فيقول الله عز وجل: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، أي: إن النار مقامكم خالدين فيها، فقد وسع علمه تعالى الأشياء كلها، وكذلك حكمته وسعت الأشياء كلها، ثم نسب الله تعالى الولاية إلى نفسه.
فدل هذا على أنها من الله تعالى حيث خلق سبب الولاية منهم، فكما ولى الجن المردة، وسلطهم على إضلال أوليائهم من الإنس، وعقد بينهم عقد الموالاة والموافقة بسبب كسبهم وسعيهم في ذلك، فهذه سنة الله تعالى حيث يولي كلًّ ظالم ظالمًا مثله، يحثه على فعل الشر، ويجيبه إليه، وينفره من فعل الخير، ويزهده فيه، فهذا يعد من عقوبات الله تعالى العظيمة التي لها أثر شنيع، وخطر بالغ؛ وذلك لأن العباد إذا كثر الظلم والفساد فيهم، ومنعوا الحقوق الواجبة بينهم، ولى الله تعالى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم أضعاف ما منعوا من حقوق الله تعالى وحقوق عباده الواجبة فيهم، ويفهم من هذا بمفهوم المخالفة أنه إذا صلح أمر العباد، واستقاموا على دين الله عز وجل، أصلح الله تعالى لهم ولاة أمورهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف 90.
استخدم القرآن الكريم في حديثه عن الولاء مجموعة من الأساليب، و كان منها ما يأتي:
أولًا: النهي:
فقد استخدم القرآن الكريم (لا) الناهية للتعبير عن عدم اتخاذ الكافرين سواء كانوا مشركين أم يهودًا ونصارى، نهاهم أن يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين، ومن الآيات القرآنية التي استخدمت هذا الأسلوب: قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] .
قال الزمخشري: «لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين، ثم علل النهى بقوله {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي إنما يوالي بعضهم بعضًا؛ لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر» 91.
ومنه أيضًا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة:13] .
وسورة الممتحنة كما بدئت بالنهي عن موالاة الكفار عمومًا، وعن اليهود خصوصًا -كما مر سابقًا- كذلك ختمت السورة بالنهي الوارد في هذه الآية، وهذا للتأكيد على عدم موالاتهم، وتنفيرًا للمسلمين عن هذه الولاية، فينهى الله عز وجل المؤمنين عن تولي هؤلاء القوم المغضوب عليهم، والملعونين، فإنهم قد يئسوا من ثواب الآخرة؛ لأنهم عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم بصدقه وصدق نبوته، فهؤلاء قد يئسوا كما يئس الكفار من رجوع أصحاب القبور الذين ماتوا على الشرك إلى الدنيا واللقاء بهم 92.
ثانيًا: الاستفهام:
كان لهذا الأسلوب النصيب الأكبر في الحديث عن الولاء، وهو أسلوب غرضه الإنكار؛ للتأكيد على نهي اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والأمثلة عليه كثيرة، منها -على سبيل المثال لا الحصر-: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء:144] .
أي ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مصاحبة الكافرين ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أسرار المؤمنين وأمورهم الداخلية، ولهذا قال: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أي أتريدون أن تجعلوا لله تعالى حجة ليعاقبكم بموالاتكم الكافرين؟ 93.
ومثله قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء:138 - 139] .
وتقدم تفسيرهما، ومنه أيضًا قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الأنعام:14] .
والمعنى: يأمر الله عز وجل النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: أيعقل أن أتخذ إلهًا يتولاني غير الله جل َّجلاله، وهو الذي خلق السماوات والأرض وابتدأهما، كما أنه هو الذي يرزق خلقه ولا يخلق، وقد أمرني الله تعالى أن أكون أول من يسلم من خلقه 94.
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف:50] .
والمعنى: لقد كرم الله عز وجل آدم عليه السلام عندما خلقه، فأمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا كلهم إلا إبليس، فتكبر على أمر الله تعالى، ولم ينفذه، فينكر الله تعالى على خلقه الذين اتخذوا الشيطان وذريته أولياء من دون المؤمنين، وكأنه يقول لهم: أفتطيعونه وتتركون أمر الله جلَّ جلاله وهم أعداء لكم؟! فبئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ولاية الشيطان 95.
وغير ذلك من الأمثلة القرآنية، فأسلوب الاستفهام كان واضحًا ومتمثلًا في همزة الاستفهام الذي كان غرضه إنكار اتخاذ الأولياء من الشياطين والكافرين والمنافقين واليهود والنصارى من دون المؤمنين.
ثالثًا: التحدي:
وهو أسلوبٌ يقصد من خلاله تعجيز الطرف الآخر، وإظهار كذبه فيما ادعاه، وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب في حديثه عن الولاء، حيث تحدى الله عز وجل فيه اليهود حيث قال جل جلاله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [الجمعة:6 - 7] .
فقد زعم اليهود أنهم أولياء لله تعالى من دون الناس جميعًا، فأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطلب من اليهود أنهم إن كانوا صادقين في زعمهم هذا فليتمنوا الموت؛ وذلك ليستريحوا من كربات الدنيا وهمومها وغمومها، وينتقلوا بالموت إلى روح الجنان ونعيمها، فإن الله تعالى لا يعذب أولياءه، ولكن الله جلَّ جلاله يعلم أن اليهود لن يتمنوا الموت أبدًا بسبب ما اقترفوا في هذه الدنيا من آثام، وما اجترحوا من سيئات، وكذلك فالله أعلم بمن ظلم نفسه، وجعلها تكفر بالله عز وجل 96، فأسلوب التحدي في هذه الآية واضح وبارز.
رابعًا: التهديد:
وهو أسلوب يحمل معنى التخويف والتوعد للمؤمنين إن والوا الكافرين وناصروهم وصادقوهم، ومن هذه الآيات التي استخدمت هذا الأسلوب، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] .
فبعد أن نهى الله عز وجل عن موالاة اليهود والنصارى؛ لأن بعضهم أولياء بعض، فكلهم يضمرون للمؤمنين البغضاء والشر، وهم وإن كانوا في الظاهر مختلفين إلا أنهم متفقون فيما بينهم على كراهية الإسلام والمسلمين والكيد لهم، ثم هدد المؤمنين أن من يوالي المشركين منهم، فإنه يعد من جملتهم، والحكم الذي يسري عليهم، يسري عليه كذلك، ولا يخفى أن في هذا تغليظًا من الله عز وجل، وتشديدًا في وجوب مجانبة المخالفين في الدين واعتزالهم 97.
ومن هذا الأسلوب أيضًا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73] .
فقد أخبر الله عز وجل أن الكفار بما أنهم متفقون على الكفر، فبعضهم أولياء بعض، فلا يوالي هؤلاء الكفار إلا كافر مثلهم، ثم هدد المؤمنين أنهم إن لم يوالوا المؤمنين أمثالهم ويعادوا الكافرين، فإنه سوف يحصل من الفساد والشرِّ ما لا ينحصر من اختلاط الحقِّ بالباطل، والمؤمن بالكافر، وإلغاء بعض العبادات الكبرى مثل: الجهاد، والهجرة وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت وتضيع إذا لم يتخذ المؤمنون بعضهم أولياء بعض 98.
ومن الآيات التي استخدمت هذا الأسلوب أيضًا قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28] .
وقد تقدم تفسيرها، ومثله أيضًا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23] .
كان لموضوع الولاء نصيب في أمثال القرآن الكريم، ومعلومٌ أن من أغراض الأمثال القرآنية تقريب الصورة المعنوية إلى الذهن بتشبيهها بشيء مادي محسوس يدركه العقل البشري.
ومن الأمثلة على ذلك: قوله جل جلاله: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:41 - 43] .
فيعد هذا مثلًا ضربه الله تعالى لمن عبد غيره من الأصنام والأوثان من أجل التعزز والتقوي وحصول المنفعة، ولكن الأمر في حقيقته غير ذلك. فمثل هذا كمثل العنكبوت التي هي من الحشرات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت وأوهنها.
فهذه العنكبوت اتخذت لها بيتًا يقيها من الحر والبرد والآفات، ولكنها ما ازدادت باتخاذها هذا البيت إلا ضعفًا ووهنًا، فكذلك هؤلاء الذين يتخذون الأولياء من دون الله عز وجل، فهم فقراء ومحتاجون وعاجزون وضعفاء من جميع الجوانب، فحين اتخذوا الأولياء ما ازدادوا إلا ضعفًا إلى ضعفهم، وعجزًا إلى عجزهم، ووهنًا إلى وهنهم.
وذلك لأنهم اعتمدوا عليهم في كثير من المصالح والأمور من أجل أن يتعززوا بهم، ويستنصروهم، لكن هؤلاء الأولياء خذلوهم، ولم يحصلوا منهم على أدنى منفعة، فلم يغنوا عنهم من عذاب الله عز وجل شيئًا حين نزل بهم، ولم يدفعوا عنهم ما حل بهم عند سخط الله تعالى، ولو كانوا يعلمون حقيقة أمرهم ما اتخذوهم أولياء، وللجؤوا إلى الله جل جلاله الذي إذا تولاه عبدٌ وتوكل عليه، فإن الله عز وجل يكفيه مؤونة دينه ودنياه، ويزيده قوة في قلبه وبدنه وحاله وجميع أعماله.
فلما بين الله تعالى ضعف آلهة المشركين، وأنها ليست بشيء؛ بل هي أسماء سموها، وأوهام وتخيلات ظنوها واعتقدوها، فعبدوها من دون الله عز وجل، كما قال تعالى عنها: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم:23] .
وقال فيها أيضًا: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [يونس:66] .
وعند التحقق فيها يتبين للعاقل أنها ليست بآلهة، فالله تعالى هو الذي له القوة التي قهر بها جميع مخلوقاته، كما أنه هو الحكيم الذي يضع الشيء في محله، فهو الذي أحسن خلق كل شيء وأتقنه.
ثم بين الله عز وجل أنه لا يضرب هذه الأمثال إلا لأجل أن ينتفعوا ويتعلموا، فهي تقرب الأمر المعقول إلى الذهن بأمر محسوس، فيتضح المطلوب منها، ويقف العقل البشري أمامها عاجزًا عن الرد والجدال 99.
ويتجلى مثالٌ آخر على موضوع الولاء في المثل القرآني، فعندما قال الله جل جلاله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف:50] .
فقد أنكر الله عز وجل على المشركين في هذه الآية اتخاذهم الشياطين أولياء من دون المؤمنين، وبين في موضع آخر حال هذا الشيطان بعد أن يتخذه الإنسان وليًا، ويجعله يكفر بالله عز وجل، فقال تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر:17،16] .
فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى؛ ليبين حال اليهود والمنافقين الذين لا يواجهون المسلمين بالمبارزة والمقابلة، وهذا لشدة جبنهم وهلعهم، فلا يقاتلونهم مجتمعين؛ بل يقاتلونهم من وراء الحصون والخنادق، ومن خلف الأسوار التي يستترون بها، وقد لمست الأمة الإسلامية والعربية هذا الأمر في حروب اليهود في فلسطين في عصرنا الحاضر، وقد عبر الله تعالى عن جبنهم هذا في قوله: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر:14] .
فحروبهم وعداوتهم فيما بينهم شديدة وقوية وقاسية، والظاهر أنهم متوحدون ومتفقون، ولكنهم في حقيقة الأمر مختلفون ومتفرقون؛ لما بينهم من الأحقاد الشديدة والضغائن الكثيرة، فهم قوم لا يعقلون أمر الله عز وجل الذي فيه الحق، كما لا يدركون أن سر النجاح في هذه الحياة الدنيا هو الوحدة، ولو عقلوا هذا لعرفوا الحق واتبعوه، فتوحدوا ولم يختلفوا.
فحريٌ بالمسلمين في هذا العصر، وجدير بهم أن يكونوا خلافهم، فيكونوا متوحدين متفقين، صفًا واحدًا على قلب رجل واحد كالبنيان المرصوص، وأن يعتمدوا في ذلك على أنفسهم، ولا يلتمسوا أية حلول واهية ضعيفة من هنا أو هناك، ثم ذكر الله تعالى أحوالًا مشابهة لهم، ومنها: أن هؤلاء المنافقين حين وعدوا اليهود بالمناصرة والمؤازرة في حرب المسلمين، كمثل الشيطان الذي سول للإنسان الشر، وأغراه بالكفر، وزينه له، وحمله عليه، فلما لبى الإنسان ما يريده الشيطان، وكفر بالله عز وجل، تبرأ الشيطان منه، وتنكر له يوم القيامة، وقال له على وجه التبري منه: إني أخاف عذاب الله رب العالمين إذا ناصرتك.
ولاشك أن هذا مثلًا في غاية السوء، وشديد الوقع على النفس؛ لذلك وضح الله تعالى بعد هذا المثل ما يوجبه من العقاب، وهو أن عاقبة الشيطان الآمر بالكفر، والإنسان الذي استجاب لطلب الشيطان وكفر، أنهما صائران معًا إلى نار جهنم خالدين فيها على الدوام، وهذا العقاب هو جزاء الكافرين جميعًا والذين منهم اليهود والمنافقين 100.
وبهذا يتبين أن ضرب الله عز وجل للأمثال في القرآن الكريم إنما هو للمسائل الجليلة، والمطالب العالية، والأمور العظيمة مثل موضوع الولاء في القرآن، وأهل العلم أحق بها من غيرهم؛ لأنهم وحدهم هم المنتفعون بها بعد تعقلها وتدبرها.
موضوعات ذات صلة:
الأخوة، البراء، الحرب، السلم، السماحة، السياسة، العلاقات الدولية
1 الولاء والبراء في الإسلام، ص 4.
2 الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، 1/ 28.
3 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 746 - 747.
4 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 613، 614، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/ 280، 284، الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص 200، 201، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري، ص 493.
5 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 6/ 4439، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 808.
6 التوقيف على مهمات التعاريف، ص 325.
7 انظر: تاج العروس، الزبيدي، 35/ 431.
8 المفردات، ص 598.
9 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/ 240.
10 البحر المحيط، أبو حيان، 5/ 365.
11 روح المعاني، 10/ 42.
12 الولاء والبراء في الإسلام، ص 90.
13 تفسير المراغي 2/ 262.
14 تفسير الشعراوي، 4/ 2278.
15 تفسير أسماء الله الحسنى، ص 55.
16 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 6/ 4920.
17 التحرير والتنوير، 25/ 40.
18 أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم 2043، عن أبي ذر الغفاري، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، 3/ 199.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، 3/ 1771، رقم 6293.
19 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 3/ 135.
20 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 193.
21 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 758.
22 انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، 2/ 103.
23 انظر: جامع البيان، الطبري، 2/ 241.
24 انظر: النكت والعيون، الماوردي، 1/ 328.
25 انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، 2/ 63.
26 انظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 497.
27 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/ 234.
28 تيسير الكريم الرحمن، ص 111.
29 انظر: مدارك التنزيل، النسفي، 1/ 643.
30 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 18/ 88.
31 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 3/ 307.
32 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 11/ 129.
33 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 4/ 488، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 273.
34 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 6502، عن أبي هريرة، كتاب الرقاق، باب التواضع، 8/ 105.
35 انظر: جامع البيان، الطبري، 20/ 20، 23.
36 انظر: تفسير السمرقندي، 3/ 74.
37 انظر: لطائف الإشارات، القشيري، 3/ 154.
38 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 1/ 157.
39 في ظلال القرآن، 1/ 108.
40 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 4/ 322.
41 انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي، 1/ 637، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 467.
42 انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، 2/ 170.
43 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 761.
44 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 25/ 35.
45 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 205.
46 انظر: أوضح التفاسير، محمود حجازي، ص 627، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 261.
47 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/ 260.
48 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/ 186.
49 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 4/ 590.
50 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 15419، 24/ 145.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم 2862، 3/ 56.
51 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 27/ 223، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 748.
52 انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص 316.
53 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، 5/ 426.
54 المصدر السابق، ص 426.