فهرس الكتاب

الصفحة 726 من 2431

ومن ذلك -أيضًا: قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم جوابًا عما اقترحه الكفار من الآيات: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] .

ففي قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّي} تعجبٌ من تعنت هؤلاء الكفار ومن ظنهم السيء في الله عز وجل، وتنزيه له عز وجل عما لا يليق به مما يصفونه به، ومن أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكه 139.

وفي هذه الآية: دليل على أن العبد المؤمن يشرع له أن يسبح الله عز وجل عند حدوث ما ينافي تنزيهه وتعظيمه، من قول أو فعل أو اعتقاد 140.

ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في موطن التعجب، قول الله عز وجل: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] .

ففي هذه الآية يؤدب الله عز وجل المؤمنين بما يجب عليهم فعله وقوله إذا سمعوا كلامًا يسيء إلى عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي عليهم أن يبادروا إليه هو إنكار هذا الكلام أشد الإنكار، وأن يزجروا أنفسهم عنه زجرًا {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} ، أي: ما يصح منا إطلاقًا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الكذب والافتراء، وعلمهم ربهم في هذا الموطن أن يسبحوه سبحانه؛ يسبحوه على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر، فقولهم في هذا الموطن: {سُبْحَانَكَ} أي: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه؛ فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو في الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة 141.

رابعًا: التسبيح عقيب الطاعات:

ومن المواطن التي يشرع فيها التسبيح أيضًا: بعيد الانتهاء من الطاعات والعبادات، كالتسبيح في أدبار الصلوات، وقد أمر الله عز وجل بذلك في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 39 - 40] .

ففي هذه الآية يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، ويأمره بأن يسبح بحمد ربه في أوقات مخصوصة خصها سبحانه، وذكر سبحانه من هذه الأوقات: أدبار السجود، وللمفسرين أقوال في المقصود بالتسبيح في أدبار السجود، ذكرها الإمام الطبري فقال: «واختلف أهل التأويل في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيه أن يسبحه أدبار السجود، فقال بعضهم: عني به الصلاة، فقالوا: وهما الركعتان اللتان يصليان بعد صلاة المغرب. وقال آخرون: عنى به التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبات، دون الصلاة بعدها. وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات» 142.

وسواء كان التسبيح المأمور به في أدبار السجود هو صلاة النوافل أم كان مطلق التسبيح؛ فالأمران يصلح أن يطلق عليما تسبيح؛ فالصلاة تسبيح، والتسبيح المطلق المعروف تسبيح، وقد جاءت السنة بالحث على التسبيح في أدبار الصلوات، وذلك في عدة أحاديث، من ذلك: ما رواه كعب ابن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (معقبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن-: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة، في دبر كل صلاة) 143.

خامسًا: التسبيح بعد النصر:

إن النصر بيد الله عز وجل، يمتن به على من يشاء من عباده، قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] .

فإذا أنعم الله عز وجل على الأمة بالنصر على أعدائها، فعليها أن تجتهد في شكر ربها على هذه النعمة العظيمة، ولقد علم الله عز وجل الأمة المؤمنة كيف تشكر ربها عز وجل عند حصول نعمة النصر، وذلك من خلال تلك السورة العظيمة التي أنزلها الله عز وجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وهي آخر سورة أنزلت كاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم -، موجهًا له كيف يقابل نعمة ربه بالنصر والفتح المبين.

قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] .

قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش، والفتح: فتح مكة {وَرَأَيْتَ النَّاسَ} من صنوف العرب وقبائلها {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} يقول: في دين الله الذي بعثك به أفواجًا، يعني: زمرًا، فوجًا فوجًا، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} يقول: فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره، على ما أنجز لك من وعده، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} يقول: وسله أن يغفر ذنوبك؛ إنه كان ذا رجوع لعبده المطيع إلى ما يحب» 144.

ومن هذه السورة الكريمة نعلم: أن من أعظم المواطن التي يشرع فيها التسبيح شكرًا لله عز وجل، موطن حصول النصر للمؤمنين.

ولقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه عز وجل فيما أمره به في هذه السورة، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم يكثر -بعد نزول هذه السورة- أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن 145.

قال النووي في شرحه لهذا الحديث: «معنى يتأول القرآن: يعمل ما أمر به في قول الله عز وجل: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام البديع في الجزالة، المستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل» 146.

سادسًا: التسبيح عند الاستواء على المركوب:

يشرع للمسلم إذا ركب مركوبًا من دابة، أو سفينة، أو سيارة، أو طائرة، أو غيرها من وسائل النقل أن يسبح الله عز وجل تسبيحًا مقرونًا بالحمد والتهليل والتكبير والاستغفار، وذلك امتثالًا لقول الله عز وجل: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 12 - 14] .

ففي هذه الآيات يذكر الله عز وجل عباده بما خلق من أصناف المخلوقات المتنوعة، ويمتن سبحانه على عباده بما جعله لهم من أنواع المراكب التي يركبونها في البحر والبر، إلى حيث قصدوا في الأرض لمعايشهم ومطالبهم، ويعلمهم ما يقولون إذا استقروا على ظهور هذه المراكب، من تسبيح الله عز وجل، وشكره على نعمه، التي منها: تسخير هذه المراكب للناس، والتي لولاه سبحانه ما أطاقوها ولا ضبطوها؛ ولكنه سبحانه من لطفه وكرمه سخرها وذللها ويسر أسبابها، وهذا معنى قوله عز وجل: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} 147.

ولقد شرع الله عز وجل تسبيحه عند الاستواء خاصة {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} ؛ لأن العبد في هذا الموطن -موطن الشعور بالانتفاع بالنعمة- يكون أدعى لشكر النعمة، وأوقع في نفسه، وأبعد ما يكون عن الغفلة عنها 148.

ولقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر الله به معلمًا الأمة كيفية الامتثال لأمر ربها عز وجل، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا، ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ... ) 149.

وفي مشروعية التسبيح عند الاستواء على ظهر المركوب شكرًا لنعمة الله عز وجل تذكير بمشروعية التسبيح عند الانتفاع بكل ما سخر الله عز وجل لنا في هذه الدنيا، فشكر النعمة واجب، ومن أعظم أوجه شكر المنعم سبحانه تسبيحه وتقديسه وتنزيهه، فسبحان الله وبحمده.

سابعًا: التسبيح عند الكرب:

فمن المواطن التي أشار القرآن الكريم إلى مشروعية التسبيح فيها أيضًا: موطن الكرب والشدة، فقد يتعرض العبد في هذه الدنيا إلى الوقوع في شدة أو كرب، يحتاج عندئذ إلى الالتجاء إلى من ينجي من الكرب، ويفرج الشدائد، و {يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] .

ولقد علمنا ربنا عز وجل ماذا نقول في مناجاتنا له سبحانه عند الكرب، وذلك من خلال ما أخبر به سبحانه من قصة ذي النون عليه السلام، عندما ناجى ربه في الظلمات.

قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87 - 88] .

فقد اشتمل دعاء ذي النون عليه السلام على التسبيح لله عز وجل، وبهذا نعلم أن التسبيح مشروع في موطن الكرب والشدة؛ ليكون فيه تضرع إلى الله عز وجل المنجي من الكرب.

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء ذي النون عليه السلام في الكرب سبب لتفريج الله عز وجل عن المكروبين، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) 150.

1.ذكر الله عز وجل التسبيح في كتابه العزيز مقيدًا بأوقات مخصوصة وأزمنة معينة، حاثًا عباده على الإكثار من تسبيحه في تلك الأوقات المباركة، ومن خلال تتبع الآيات التي ورد فيها ذلك 151 يمكن أن نجملها بما يأتي:

أولًا: التسبيح في العشي والإبكار:

ورد الأمر بالتسبيح بالعشي والإبكار موجهًا إلى نبي الله زكريا عليه السلام، وذلك في قول الله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] .

ففي هذه الآية: أمر الله عز وجل نبيه زكريا عليه السلام بأن يذكره كثيرًا، وبأن يسبحه في وقتين مخصوصين؛ وهما: العشي والإبكار 152.

والعشي: هو من حين زوال الشمس إلى أن تغيب. قال الأزهري: «ويقع العشي على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها، كل ذلك عشي، فإذا غابت الشمس فهو العشاء» 153.

وأما الإبكار فهو مصدر أبكر، بمعنى خرج ما بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى، فوقت الإبكار هو أول النهار، من الفجر إلى الضحى 154، وبذلك يكون الله عز وجل قد أمر زكريا عليه السلام بأن يكثر من التسبيح في آخر النهار وأوله.

ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في وقتي العشي والإبكار أيضًا: ما ذكره الله عز وجل عن نبيه زكريا عليه السلام، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11] .

فبعد أن أمره الله عز وجل بأن يكثر من ذكر ربه، ويداوم على تسبيحه في العشي والإبكار، خرج عليه السلام إلى قومه، وأشار إليهم بأن يسبحوا هم أيضًا في هذين الوقتين العظيمين؛ شكرًا لله عز وجل على ما أنعم عليه 155.

ومن الآيات التي فيها أمرٌ بالتسبيح في وقتي العشي والإبكار: قول الله تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] .

وهذه الآية جاءت عقب الآيات التي أخبر الله عز وجل فيها عن قصة موسى عليه السلام مع فرعون، وذكر ما تعرض له عليه السلام من شدة وأذى من فرعون وملئه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [غافر: 23 - 24] .

وذكر أخبار ذلك الرجل المؤمن الذي وقف في وجه فرعون نصرةً لموسى عليه السلام، باذلًا وسعه في هداية قومه وإرشادهم {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

جاءت هذه الآية بعد ذلك تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر تأسيًا بمن سبقه من الرسل والأنبياء، ومبشرةً له صلى الله عليه وسلم بأن {وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} سينصر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم كما نصر موسى عليه السلام، ثم أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستغفر لذنبه 156، وبأن يكثر من تسبيح ربه عز وجل وتنزيهه عند حلول الليل وعند تباكير الصباح، فإن هذا الاستغفار وذلك التسبيح خير زاد للوصول إلى السعادة، والفوز في الدنيا والآخرة 157.

قال السعدي: «أمره بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور، وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصًا {بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} اللذين هما أفضل الأوقات، وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما فيهما؛ لأن في ذلك عونًا على جميع الأمور» 158.

ومن الآيات التي ذكرت التسبيح في أول النهار وآخره: قول الله عز وجل مخبرًا عن عبده ونبيه داود عليه السلام: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: 18 - 19] .

أي: إن الله تعالى سخر الجبال تسبح مع داود عليه السلام عند إشراق الشمس وآخر النهار، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه؛ إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب؛ بل يقف في الهواء ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعًا له 159.

ويًفهم من الآية أن نبي الله داود عليه السلام كان يسبح ربه تسبيحًا خاصًا في هذين الوقتين {بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} ، وتسبح معه الجبال والطير فيهما، والإشراق الوارد في الآية: هو وقت شروق الشمس إلى وقت الضحى، وهو بذلك مرادف لوقت الإبكار الوارد في الآيات السابقة.

ثانيًا: التسبيح بكرة وأصيلًا:

ورد التسبيح في كتاب الله عز وجل مقيدًا بوقتي البكرة والأصيل في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول: قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42] .

ففي هاتين الآيتين: يأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تبارك وتعالى وبكثرة تسبيحه في الصباح والمساء؛ لما لهم في ذلك من جزيل الثواب وجميل المآب 160.

فوقت البكرة هو وقت الإبكار، وهو -كما ذكرنا- أول النهار، أما الأصيل فهو الوقت من بعد العصر إلى غروب الشمس، وهو بذلك مرادف لوقت العشي، وحدده بعض أهل اللغة بأنه آخر العشي، قال ابن فارس: «الأصيل بعد العشي» 161.

وذكر بعض المفسرين أن المقصود بالتسبيح بكرة وأصيلًا: صلاة الصبح وصلاة العصر 162، والصلاة متضمنة للتسبيح ولاشك، وذكر بعضهم أن الله عز وجل يأمر في الآية بالتسبيح في كل الأوقات، مجددًا الزمان بطرفي نهاره وليله 163.

والموضع الثاني: قول الله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8 - 9] .

ففي الآية الأولى من هاتين الآيتين: بيان للوظيفة التي كلف الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من الشهادة على الناس، وتبشير المؤمنين، وإنذار العصاة والكافرين، وفي الآية الثانية: بيان للحكمة من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أن يقوم الناس بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ويعظموا الرسول ويوقروه، ويسبحوا الله عز وجل أول النهار وآخره 164.

أما الموضع الثالث: فهو قول الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36 - 37] .

وفي هاتين الآيتين: مدح لعمار بيوت الله عز وجل، الذين يديمون التسبيح له سبحانه في بيوته في أول النهار وآخره، «وخص هذين الوقتين لشرفهما، ولتيسر السير فيهما إلى الله عز وجل وسهولته، ويدخل في ذلك التسبيح في الصلاة وغيرها؛ ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء» 165.

والمراد بالغدو الوارد في الآية: هو نفس وقت البكرة الوارد في الآيات السابقة، وهو وقت أول النهار 166.

ثالثًا: التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وآناء الليل وأطراف النهار، وأدبار السجود:

ورد التسبيح في هذه الأزمنة في ثلاثة مواضع من كتاب الله عز وجل:

الموضع الأول: قول الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .

لقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأن يصبر على ما يقوله المشركون المكذبون من أباطيل، وأمره بأن يسبح بحمد ربه في أوقات مخصوصة؛ وهي: قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، وفي ساعات الليل، وفي ساعات النهار.

وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالتسبيح في هذه الأوقات: هو الصلوات المكتوبة، فقد روى ابن أبي حاتم «عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} قال: هي الصلاة المكتوبة. وعن قتادة في قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} قال: هي صلاة الفجر، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} قال: صلاة العصر، {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} قال: صلاة المغرب والعشاء، {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} قال: صلاة الظهر» 167.

ولا يخفى أن الصلاة مشتملة على تسبيح الله عز وجل، فيكون الأمر بالتسبيح هنا مشتملًا الأمر بالصلاة والأمر بالتسبيح فيها، فيكون المعنى: «وسبح بحمد ربك في صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وفي صلاة العصر قبل غروبها، وفي صلاة العشاء في ساعات الليل، وسبح بحمد ربك أطراف النهار في صلاة الظهر -إذ وقتها طرف النصف الأول والنصف الثاني من النهار- وفي صلاة المغرب؛ كي تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به» 168.

والموضع الثاني: قول الله عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 39 - 40] .

وهاتان الآيتان مماثلتان للآية السابقة، حيث أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله المشركون، وهما أيضًا متضمنتان للأمر بالصلوات الخمس المفروضة؛ فالتسبيح قبل طلوع الشمس يشمل صلاة الفجر، والتسبيح قبل غروبها يشمل صلاة العصر، وقيل: يشمل الظهر والعصر، والتسبيح من الليل يشمل صلاتي المغرب والعشاء 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت