فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 2431

وفي المقابل فإن الله تعالى قد ذم المستكبرين، وقرر أنه لا يحب من كانت هذه صفته، فقال تعالى شأنه: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل:23] .

وعدم محبته سبحانه للشيء يعني أنه يبغضه ويكرهه، والكبر من الأمور التي يبغضها الله تعالى، ومن كان متكبرًا باء بسخط الله ووقع في بغضه، خلافًا لمن تواضع لعظمته سبحانه، فإنه يرجع بمحبة الله له ورضاه عنه.

فهذا الأسلوب في مدح المتواضعين، والثناء عليهم بنفي صفة الكبر عنهم، وبغض المستكبرين وعدم محبتهم -أسلوب من أساليب القرآن الكريم في التنفير من الكبر، والحث على التزام خلق التواضع.

وتتمة لهذا الموضوع فإنه ينبغي الإشارة إلى أن هناك مواضع في القرآن الكريم جاءت بأساليب تؤدي في فحواها معنى الكبر، وتدعو إلى التواضع، وهذه بعضها:

قوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) } [الإسراء:37] .

قوله تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان:18] .

قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) } [القيامة:31 - 33] .

ومعنى ذلك: «يتبختر ويختال في مشيته؛ افتخارًا بذلك» 56.

ذكر تعالى مقالة قوم نوح عليه السلام له حينما وعظهم وأمرهم بعبادة الله وحده واتباعه، فقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود:27] .

ولذلك رد عليهم بقوله عليه السلام: {وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود:31] .

قول المشركين في ازدراء النبي صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) } [الفرقان:41] .

فهذه جملة من الأساليب تؤدي في فحواها أو تشترك مع معنى الاستكبار، والتعبير عن الشيء الواحد بألفاظ ومصطلحات مختلفة وأساليب متعددة يشعر بأهميته وخطورته، وأنه جدير بأن يذكر فلا ينسى، ولا شك أن الكبر من الكبائر في دين الله؛ إذ هي مما يبغضه الله ولا يرضاه، ويتوعد فاعله بالعذاب الشديد.

وهكذا تتنوع أساليب القرآن الكريم في ذم الكبر والتنفير منه، واختلاف الأساليب في تقرير القضية الواحدة فيه بلا شك دلالة واضحة على بلاغة القرآن الكريم وفصاحته، وأنه تنزيل من حكيم حميد.

1.إذا صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار تبدأ المخاصمات بين الكافرين في جهنم، وتبدأ المعاتبة بين الضالين والمضلين، والسادة والرعية، والمستكبرين والمستضعفين، ويرجع بعضهم إلى بعضٍ القول، كلٌ يتهم الآخر في أنه كان سبب إضلاله وما هو فيه من العذاب.

وهناك ثلاثة مواقف عرضها القرآن الكريم من مواقف تخاصم أهل النار بين المستضعفين والمستكبرين:

الموقف الأول:

قال الله تعالى:. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) } [سبأ:31 - 33] .

في هذه الآيات «يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد؛ ولهذا قال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} .

قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا، ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} منهم وهم الأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم قادتهم وسادتهم: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي: لولا أنتم تصدونا، لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به. فقال لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الأنبياء، لشهوتكم واختياركم لذلك؛ ولهذا قالوا: {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، وتغرونا وتمنونا، وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذبٌ ومين» 57.

ولا شك أن هذا العتاب لن يجدي ولن ينفع أو يغني عن صاحبه من الله شيئًا، وقد يسر الله لهم سبيل الإيمان والعمل، ولكنهم كفروا وكذبوا، ثم جاءوا ليتخاصموا في جهنم ويلقي بعضهم اللوم على الآخر في أنه كان سببًا في إضلاله، فيندمون جميعًا حيث لا ينفع الندم.

الموقف الثاني:

قال الله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) } [إبراهيم:21] .

«في هذه الآية عرض سريع للموقف وما بعده من استقرار أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة، يقرر مبدأ الوحي والتوحيد والبعث الآخر بأدلة لا ترد.

قال تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} أي: خرجت البشرية من قبورها، مؤمنوها وكافروها، صالحوها وفاسدوها، {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ} أي: الأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} أي: الرؤساء والموجهون للناس بما لديهم من قوة وسلطان {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: أتباعًا في عقائدكم وما تدينون به، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ؟ أي: فهل يمكنكم أن ترفعوا عنا بعض العذاب بحكم تبعيتنا لكم؟ فأجابوهم بما أخبر تعالى به عنهم: {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} اعترفوا الآن أن الهداية بيد الله وأقروا بذلك، ولكنا ضللنا فأضللناكم {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا} اليوم {أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} أي: من مخرج من هذا العذاب ولا مهرب» 58.

ففي هذا الموقف نرى صورة الضعفاء مع القادة الذين استكبروا وكانوا لهم تبعًا في الدنيا، فتصور لنا الآية موقف الضعفاء وهم يستجدون الرؤساء والقادة في أن يحملوا عنهم من عذاب الله أي شيء مهما قل، ولكن هيهات هيهات، لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، وعنده من العذاب ما يكفيه، كل واحد منهم يريد أن يدفع العذاب عن نفسه، فكيف يأخذ من عذاب غيره؟! ولذلك فإن الضعفاء يطلبون المستحيل، فيرد عليهم القادة والمستكبرون بأن الله تعالى لو وفقنا إلى الإيمان به وبرسالاته لدللناكم إليه، ولكن قدر الله سبق علينا أننا كافرون، فلا مفر لنا من عذاب الله سواء أجزعنا أم صبرنا.

الموقف الثالث:

موقف المحاجة بين الضعفاء والمستكبرين من قوم فرعون.

قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) } [غافر:47 - 48] .

«الظاهر أن الضمير عائد على فرعون، وقال ابن عطية: والضمير في قوله: {يَتَحَاجُّونَ} لجميع كفار الأمم» 59.

هذا الموقف يشبه سابقه، حيث وقعت المحاجة بين المستكبرين والمستضعفين من الكفرة، وقد وقعت بينهم بينما هم في نار جهنم يعذبون. الضعفاء كعادتهم هم الذين يبدأون الحوار والمجادلة؛ لأنهم يعتقدون أن القادة المستكبرين غلبوهم في الآخرة كما غلبوهم في الدنيا، فقد غلبهم الملأ المستكبرون في الدنيا بما أغروهم به من وعودات كاذبة؛ كقولهم لهم: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12] .

فأطاعوهم واتبعوهم على الباطل، وغلبهم المستكبرون في الآخرة بأن كانوا سببًا في دخولهم النار، ولذلك يبدأون المحاجة متوسلين لهم بما وقع في الدنيا {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} تأمروننا فنطيعكم، وتكلفوننا فننفذ ما تريدون، ولا نعصي لكم أمرًا {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} كما كنتم تعدوننا في الدنيا بحمل أوزارنا وخطايانا؟! فاحملوا عنا ولو جزءًا يسيرًا من العذاب، فرد عليهم المستكبرون {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) } فلن يفيد تحملنا نصيبًا من عذابكم شيئًا؛ لأننا كلٌ في النار معذبون، وقد قضى الله تعالى وفصل بين العباد؛ أهل الجنة في الجنة ينعمون، وأهل النار في النار يعذبون.

إذن، هذه ثلاثة نماذج ضربها لنا القرآن لنأخذ منها العبرة والعظة، وهي متضمنة لحوار ومخاصمة وقعت بين المستضعفين والمستكبرين في نار جهنم، وكيف يلقي بعضهم اللوم على بعض، ويتوسل الضعفاء إلى الأكابر والرؤساء بأن يحملوا شيئًا من خطاياهم ولو قل، لكن دون جدوى، فنسأل الله تعالى السلامة.

قضى الله تعالى أن العاقبة للمتقين، والهلاك والخسران على الكافرين والمتكبرين والمجبرين، وأثبت الواقع هذه الحقيقة، ودلت الشواهد التاريخية على هذه السنة الإلهيةالجارية في هذا الكون، والقرآن حوى العديد من هذه الشواهد، وقد سبق الكلام عن استكبار بعض الأمم والأفراد في المبحث الخامس من هذا البحث، وتبينت لنا مواقف المستكبرين من الدعوات، وهاهنا نبين مشهد النهاية لهم في الدنيا والآخرة، وهذه بعض المشاهد أذكرها على سبيل المثال:

أولًا: هلاك المستكبرين من قوم نوح عليه السلام:

أخبرنا الله تعالى عن نوح عليه السلام وقومه؛ حيث أرسله لينذر قومه من قبل أن يأتهم عذاب الله، فأمرهم أن يعبدوا الله ويتقوه، ويطيعوه عليه السلام فيما يبين لهم من شرائع الأحكام وسنن الهدى، ولم يدع عليه السلام وقتًا من الأوقات إلا ودعاهم فيه إلى الله؛ ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، لكن قومه أبوا وأصروا على كفرهم وعنادهم واستكبروًا استكبارًا، كما أخبرنا عن ذلك القرآن الكريم، فقال تعالى شأنه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) } [نوح:5 - 9] .

فهل بعد هذا الكبرياء كبرياء؟! وهل هناك تمرد وعتو عن الطاعة بعد هذا التمرد والعتو؟! لقد مكث نوح عليه السلام يدعو قومه مئات السنين، فما آمن معه إلا قليل، ولذلك عاجلتهم عقوبة الله، ونزل بهم عذابه ونقمته.

قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) } [الأعراف:64] .

هذا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

قال تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) } [نوح:25] .

قال الإمام السمرقندي: « {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} يعني: بشركهم بالله تعالى أغرقوا في الدنيا {فَأُدْخِلُوا نَارًا} في الآخرة» 60.

فنالوا بكفرهم واستكبارهم عن الحق عذابي الدنيا والآخرة؛ فعذبهم الله تعالى بالغرق في الدنيا، وسيعذبون يوم القيامة في جهنم، هذا مصيرهم لكفرهم واستكبارهم.

ثانيًا: هلاك المستكبرين من قوم صالح عليه السلام:

أرسل الله تعالى إلى ثمود نبيه صالح عليه السلام، مبلغًا ومرشدًا ونذيرًا، فأما الملأ المستكبرون من قومه فقد كان موقفهم من الدعوة موقف عداء ومعاندة، فعتوا عن أمر ربهم وعصوا رسله.

قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) } [الأعراف:76 - 79] .

فأخبر الله تعالى أنه أنزل عليهم عذابه بسبب استكبارهم وعنادهم وعتوهم، فأخذهم بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، «وأخذ الرجفة: إهلاكها إياهم وإحاطتها بهم إحاطة الآخذ. ولا شك أن الله نجى صالحًا عليه السلام والذين آمنوا معه ... والجاثم: المكب على صدره في الأرض مع قبض ساقيه كما يجثو الأرنب ... والمعنى أنهم أصبحوا جثثا هامدة ميتة على أبشع منظر لميت» 61.

ثالثًا: هلاك المستكبرين من قوم هود عليه السلام:

بعث الله تعالى هودًا إلى قومه ليبلغهم رسالته ويعلمهم أمور دينهم، وجاءهم بآية بينة، فآمن معه فريق من قومه وكفر آخرون، فأما الكافرون فقد استكبروا في الأرض بغير الحق، وعتوا عن أمر ربهم وعصوا رسوله، وغرتهم قوتهم فلم تغن عنهم من الله شيئًا، فكان استكبارهم ورفضهم دعوة الله سببًا في نزول عذاب الله عز وجل عليهم في الدنيا، وخلودهم في نار جهنم في الآخرة. وقد أخبرنا الله تعالى عن حالهم عند رفضهم دين الله وتكذيب رسله.

فقال عز وجل: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:15 - 16] .

فأخبر تعالى أنه أنزل بهم عذابه في الدنيا بسبب استكبارهم في الأرض بغير الحق، فأرسل عليهم ريحًا صرصرًا تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، إذلالًا لهم وإلحاق الخزي بهم في الدنيا، فلم تنفعهم قوتهم التي قد اغتروا بها، ولعذاب الآخرة أشد إيلامًا وأخزى.

رابعًا: هلاك المستكبرين من قوم شعيب عليه السلام:

قوم شعيب عليه السلام هم أهل مدين الذي أرسل إليهم مبلغًا ومرشدًا، لكن المستكبرين من قومه رفضوا دعوة الله، واستكبروا عن عبادته والخضوع لأمره، وهموا بإخراج رسولهم والذين آمنوا معه بغيًا وعدوًا، واستهزأوا به وسخروا منه، ثم بالغوا في العناد والاستكبار فطلبوا منه أن يسقط عليهم كسفًا من السماء إن كان صادقًا في ادعائه الرسالة، فقالوا كما أخبر عنهم القرآن: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) } [الأعراف:88] .

وقال في موضع آخر: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود:87] .

قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، وقال أيضًا عنهم: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء:187] .

وهذا يدل على شدة كفرهم وعنادهم وعتوهم، لذا استحقوا عذاب الله تعالى، فأنزل عليهم سخطه وعذابه، فأصبحوا جثثًا هامدة بلا حراك، ونجى الله نبيه والذين آمنوا معه.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) } [هود:94] .

وقال أيضًا: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) } [الشعراء:189] .

قال ابن كثير: « {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا من جنس ما سألوا، من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله، سبحانه وتعالى، جعل عقوبتهم أن أصابهم حر شديد جدًا مدة سبعة أيام لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار، ولهبًا ووهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم؛ ولهذا قال: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} » 62.

فهذا مصير كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، فيهلكهم في الدنيا، ويعذبهم في الآخرة، وأما المؤمنون وأتباع الرسل عليهم السلام فينجيهم الله من عذاب الدنيا والآخرة، وهذه سنة الله في الكون، لا محيد عنها ولا محيص، تقررت في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) } [النساء:173] .

وتقررت هذه السنة الإلهية في قوله تعالى كذلك: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) } [الجاثية:29 - 31] .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) } [الأعراف:40 - 42] .

فالعاقبة للمتقين، إنها سنة الله الحتمية، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت