصريين بباطلهم ما قصه القرآن علينا من موقف قوم شعيب من نبيهم شعيب عليه السلام، فقد قالوا له: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] .
«أي: ما ندرك كثيرا من قولك إدراك فهم، وما ذكروا ذلك ليزدادوا فهما، بل ذكروه مستنكرين لما يريد مستهينين به، وهو يتضمن رفضا لقوله، وإنكارًا لدعوته إلى التوحيد، وحسن المعاملة، والقيام بالعدل فيها وإعطاء كل ذي حق حقه، وكأن المعاملة بالبخس حق لهم، ولذا قالوا متحدين أيضا مهددين: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أكدوا أنهم يرونه ضعيفا لا يمتنع عليهم إذا أرادوه بسوء، ولولا جماعتك، أو عصبتك الذين يوالوننا، ولا نريد أن نغاضبهم لرجمناك، أي لقتلناك شر قتلة، وهي القتل رميا بالحجارة حتى تموت: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي بممتنع علينا إن أردناك بسوء، أو أردنا رجمك، ونفوا أنه عزيز عليهم أشد النفي، فأكدوه بالخطاب وتكراره، وبالباء، وبتقديم {عَلَيْنَا} ، وذلك اغترار بقوتهم، وسطوتهم، وتأكيد بأنه في قبضة أيديهم» 48.
فاغترار العنصريين بباطلهم يدفعهم دائمًا إلى احتقار غيرهم واستضعافه، ولا فرق عندهم بين مصلح وغيره، وهذا قاسم مشترك بين العنصريين في كل زمان ومكان، ولا زلنا نراه في زماننا من تسلط كثير من شعوب الدول الأوربية والأمريكية على المسلمين في هذه الدول بزعم محاربة الإرهاب والإسلام فوبيا، وينادون بطردهم من هذه البلاد؛ اغترارًا من العنصريين بمعتقداتهم الباطلة، وكثرت هذه الدعوات لطرد المسلمين من هذه الدول بعد أحداث مدبرة، كأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وحادثة شارلي إيبدو.
العنصرية لها مظاهر تتميز بها، وتعرف من خلالها، وأهم هذه المظاهر ما يأتي:
أولًا: احتقار الضعفاء:
من الصفات اللازمة للعنصريين الكبر والاستعلاء، وهذا يدفعهم إلى احتقار غيرهم من البشر -حتى لو كانوا من الأنبياء-، وهذا المعنى بينه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) 49.
فمعنى: (وغمط الناس) استحقارهم واستهانتهم.
إن احتقار الآخرين لا ينبعث إلا من نفس ملوثة بجراثيم العجب والكبر، فهو يعمل على إيذاء من حوله بدافع الشعور بالفوقية المتغلغلة في أعماقه، وهذا من الصفات المشتركة بين العنصريين أنهم يحتقرون غيرهم -خاصة الضعفاء- بسبب صفاتهم الخلقية أو ألوانهم أو عدم جاههم وغير ذلك.
فقد قص الله علينا أن من الموانع التي جعلت كثيرًا من قوم نوح لا يؤمنون به أنه لا يتبعه إلا الضعفاء، فكيف يؤمنون به وهم يحتقرون هؤلاء الضعفاء، قال سبحانه وتعالى على لسانهم: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [هود: 27] .
«أي: قال السادة والكبراء من قوم نوح: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} أي: ما نراك إلا واحدًا مثلنا ولا فضل لك علينا، وفيه تعريضٌ بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحدٍ من البشر لجعلها فيهم.
{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: وما اتبعك إلا سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلًا منهم واعتقادًا بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون أشرف منهم على فقرهم وخمولهم.
{بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: في ظاهر الرأي من غير تفكر أو روية.
{وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} أي: وما نرى لك ولأتباعك من مزية وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة» 50.
وقالوا له أيضًا: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] .
فالعنصريون يقيسون الخسة والرفعة بمقدار القوة المادية، فمن كان غنيًّا مستعليًا بماله ونفره كان عاليا، ومن كان قليلا في ماله ونفره كان خسيسًا ضعيفًا في نظرهم يستحق الاحتقار، وشعارهم الدائم {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] .
أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا! وهذه الآية نزلت في كفار قريش مع ما قبلها من آيات وهي: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 51 - 52] .
وسبب نزول هذه الآيات: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ) ?.
فـ «أشراف العرب، أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يؤوي إليه الفقراء الضعاف، من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود، وعليهم جِبَابٌ تفوح منها رائحة العرق لفقرهم، ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، فأبى.
فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسًا ويخصص للأشراف مجلسًا آخر، لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف؛ كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي! فَهَمَّ صلى الله عليه وسلم -رغبة في إسلامهم- أن يستجيب لهم في هذه. فجاءه أمر ربه: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} » 51.
عندئذ أطلق العنصريون من المشركين شعارهم القبيح: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} «عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون: كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء؟ إنه لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقونا إليه، ولهدانا الله به قبل أن يهديهم! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا، ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه!» 52.
فالعنصريون لهم مقاييس مختلفة، فمقاييسهم قائمة على أساس من المال والجاه، فأصحاب المال والجاه أهل الحظوة والقرب والفضل والمكانة، قولهم مسموع وكلمتهم مطاعة، وغيرهم من الفقراء ومن لا مال لهم ولا جاه خدم لهم وعبيد لإحسانهم، ومكانهم خلف الصفوف، ولا يحق لهم أن يجلسوا في مجلس الأثرياء وأصحاب الأموال، وبهذه المقاييس الخاطئة حكموا على أقدار الناس ومنزلتهم واحتقروهم، فكانت العنصرية البغيضة سببًا للفرقة وبابًا للأحقاد والبغض، وما بهذا تستقيم حياة الناس، ولا بهذا تنهض الأمم والشعوب.
ثانيًا: القدح في اختيار القيادات:
العنصريون يرون أنفسهم دائمًا أحق بالصدارة، وامتلاك دفة الأمور، وتوجيه الشعوب، فهم يرون في أنفسهم القيادة الرشيدة، ويحسدون غيرهم من القادة والمصلحين، ويقدحون فيهم؛ رغبة أن يكونوا مكانهم. وإذا تتبعنا القرآن لوجدنا أن ذلك سمة مشتركة بين كل العنصريين على اختلاف الزمان.
فقوم نوح استنكروا أن يكون نبيًّا لهم فقالوا: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24] .
أي: ما هذا الذي يريد أن يطلب الرياسة والشرف عليكم بدعواه النبوة لتكونوا له أتباعًا! كيف يقوم فيكم مقام الناصح ذي الرأي والسلطان، ونحن أحق وأولى بالنبوة والرياسة منه!
وقوم ثمود قالوا عن صالح عليه السلام: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر: 25] .
فـ «هي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلا بعد جيل: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا} ؟ كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة، إنما تنظر إلى شخص الداعية: {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} [القمر: 24] » 53!
وبنو إسرائيل لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم قائدًا يقاتلون معه، وأخبرهم أن الله اختار لهم طالوت ملكًا استنكفوا في أول الأمر عن اتباعه بحجة أنه ليس أهلًا للملك، وليس من أصحاب الجاه والأموال.
قال الله تعالى عنهم: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة: 247] .
أي: قاموا معترضين على نبيهم كيف يكون ملكًا علينا، والحال أننا أحق بالملك منه؛ لأن فينا من هو من أولاد الملوك، وهو مع هذا فقير لا مال له فكيف يكون ملكًا علينا؟ وهكذا تتأصل في اليهود العنصرية والطبقية منذ أبعد الآماد.