فهرس الكتاب

الصفحة 1227 من 2431

السحاب

أولًا: المعنى اللغوي:

«السين والحاء والباء أصل صحيح يدل على جر شيء مبسوط ومده، تقول: سحبت ذيلي بالأرض سحبًا، وسمي السحاب سحابًا؛ تشبيهًا له بذلك، كأنه ينسحب في الهواء انسحابًا» 1.

والسحاب: جمع سحابة، والسحابة: الغيم، سميت بذلك؛ لانسحابها في جو السماء، أو لجرها الماء، أو لانجرارها في ممرّه، أو لجرّ الرياح لها؛ لأن السّحب الجرّ 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، وقد عرفه المناوي بأنه: «المتراكم من جهة العلو من جوهر بين الماء والهواء» 3.

وردت مادة (سحب) في القرآن الكريم (11) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (9) مرات 4.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

اسم جمع ... 9 ... {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة:164]

وجاء السّحاب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي هو الغيم المعروف 5.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) } [الرعد: 12] أي: الغيم.

الغمام:

الغمام لغةً:

جمع غمامة، وهي السحابة، وقد أغمت السماء أي تغيّمت 6.

الغمام اصطلاحًا:

«هو أقوى من السحاب ظلمة، فإنه أول ما ينشأ هو النشر، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام» 7.

الصلة بين الغمام والسحاب:

الغمام في الاصطلاح خاص بما فيه ظلمة أكثر من السحاب.

المزن:

المزن لغةً:

جمع مزنة وهي السحابة البيضاء 8.

المزن اصطلاحًا:

السحاب المضيء شديد البياض 9.

الصلة بين المزن والسحاب:

المزن ما كان أبيض من السحاب فإنه يكون مضيئًا.

العارض:

العارض لغةً:

السحابة التي ترى ناحية السماء 10.

العارض اصطلاحًا:

الذي يكون محمولًا على السحاب خارجًا عنه 11.

الصلة بين العارض والسحاب:

العارض خاص بما يعرض من السحاب دون غيره.

الغيوم:

الغيوم لغةً:

السحاب، وأغيم القوم أصابهم غيمٌ، وغيّم الليل جاء كالغيم 12.

الغيوم اصطلاحًا:

شيء يكسو السحاب سوادًا ساعة نزول المطر.

الصلة بين الغيوم والسحاب:

السحاب أعمّ وأشمل من الغيوم؛ إذ الغيوم تختص بالسحابة السوداء ساعة نزول الغيث.

المعصرات:

المعصرات لغةً:

«السّحاب فيها المطر، وقيل: السّحائب تعتصر بالمطر» 13.

المعصرات اصطلاحًا:

كل سحاب ملئت بالماء الذي يعتصر فيصبح مطرًا.

الصلة بين المعصرات والسحاب:

المعصرات أخص من السحاب؛ فهي كل سحابة تمتلئ ماءً يعتصر.

المطر:

المطر لغةً:

«الماء المنسكب من السحاب، والمطر: ماء السحاب» 14.

المطر اصطلاحًا:

كل ماء ينزل من السحاب، بقدر الله تعالى، سواء أكان للرحمة أو العذاب.

الصلة بين المطر والسحاب:

المطر هو الماء المنسكب من السحاب، ومن ثم فهو أثر من آثار السحاب في ظواهرها الجوية المصاحبة لها.

إن المتأمل في آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن السحاب، يظهر له جليًّا عظمة الله تعالى، وعظمة قدرته؛ فقد بيّنت تلك الآيات القرآنية عناوين عظيمة لقدرة الله تعالى، ومنها:

1.بيان القدرة على إحياء الخلق بعد مماتهم.

قال تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر:9] .

حيث إن هذه الآية تبين أنّ الله تعالى قدّر إرسال الرياح، فترفع السحاب وتهيّجه للحياة، ومن ثم الغيث؛ فيساق بأمر الله تعالى إلى بلدٍ مجدب الأهل، محل الأرض، داثر لا نبت فيه ولا زرع، فبعد ذلك أخصب الله تعالى بغيث ذلك السحاب الأرض التي سيق الغيث إليها بعد ما كانت جدباء، ونبت فيها الزرع بعد المحل، وتأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية الكريمة؛ لتبين أنه كما أحيا الله تعالى الأرض الجدباء بعد مماتها فهو قادرٌ عل أن ينشر الموتى بعد فنائهم في قبورهم؛ فيحييهم من بعد ممات 15، فما أعظم قدرة الله تعالى!!! وما أحكم آياته!!!.

2.بيان رحمة الله تعالى بخلقه.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور:43] .

فالله تعالى برحمته وتفضّله على خلقه يسوق السحاب، ثم يضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعةً واحدة، ثم يجعل بعض السحاب فوق بعض، فيرى ذلك المخلوق المطر شديده وهيّنه يخرج من خلاله، وينزّل الله تعالى من السماء من الجبال التي في السماء المخلوقة من البرد؛ فيصيب الله تعالى بعدله من يشاء فيضرّه في زرعه وثمره، ويصرفه عمّن يشاء من عباده برحمته وفضله؛ حيث إن هذا السحاب يكاد ضوء برقه يذهب بالأبصار فيعميها 16.

وفي هذه الآية الكريمة تتجلى رحمة الله تعالى مع قدرته؛ فإن من كمال الرحمة أن يصاب المخلوق بها مع علمه بأن الله تعالى قادرٌ على عقابه وحسابه.

3.القدرة على بسط السحاب كيف يشاء الله تعالى.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد:12] .

حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يري الناس جميعًا ذلك البرق الذي هو عبارةٌ عن مخاريق بأيدي الملائكة من نارٍ يسوقون بها السحاب إلى حيث يشاء الله تعالى؛ فالبرق له دلالتان: الأولى أنه نذير خوف من صاعقةٍ أو مطرٍ في غير موعده النفعي أو غير ذلك من أنواع الخوف، والأخرى أنه بشير طمعٍ في نفع المطر، ثم ينشئ الله تعالى السحاب الثقال من حمل المياه 17، ومما لا شكّ فيه أن ذلك آية دالة على القدرة الإلهية.

4.مراحل تكوين السحاب.

حيث يكون السحاب عبارة عن قزع، قطعة هنا وقطعة هناك، فيأتي هواء خفيف فيدفع هذه السحب شيئًا فشيئًا، وهو معنى قوله تعالى: {يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور:43] .

ويتكون السحاب الركامي حين تجتمع سحابتان، أو تنمو سحابة سريعة، عندها يتكون تيار هوائي تلقائي في داخلها، وهذا التيار الهوائي الذي بداخلها يصعد إلى أعلى، وحين يصعد إلى أعلى يعمل مثل الشفاطة التي تشفط الهواء من الجنب، وتقوم بسحب السحب بالشفط، بعدما تكونت على هذا النحو وأصبح لها قوة سحب وجذب للسحب المجاورة وهذا هو التأليف، فإذا تباعدت السحب الأخرى يتوقف الشفط، ويحدث شيء قوي جدًّا، وهو نموٌّ رأسيٌّ إلى أعلى، وبهذا النمو الرأسي إلى أعلى يركم السحاب بعضه فوق بعض، فيصير ركامًا؛ ولذلك قال تعالى: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} ، وتعلو السحابة فوق، وتعلو بعضها فوق بعض، فترى المطر عندها يتوقف الركم ويضعف، فإذا ضعف فإن المطر ينزل على ذلك الأثر، ولذلك قال تعالى: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور:43] .

ورد السحاب في الاستعمال القرآني بأوصاف عديدة ظاهرة، ومنها:

قال تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة:164] .

حيث إن الآية السابقة دعت إلى توحيد الله تعالى في ألوهيته، وبيّنت صفتين من صفات المولى الكريم جل جلاله، وهما الرحمن الرحيم، وبذلك يتضح أن المقام هو الحديث عن أمورٍ غيبية في التوحيد المطلق لله تعالى، ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ذلك في هذه الآية 18.

حيث إن هذه الآية الكريمة تحثّ على التفكّر فيما خلق الله تعالى بدءًا من خلق السماوات والأرض وعظيم ما فيهما من شواهد دالة على قدرته تعالى، ومرورًا باختلاف الليل والنهار وما ينتج عن ذلك من ظواهر كونية عظيمة، وكذلك السفينة المدوّرة التي تمخر في عباب البحر بما تقدّمه من منافع للناس من ركوبة أو صيد أو غير ذلك، وما أنزل الله تعالى من السماء من غيث يحيي الأرض وينبت الزرع، وبثّ فيها من كل دابّة، وتصريف الله تعالى الرياح، ومما يستحق التعقّل والاعتبار هو ذلك السحاب المسخّر المذلّل المقهور على فعل ما يريده الله تعالى، ومن المعلوم أن صفة التسخير المصاحبة للسحاب أبلغ من أية صفة في مقام التدبّر بآيات الله تعالى الكونية؛ لأن التسخير يعني حمل تلك السحاب على القيام بوظائفها عمومًا دون إرادةٍ منها 19.

ومما يدلل على تسخير السحاب صلاة الاستسقاء التي شرعت في طلب المطر عند القحط أو عند الجفاف، وما يتبعه من هلاك الحياة، واستجابة الله الفورية، وإنزال المطر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح، عرف ذلك في وجهه، فأقبل وأدبر، فإذا أمطر سري عنه، وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب 20.

ويلاحظ في هذه الآية أن الله تعالى قد بيّن أن السحاب المسخّر هو ما وقع بين السماء والأرض، ويترتب على ذلك حقائق، أهمها:

-السحاب عمومًا موصوف بأنه مسخّر مقهور على فعل ما يريده الله تعالى، فالتسخير صفة ذاتية لا تنفكّ عن أي نوع من أنواع السحاب، وقد ورد أن الله تعالى يسخّر ماءً بعينه في سحابةٍ بعينها لأمر يريده جل جلاله 21، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجلٌ بفلاةٍ من الأرض، فسمع صوتًا في سحابةٍ: اسق حديقة فلانٍ، فتنحّى ذلك السّحاب، فأفرغ ماءه في حرّةٍ، فإذا شرجةٌ من تلك الشّراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه، فتتبّع الماء، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلانٌ - للاسم الّذي سمع في السّحابة - فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إنّي سمعت صوتًا في السّحاب الّذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلانٍ، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا، فإنّي أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه) 22، وهذا الحديث دالٌّ على أن هذا السحاب مسخّرٌ بمشيئة الله تعالى وإرادته.

-السماء في عمومها هي كل ما علا على سفل الأرض، وتشمل بذلك السحاب وغيرها؛ لكن المقام في هذه الآية هو أن السماء ما كان أعلى من السحاب من جهة، وأن السحاب موكّلٌ بوظائف مقدّرة من الله تعالى؛ فهي بذلك مسخّرة على فعلها، ومن ذلك: الغيث وإنزال العقاب وغير ذلك.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الرعد:12] .

فعندما خوّف الله تعالى عباده بإنزال ما لا مردّ له من العذاب أتبع هذه الآية وما بعدها، وهي تشتمل على أمور ثلاثة، وهي:

-أنها تدل على قدرة الله تعالى وحكمته.

-وأنها تشبه النّعم والإحسان من بعض وجوهٍ.

-وأنها تشبه العذاب والقهر من بعض وجوهٍ.

وعلى هذا فإن الله تعالى بيّن أن من دلائل قدرته جل جلاله وحكمته رؤية البرق خوفًا من العذاب وطمعًا في الرحمة؛ فحدوث البرق دليلٌ عجيبٌ على قدرة اللّه تعالى، وبيانه: أنّ السّحاب لا شكّ أنّه جسمٌ مركب في أجزاءٍ رطبةٍ مائيّةٍ، ومن أجزاءٍ هوائيّةٍ وناريّةٍ، ولا شكّ أنّ الغالب عليه الأجزاء المائيّة والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابسٌ، وظهور الضّدّ من الضّدّ التّامّ على خلاف العقل؛ فلا بدّ من صانعٍ مختارٍ يظهر الضّدّ من الضّدّ 23.

وإن ظهور النار الضعيفة بلونها في ظل أجزاء السحاب الثقال من كثرة ما تحمل من ماء خالص لهو دليلٌ عملي على قدرة الله تعالى وحكمته، وأنه يخوّف عباده بالعذاب، ويجعلهم يطمعون في رحمته 24.

وإنشاء السحاب إبداؤه 25، وفي ذلك ظهور عظمة قدرة الرب سبحانه وتعالى بجعل السحاب مثقلة بالمياه في جو السماء، ثم سوقها وإزجاؤها حيث يشاء رحمة منه بعباده.

قال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} [الطور:44] .

والمركوم هو: المجتمع الكثيف، فالله يزجي السحاب، فيسوقه، ثم يجمعه، ثم يجعله مجتمعًا كثيفًا 26.

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور:43] .

ففي جعل الله تعالى السماء ركامًا دليلٌ عظيمٌ على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء لم يعرفوا بأن عملية الركم الناتجة عن عملية الرفع عقبها نزول المطر مباشرة إلا عن طريق الدراسة باستخدام الأجهزة العلمية المتطورة التي لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانظر كيف قال سبحانه: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} ، أي: ينزل المطر بعد الركم مباشرة كما كشف العلم الحديث، فسبحان الله العظيم 27.

وردت كلمة الرياح في القرآن الكريم عشر مرات، وفي كل مواضع ورودها كانت مرتبطةً بالسحاب سواء من خلال بيان لفظتها، أو من خلال إظهار آثارها، وتوضيح ذلك فيما يأتي:

وردت كلمة السحاب مرتبطة بتصريف الرياح في آيتين، إحداهما مكية، وهي قوله تعالى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية:5] .

والأخرى مدنية، وهي قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة:164] .

والتصريف: هو صرف الشيء من وجه إلى وجه آخر 28، قال الطبري رحمه الله تعالى: «وتصريف الله إياها أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيمًا، ويبعثها عذابًا تدمر كل شيء بأمر ربها» 29، وقال أيضًا: «وفي تصريفه الرياح لكم شمالًا مرة، وجنوبًا أخرى، وصبًّا أحيانًا، وزبورًا أخرى لمنافعكم، وقد قيل: عنى بتصريفها بالرحمة مرة، وبالعذاب أخرى 30.

قال أبو الحسن الحرالي: «لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الجانبين وإنزال الماء إهواءً ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الريح والسحاب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيرانه، من نحو صواعقه وجملة أحداثه، فكان في هذا الخطاب اكتفاءً بأصول من مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم؛ ليجعل ذلك آية على علو أمر من وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات» 31.

ويلاحظ أن الآيتين المكية والمدنية قد جاءت فاصلتهما بقوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وهذا يعني ضرورة إعمال العقل في التفكر والتأمل في آيات الله تعالى الكونية الدالة على عظيم قدرته جل جلاله، وهذا يشمل العهدين: المكي والمدني، إلا أن الآية المدنية ذكرت السحاب باعتباره مذلّلًا من الله تعالى لهذه الوظيفة، أما الآية المكية فقد ذكرت السماء التي هي أعم من السحاب؛ لأن المقام في مكة هو توجيههم للتوحيد والتخلص من الشرك، وليس إظهار دقائق الأمور، وهذه العبرة ينبغي أن يتعلمها الدعاة في مخاطبة الناس؛ فالأصل هو إيصال الناس إلى الهدف الأسمى، وهو: إخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبذلك لا يشتغلوا بتفاصيل الدعوة إلا بعد تغلغل الأصول في قلوب المدعوّين إلى الله تعالى.

ويلاحظ أيضًا أن تصريف الرياح من وجهة إلى أخرى للسحاب المكلف بإنزال الماء عذابًا أو رحمة؛ للدلالة على قدرة الله تعالى في إمهال الناس دون الغفلة عنهم، أو عن عقابهم جزاء أفعالهم.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف:57] .

وإرسال الرياح هنا، أي: بسطها بين يدي المطر، وهذا لأجل الرحمة بالعباد والبشرى لهم بالغيث الذي يحيي الأرض التي لا نبات فيها من بعد ممات 32، ومثل معنى هذه الآية ورد في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] .

قال السدي في تفسيرها: «إن الله عز وجل يرسل الرّياح، فتأتي بالسّحاب من بين الخافقين طرفا السّماء والأرض، حيث يلتقيان فيخرجه من ثمّ، ثمّ ينشره فيبسطه في السّماء كيف يشاء، ثمّ يفتح أبواب السّماء ليسيل الماء على السّحاب، ثمّ تمطر السّحاب بعد ذلك» 33.

ومن مظاهر رحمة الله تعالى وبشراه لخلقه أن الرياح لواقح للنباتات، فإذا نزل الغيث وانسكب الماء عليه بالسقاية كانت الرحمة بالعباد بإخراج ما لذّ وطاب ونفع من الثمرات، قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22] .

وقد اختلف المفسرون في لواقح الرياح، والذي يظهر من كلام ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، أن الله تعالى يبعث الرياح؛ «لتلقح السّحاب، فتحمل الماء وتمجّه في السّحاب، ثمّ إنّه يعصر السّحاب ويدرّه كما تدرّ اللّقحة، فهذا هو تفسير إلقاحها للسّحاب» 34، والرياح إذا ذكرت في القرآن الكريم في اليابسة تكون رحمة، وإذا ذكرت في البحر فهي للعذاب، وإذا ذكرت الريح في البحر تكون رحمة، وإذا ذكرت في اليابسة تكون للعذاب.

ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف:45] .

حيث مثّل القرآن الكريم هذه الحياة الدنيا بالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء فاختلط نبات الأرض بهذا الماء حتى استوى وأينعت ثماره، فإذا به يصبح متكسرًا متفتتًا تفرّقه الرياح وتطيّره، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لبيان أن الله تعالى مقتدر على كل شيء 35، والسحاب منه الموجب والسالب، وعندما يزجي بين السحاب يحدث تجاذب بين نوعيه فيحدث تفريغ هوائي ينتج عنه البرق والرعد (الصوت) ، وفي ذلك دلالة على الوحي والنبوة.

وما أجمل ما نقله القرطبي رحمه الله عن قول لبعض الحكماء في بيان الحكمة من تمثيل الدنيا بالماء، وذلك أنهم قالوا: «إنما شبه تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقي على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل، كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضارًّا مهلكًا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر» 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت