فهرس الكتاب

الصفحة 1136 من 2431

الرفعة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ر ف ع) تدل على خلاف الوضع، تقول: رفعت الشيء رفعًا إذا جعلته عاليًا.

كما يأتي الرفع بمعنى: تقريب الشيء، قال الله تعالى: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) } [الواقعة: 34] أي: مقربة لهم، ومن ذلك قوله: رفعته للسلطان، أي: قربته منه.

ويأتي الرفع كذلك بمعنى: إذاعة الشيء وإظهاره 1.

والرفع قد يكون حسيًّا؛ كرفع البناء ورفع القواعد، ومنه في القرآن قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127] . وقوله سبحانه: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63] .

وقد يكون معنويًّا؛ كارتفاع الدرجة والمنزلة، ومنه قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] . وقوله جل وعلا: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] .

ويقال: رَفُعَ رِفْعَةً، أي: ارتفع قدره 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الرفعة: الإعلاء والتشريف ورفع القدر والمنزلة 3.

وردت مادة (رفع) في القرآن الكريم (29) مرة، وما جاء منها بمعنى الرفعة (13) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 6 ... {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } [الشرح: 4]

الفعل المضارع ... 4 ... {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83]

اسم الفاعل ... 1 ... {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) } [الواقعة: 3]

اسم المفعول ... 1 ... {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) } [عبس: 14]

صيغة مبالغة ... 1 ... {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} [غافر: 15]

وجاءت الرفعة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: نقيض الذلة، وخلاف الضعة.

وهي تقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها، وتارة في البناء إذا طوّلته، وتارة في الذكر إذا نوّهته، وتارة في المنزلة إذا شرّفتها 5.

العلو:

العلو لغة:

السموّ والارتفاع والشرف، ومنه قوله سبحانه: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] 6.

العلو اصطلاحًا:

لا يختلف عن معناه اللغوي، الدال على الارتفاع، ويستعمل في الأمكنة والأجسام أكثر، وفي المحمود والمذموم 7.

الصلة بين الرفعة والعلو:

الرفعة والعلو في اللغة بمعنى واحد، وهو الفوقية 8.

السمو:

السمو لغة:

هو الارتفاع والعلو فيقال للشريف والملك سمو فلان، والسماء معروفة 9.

السمو اصطلاحًا:

لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على العلو والشرف والرفعة والعظمة 10.

الصلة بين الرفعة والسمو:

الرفعة تقال في الأعيان والمعاني، أما السمو لا يكون إلا في المعاني، والرفع في الأعيان كرفع البناء، والرفع في المعاني كرفع درجة العلم.

المنزلة:

المنزلة لغة:

هي المكانة والمرتبة والدرجة، يقال: له منزلة عند الأمير، وهو رفيع المنزل والمنازل 11.

المنزلة اصطلاحًا:

لا يخرج المعنى الاصطلاحي للمنزلة عن المعنى اللغوي له الدال على المكانة.

الصلة بين الرفعة والمنزلة:

الرفعة تقال في الأعيان والمعاني، والمنزلة: تقال في الأمور المعنوية 12.

الضعة:

الضّعة لغة:

خلاف الرفعة في القدر، والأصل وضعة، والوضيع: الدنيء من الناس 13.

الضعة اصطلاحًا:

هي الذل والهوان والدناءة والخسة، والوضيع: ضد الشريف، وهو المحطوط القدر الدنيء، وهو لا يختلف عن المعنى اللغوي 14.

الصلة بين الرفعة والضعة:

يظهر من خلال بيان الفرق بين الرفعة والضعة أن بينهما علاقة تضادّ.

إن الله تعالى هو رفيع الدرجات وهو كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة والرزق وغيرها، وإن من لم يرفعه الله فهو موضوع، فهو الخافض الرافع سبحانه، وفي هذا البحث بيان معنى الرفيع.

يقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه، وعلوه على جميع المخلوقات التي أعلاها وأعظمها عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها.

قال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) } [غافر: 15] .

وقال سبحانه: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) } [المعارج: 3 - 4] .

والرفعة في حق الله تعالى تأتي صفة ذات وصفة فعل، فالأول: اسم الله رفيع الدرجات، والثاني: اسم الله الرافع 15.

1.اسم الله رفيع الدرجات.

وصف الله تعالى نفسه بأنه رفيع الدرجات ذو العرش، وهي رفعة الذات على جميع المخلوقات، وفوق كل شيء، وليس فوقه شيء، فذكر العرش عند هذه الصفة من أدلة فوقيته تعالى، ودليل على أنه في السماء على العرش، لأن {ذُو} نعت، ولا يكون إلا نعت استوائه عليه، وكذا قال في سورة البروج: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) } [البروج: 15] .

فهو سبحانه وتعالى الكبير المتعال، ذو العرش والسلطان، المتفرد بهذا المقام العالي، والسلطان العظيم، لا يشاركه أحد، ولا ينازعه سلطان، ورفعة القدر وهي رفعة صفاته وعظمتها، وأنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، الذي لا أرفع قدرًا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، فلا ريب أنه سبحانه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود، فهو سبحانه الرفيع في جميع صفات الكمال والجلال، فله الكمال المطلق في كل صفة وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول، وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، وهو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] .

وهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير 16.

والدرجات مستعارة للمجد والعظمة، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر، والمعنى: أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه، وإجراء وصف ذي المعارج على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلاله، ولإدماج الإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء.

قال تعالى: {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] .

ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها، قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

وليكون من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين 17.

2.اسم الله الرافع.

وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته.

قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) } [الأنعام: 83] .

أي: رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة، كما قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

وكذا في الرزق والأجل، قال جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعام: 165] .

وجعل للملائكة مقامات معينة.

قال جل وعلا: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) } [الصافات: 164] .

وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء 18.

ويجوز أن يكون رفيع من أمثلة المبالغة، أي كثير رفع الدرجات لمن يشاء، وهو معنى قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 76] .

وإضافته إلى الدرجات من الإضافة إلى المفعول، فيكون راجعًا إلى صفات أفعال الله تعالى 19.

وفي هذه الآيات تثبيت للمؤمنين على عبادة الله تعالى وترغيب لهم بالتعرض إلى الدرجات العالية التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين.

تأتي الرفعة في القرآن الكريم على أنواع، الأول: الرفعة في الدنيا، والثاني: الرفعة في الآخرة، فالأول رفعة الأنبياء والرسل والعلماء والمؤمنين والأعمال الصالحة والشعائر والملك والحكم والقرآن والبيت الحرام والتفاوت في الدرجات بين الناس، والثاني: الرفعة في الآخرة، وهو درجات الجنة ونعيمها، وسيكون بيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الرفعة في الدنيا:

ذكر الله تعالى أن الرسل والأنبياء هم أرفع درجة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] .

وقال سبحانه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) } [الأنعام: 83] .

وقال جل وعلا: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) } [الإسراء: 55] .

وقال تعالى عن إدريس عليه السلام: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) } [مريم: 57] .

بينت الآيات فضيلة الرسل والأنبياء عليهم السلام وارتفاع درجاتهم وعلو منزلتهم، وتمجيد سمعتهم، وتعليم المسلمين أن هذه الفئة الطيبة مع عظيم شأنها قد فضل الله بعضها على بعض، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلا الله تعالى، غير أنها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المصلحة للبشر ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيدوا به من الشرائع العظيمة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس) 20.

فما بالك بمن هدى الله بهم أممًا في أزمان متعاقبة، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه، وللتفاضل بينهم قال عليه الصلاة والسلام: (فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وختم بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة) 2122.

وأجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وعلى أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) } [الأحزاب: 7] .

وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] 23.

وفي قوله سبحانه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: 253] .

أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم، وهو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف واللام للاستغراق، وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بين تفضيلهم، فقال تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253] ، مثل موسى عليه السلام، {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] ، يعني إدريس عليه السلام، كما قال تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) } [مريم: 57] .

وجعل بعضهم خليلًا، وبعضهم ملكًا، وسخّر لبعضهم الريح والشياطين، وأحيا ببعضهم الموتى، وأبرأ الأكمه، والأبرص 24.

ذكر الفقهاء في هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253] إشكالًا قويًّا معروفًا، ووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله) 25.

وثبت أيضًا في حديث أبي سعيد المتفق عليه: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة) 26 الحديث.

وفي رواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) 27.

وفي رواية: (لا تخيروني من بين الأنبياء) 28.

والجواب من وجوه:

أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر.

والثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.

والثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذا الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.

والرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.

والخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.

وقيل: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها.

قال الشنقيطي: «وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض، إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: «إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) } [الأنبياء: 29] .

وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 1 - 2] .

قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] .

وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] فأرسله إلى الجن والإنس» 29.

وقال أبو هريرة: «خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من الرسل» 30.

وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به» 31.

قال ابن عطية: «ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وذلك في الجملة دون تعيين مفضول، وهكذا هي الأحاديث عن النبي عليه السلام، فإنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) 32، ولم يعين.

ومنع التفضيل على طريق الخصوص، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على موسى) 33، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) 34، وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول» 35.

وقد ذكر القرآن الكريم بعض الأنبياء وخصهم بالرفعة وهم:

-إدريس عليه السلام.

لقد أثنى القرآن الكريم على إدريس عليه السلام وبيّن علو مكانه.

قال تعالى: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 56 - 57] .

إدريس عليه السلام، هو من ذرية آدم الأولين، وهو جدّ أعلى لنوح 36، ولهذا اختصّ بالذكر؛ لأنه ليس من الأنبياء الذين جاءوا من ذرية إبراهيم، ووصفه الله تعالى بأمور، أنه كان صديقًا، وأنه كان نبيًّا، وثالثها: قوله تعالى: (? ? ? ?) [مريم: 57] .

وفيه قولان:

أحدهما: أنه من رفعة المنزلة، كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (? ? ? ?) [الشرح: 4] .

فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة.

الثاني: أن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عال.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن الله رفعه إلى السماء، وإلى الجنة، وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: بل رفع إلى السماء وقبض روحه.

وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضيًا، كالملك في وسط ملكه، وجعل خزائن السموات بيده.

وقيل: رفع إلى السماء السادسة، واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء؛ لأنه جرت العادة أن لا يرفع إليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة، ولذلك قال في حق الملائكة: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [الأنبياء: 19] 37.

وفي حديث الإسراء عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج) 38.

-إبراهيم عليه السلام.

ذكر تعالى أنه خص إبراهيم عليه السلام بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة.

قال تعالى: (ں ں ? ?) [النساء: 125] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ?) [الأنعام: 83] .

فذكر الله تعالى أنه رفعه بالتوحيد الذي هداه إليه وحاج به قومه، قال بعضهم: هي احتجاجه عليهم بقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 81] .

وحجته في ذلك أن الذي يعبد الله لا يشرك به شيئًا أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به، وقيل: أراد به الحجج الذي حاج به نمروذ، على ما سبق في سورة البقرة، وعبر بالإيتاء، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب، وبهذا استحق إبراهيم أن يلقى من ربّه هذا التكريم، وأن ينعته هذا النعت العظيم بقوله سبحانه: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 120] ، فهو أمة وحده، ومجتمعه أشبه بفرد واحد إزاء هذه الأمة العظيمة، أو هو الأمة، وقومه لا شيء، إذ كان هو الإنسان الوحيد فيها، الذي يحمل عقل الإنسان وينتفع به، ومن فضل الله على إبراهيم عليه السلام: النبوة والعلم والفهم والملك والإمامة، وجعله عزيزًا في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد 39.

وقد ذكر بعضهم الإجماع على أن خير البرية بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو إبراهيم الخليل عليه السلام 40، فعن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك إبراهيم عليه السلام) 41.

-يوسف عليه السلام.

خص الله تعالى نبيه يوسف عليه السلام بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة، بالنبوة والحكم والعلم والفهم والفضيلة والعقل.

قال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 21] .

وقال جل وعلا: (? ? ? ? ? ?) [يوسف: 22] .

وقال جل وعلا: (? ? ? ?) [يوسف: 37] .

وقال سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ?) [يوسف: 55] .

وقال عز من قائل: (? ? ? ? ?) [يوسف: 68] .

وقال تعالى: (گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 76] .

وقال جلا في علاه: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 101] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت