وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصبح إبليس بث جنوده، فيقول: من أضل اليوم مسلما ألبسته التاج، فيجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى عق والده، فقال: يوشك أن يبره، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: يوشك أن يتزوج، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى أشرك فيقول: أنت أنت، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويلبسه التاج) 105.
إن المسلم إذا اتبع خطوات الشيطان وقع في تلك المهلكات الموبقات، وإن المجتمع المسلم متى اتبع نزغات الشيطان تشققت وحدته، وتصدع صفه، وخارت قوته، واشتغل أفراده بخصومات أشعلها الشيطان الرجيم بينهم.
لذا فإن من أخطر العوائق في طريق تحقيق وحدة الأمة الإسلامية السماح للشيطان أن يوقع بيننا، وأن يشعل فتيل الفتنة المهلكة بين أفراد أمتنا، ومتى أرادت الأمة العودة إلى وحدتها التي كانت عليها في عصورها الأولى فعليها أن تغلق الباب في وجه الشيطان، وأن تفوت عليه الفرصة في التحريش بين المؤمنين، ولو عقل المؤمنون ذلك لزالت كثير من الخصومات والنزاعات التي بينهم.
لقد أرشدنا الله عز وجل إلى كيفية تفويت الفرص على الشيطان الذي يبغي الفساد بيننا، وذلك بالالتجاء إلى الله عز وجل، والاستعاذة به سبحانه من ذلك الرجيم.
قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] .
فمتى تعرض للعبد من الشيطان وسوسة تثير غضبه، وتحمله على خلاف ما أمره الله؛ فليستعذ بالله، وليلتجئ إلى حماه؛ فإنه سبحانه هو السميع لدعائه، العليم بكل أحواله، القادر على دفع كيد الشيطان عنه، فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذي يحميهم من وسوسة الشيطان وكيده، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شيء، العليم بكل شيء، القادر على كل شيء 106.
وبين لنا ربنا سبحانه أمرًا آخر علينا العمل به لتفويت الفرصة على الشيطان الرجيم، وذلك في قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] .
حيث أمرنا سبحانه بأن نتأدب في قولنا وفعلنا، وأن نلين في مخاطبتنا، ولا يخرج منا إلا الكلام الحسن، ففي ذلك حفاظ على المودة بين المؤمنين، وتفويت لغاية الشيطان الرجيم 107.
قال ابن عاشور: «جملة {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} تعليل للأمر بقول التي هي أحسن، والمقصود من التعليل أن لا يستخفوا بفاسد الأقوال؛ فإنها تثير مفاسد من عمل الشيطان، ولما كان ضمير {بَيْنَهُمْ} عائدا إلى عبادي كان المعنى التحذير من إلقاء الشيطان العداوة بين المؤمنين، تحقيقًا لمقصد الشريعة من بث الأخوة الإسلامية» 108.
ثانيًا: التنازع والاختلاف:
لا شك أن التنازع والاختلاف من أهم عوائق وحدة الأمة الإسلامية، إذ كيف تتوحد الأمة وأفرادها متنازعون مختلفون؟! وكيف يكون لهم كيان موحد متماسك إذا كانت قلوبهم مختلفة؟! وهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى دليل ولا برهان.
إن الرعيل الأول من هذه الأمة كانوا على المنهج الذي جعله الله عز وجل لهم، كانوا متحدين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كانت لهم قلوب متآلفة، ولم يكن بينهم نزاع ولا شقاق، فأقاموا أمةً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، ومسلمو اليوم ابتعدوا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وتنافرت قلوبهم، ودب الخلاف بينهم، وتشتتوا إلى دويلات وأحزاب وجماعات، لا تكاد جماعة منهم تتفق مع أختها، وانشغل كل حزب بنفسه، وأصبحت وحدة الأمة الإسلامية حلمًا يتمناه كل مسلم؛ لكنه يراه بعيد المنال، بعد أن كان أمرًا واقعًا.
إن الله عز وجل قد حذر هذه الأمة من الاختلاف والنزاع، وبين لها العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك؛ كي تحذر الأمة وتتجنب كل ما يؤدي إلى الاختلاف بين أفرادها.
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .
فأمر سبحانه في هذه الآية بطاعته وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك تجنب للنزاع والخلاف، ثم نهى سبحانه عن التنازع تأكيدًا على بيان خطره وشره، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} نهاهم سبحانه أن يتنازعوا فيما بينهم فيختلفوا فيكون ذلك سببًا لتخاذلهم وفشلهم وذهاب قوتهم ووحدتهم، وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والبربر وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة 109.
ولقد سبق الحديث عن نهي القرآن الكريم عن الاختلاف والفرقة والتنازع، وإنما أشرنا إليه هنا لبيان أن التنازع والاختلاف هو أخطر ما يهدد وحدة المسلمين واجتماعهم.
ثالثًا: اتباع الهوى:
إن الخلاف والتنازع إذا وقع بين المسلمين فليس شرطًا أن يكون عائقًا أمام وحدتهم، لأنهم إن ردوا ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يبق خلاف ولا نزاع؛ ولكن المشكلة تكبر وتعظم إذا كان هذا الاختلاف ناتج عن اتباع الهوى، وصاحب الهوى يرفض الحق، ولا يتحاكم إلى كتاب أو سنة؛ «فإن الهوى يعمى ويصم، وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده» 110.
لذلك حذرنا القرآن الكريم من اتباع الهوى تحذيرًا شديدًا، وبين لنا أن اتباع الهوى يبعد الإنسان عن العدل؛ فالعدل والهوى لا يجتمعان أبدًا.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] .
ففي هذه الآية أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط والعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأمرهم سبحانه أن يؤدوا الشهادة ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، وأمرهم أن يؤدوها ولو عاد ضررها على الشاهد أو على والديه أو على قرابته؛ فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه، وإن الحق حاكم على كل أحد 111.
وقوله تعالى: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى} أي: «فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل؛ فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم» 112.
إن اتباع الهوى مهلك ومضل، يحمل صاحبه على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، وعلى غير ذلك من الظلم وتجاوز الحدود.
قال الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] 113.
لقد بين ربنا سبحانه أن من عدل عن الحق واتبع هواه فهو أضل الناس، وفي ذلك تحذير شديد من اتباع الهوى بغير علم.
قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50] .
يخبر سبحانه في الآية عمن ترك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وما معه من الحق، وأصر على اتباع هواه من غير علم ولا هدى، «فهذا من أضل الناس؛ حيث عرض عليه الهدى، والصراط المستقيم، الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا وصفه؟» 114.
قال الألوسي: « {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ} استفهام إنكاري للنفي، أي لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؛ لأن من فعل ذلك فهو أضل من كل ضال» 115.
إن صاحب الهوى لا حاكم له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فلا يسمع لكلام داعية ولا قائد ولا عالم إلا ما وافق هواه، تراه معتزلًا كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى منه سبيلًا، مقربًا لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما وافق هواه، وهذا الصنف من الناس لا يبقي للمسلمين وحدة، ولا يترك لهم اجتماعًا.
لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من طائفة من الناس قد اتبعوا أهواءهم، فمزقوا وحدة الأمة، واستباحوا دماء إخوانهم وأموالهم، إنهم الخوارج، الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، فعن عبيد الله بن أبى رافع رضي الله عنه أن الحرورية (أهل بلد قرب الكوفة تسمى حروراء) لما خرجت على علي بن أبى طالب رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسًا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء (يقولون الحق بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله عز وجل إليه) 116.
إن هؤلاء الخارجين عن طاعة الإمام يرون خروجهم على إمام المسلمين علي رضي الله عنه بتأويل فاسد لآيات ثابتة وصريحة في كتاب الله، إنهم يزعمون بإعلانهم (لا حكم إلا لله) أنهم المنحازون لحكم الله، والإمام خارج عليه؛ قلبًا للحقيقة وتبريرًا لخروجهم، وهذا كله بسب اتباعهم لهواهم، ورفضهم للحق.
إن من اتبع هواه - من فرق أو أحزاب أو جماعات أو أفراد - يشق عصا المسلمين، ويكون عائقًا أمام وحدتهم؛ لأنه لا ينقاد إلى ما توحد المسلمون عليه من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الخطورة، وأصحاب الأهواء يعملون على إحداث الفتن داخل الأمة، وإثارة الشبهات، وكثرة المنازعات، مما يؤدي إلى تبديد القوى، وإنهاك الطاقات، وتشتيت الجهود، وذلك طريق الفشل الذي منيت به الأمة الإسلامية، ولا يمكن أن تتوحد أمة المسلمين اليوم إذا ما تمسك كل فريق بهواه، وأبى أن ينزل على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بد من تحاكم الجميع إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم إذا ما أردنا أن تعود للأمة وحدتها المباركة.
وهذا لن يكون إلا بجهود العلماء والعقلاء من كل فرقة من فرق المسلمين، يجتمع هؤلاء العلماء القادة لفرقهم وطوائفهم يتحاورون ويتناصحون ويتباحثون في نقاط الخلاف التي بينهم، ويجتهدوا في الوصول إلى الحق الذي ينصاع إليه الجميع، ولو أخلصوا في عملهم هذا وقصدوا به وجه الله عز وجل لوفقهم الله عز وجل، وجمع كلمتهم على الحق المبين، ومن أصر بعد ذلك على هواه فعلى المسلمين أن يأخذوا على يديه، ولا يتركوه ليهلك ويهلك المسلمين معه.
رابعًا: الإعجاب بالرأي:
بالإضافة إلى العوائق السابقة في طريق وحدة الأمة الإسلامية، هناك عائق آخر لا ينبغي أن يغفل عنه؛ فهو خطير أيضًا، وبوجوده يصعب حصول الوحدة المنشودة، إنه الإعجاب بالرأي، وذلك بأن تأخذ كل فرقة أو جماعة من المسلمين برأي معين تستحسنه وتتمسك به، تظن أنه الحق، وأن الحق معها دون غيرها، ومن خالفها فهو على خطأ؛ بل ربما يصل الأمر عند بعضهم لأن يتجرأ ويخرج غيره ممن لم يوافق رأيه من دائرة الإسلام.
إن الإعجاب بالرأي مثله مثل اتباع الهوى؛ كلاهما يحجب صاحبه عن قبول الحق، وكلاهما يسهم في شق الصف، وإحداث الفرقة، وإعاقة الوحدة، فأنى لمن أعجب برأيه وتعصب له أن يستمع لغيره؟ فضلًا عن أن يتنازل له.
لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإعجاب بالرأي والنفس، فعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات؛ فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) 117.
إن أمة الإسلام إن أرادت أن تحقق ما أراد لها ربها عز وجل من توحدٍ واجتماعٍ واعتصامٍ، إن أرادت أن تعيد وحدتها المباركة، فلا بد لها من تجاوز كل هذه العقبات والمعوقات، وهذا أمر واجب على جميع أفراد الأمة، على الجميع أن يبذلوا الجهود، ويضحوا بالمصالح الخاصة من أجل المصلحة العامة.
فعلى العلماء والدعاة أن يوعوا المسلمين بأهمية وحدة أمتهم، وأن يرشدوهم إلى دورهم في تحقيق هذه الوحدة، وعليهم أن يتحاوروا فيما بينهم، وينصح بعضهم بعضًا، ويكون الحكم بينهم إذا ما اختلفوا في شيء إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وعلى أولي الأمر أن يتحاوروا معًا، وأن يتصفوا بالشجاعة والقوة، فيمد أحدهم يده إلى إخوانه، ويبادر إلى إزالة ما بينه وبين جيرانه المسلمين من حدود وجدر وضعها الأعداء بيننا، ولتتلاقى الشعوب المسلمة، ولتتقاسم لقمة العيش فيما بينها، ولتستغن عن عدوها، والله معها، {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] .
إن وحدة الأمة ليست حلمًا بعيد المنال، وليست مجرد أمنية يتمناها المسلمون ولا يجدون لها أثرًا على أرض الواقع؛ بل هي فريضة شرعية، المسلمون قادرون على تحقيقها، عندما تصدق نيتهم، وتكتمل صحوتهم، وسيحدث ذلك بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز.
إن لوحدة المسلمين ثمارًا عظيمة، ومنافع جسيمة؛ بل إن وحدتهم كلها منافع وثمار، كلها خير وفائدة، ولا يمكن أن تحصر ثمار الوحدة في وريقات قليلة أو صفحات معدودة؛ لأن من ثمار الوحدة ما لا يمكن أن يعبر عنه بالكلمات؛ ولكنه يلمس في الطيبات التي يجنيها المسلمون في ظل وحدتهم.
وقبل أن نقف على أهم ثمار الوحدة علينا أن نسأل أنفسنا: ما هي الأضرار التي أصابت المسلمين بسبب فرقتهم وتنازعهم؟ فعندما نقف على عظيم تلك الأضرار نعلم علم اليقين ما في الوحدة والاجتماع من ثمار وفوائد.
أليس المسلمون اليوم - بسبب فرقتهم - في غاية الضعف والهوان؟ أليست دماؤهم مستباحة؟ أليست أعراضهم منتهكة؟ أليست ثرواتهم مسلوبة؟ أليست مقدساتهم أسيرة مدنسة؟ هل يحسب للمسلمين حساب؟ هل يقام لهم وزن أم يجعل لهم اعتبار؟ هل يستطيع المسلمون أن ينشروا دين الله أو أن يبلغوا رسالة الأنبياء؟
هذا حال المسلمين عند فرقتهم، وهذا كله يزول عند وحدتهم واجتماعهم.
وإن من أعظم ثمار الوحدة ما يأتي:
1.الفوز برضوان الله عز وجل ونيل ثوابه بالتزام طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالله سبحانه هو الذي أمرنا بالوحدة (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ?) [آل عمران: 103] .وهو سبحانه الذي وصف أمتنا بالأمة الواحدة (وَإِنَّ هَ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون: 52] .ورسوله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نكون جسدًا واحدًا (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 118.
2.حصول القوة والهيبة والمنعة لأمة الإسلام، فبالوحدة تقوى شوكة المسلمين نفسيًا وماليًا وعسكريًا وسياسيًا، وإذا قويت الأمة بتوحدها هابها أعداؤها، وحسبوا لها ألف حساب، وبدلًا من أن تكون بلاد المسلمين قصعة تنالها الأيدي من كل حدب وصوب، تصبح كلمتها مسموعة، ومواقفها مهابة، يبادر الجميع لكسب ودها، وتسارع الأمم لنيل رضاها، وبذلك تستعيد الأمة كيانها المسلوب، وتأخذ حقوقها المنهوبة. إن العقلاء من كل ملة وأمة في القديم والحديث اتفقوا على أن الوحدة سبيل العزة والنصرة، وإن التاريخ يشهد أن من أهم أسباب سقوط الدول على اختلاف عقائدها ومللها التفرق والاختلاف، فالخلافة العباسية - مثلًا - سقطت بعد أن تفرقت الدول الإسلامية في ذلك الوقت، فنشأت دويلات الشام، والمماليك، ولم يبق للخلافة العباسية إلا دويلات متفرقة متناثرة من العالم الإسلامي، فلما زحف المغول إلى بغداد لم يقف في وجه زحفهم غير أهل بغداد فقط، فأعمل المغول فيهم القتل. وسقطت الدولة الإسلامية في الأندلس بعد أن أصبحت دويلات متفرقة متناحرة، ولم تسقط الدولة العثمانية إلا بعد أن تمزق جسدها إلى أشلاء متناثرة، وبعد أن أغرى الصليبيون الجدد بعض زعماء المسلمين بالانفصال عنها، وأحسنوا إتقان العمل بقاعدة: فرق تسد، وهاهو العالم الإسلامي اليوم منقسم إلى دويلات متناحرة، تعيش على هامش التاريخ، وتتجرع ألوان الهوان.
3.بالوحدة يقام شرع الله، وتقام حدوده، ويعلن الجهاد، وتجمع الزكوات، ويكون للمسلمين خليفة واحد هو أميرهم وإمامهم وقائدهم إلى العزة في الدنيا، والفوز يوم القيامة.
4.بالوحدة يرفع الظلم عن المظلومين، ويؤخذ على أيدي الظالمين، وتصان الحقوق، وينتشر العدل، ويحارب من يحاول العبث بأمن المسلمين.
5.المسلمون بوحدتهم يغيظون أعداءهم، ويرهبونهم، وقد قال الله عز وجل (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) [آل عمران: 120] .روى الطبري بسنده عن قتادة: «إذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به» 119.
6.وحدة المسلمين فيها نفع ورحمة للعالمين جميعًا؛ إذ بوحدة المسلمين يرى الناس جمال الدين، ورفعة أخلاقه، وصورته المشرقة؛ فيرغبون في الدخول فيه أفواجًا.
موضوعات ذات صلة:
الاجتماع، الاختلاف، الأمة، السياسة، الضعف، العنصرية، الوهن
1 مقاييس اللغة 6/ 90.
2 انظر: لسان العرب، ابن منظور 6/ 4780، مختار الصحاح، الرازي ص 740.
3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 494، التوقيف على مهامات التعاريف، المناوي ص 720.
4 انظر: وحدة الأمة الإسلامية في السنة النبوية، أحمد عمر هاشم ص 7.
5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 745، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص 1404.
6 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/ 90، تاج العروس، مرتضى الزبيدي، 9/ 274، مقاصد القرآن في السبع المثاني، أم سلمى محمد صالح، ص 304.
7 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 479، لسان العرب، ابن منظور 8/ 53.
8 انظر: تاج العروس، الزبيدي 9/ 205، لسان العرب، ابن منظور 3/ 418.
9 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 569.
10 المخصص، ابن سيده 3/ 360.
11 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 918.
12 انظر: جامع البيان، الطبري 7/ 512.
13 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 574.
14 انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 3/ 20.
15 في ظلال القرآن 1/ 574.
16 التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 261.
17 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 23489.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 6/ 199، رقم 2700.
18 انظر: جامع البيان، الطبري 4/ 275، لباب التأويل، الخازن 1/ 200.
19 جامع البيان 4/ 280.
20 انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 4/ 184.
21 التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص 277.
22 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 392.
23 الجامع لأحكام القرآن 9/ 115.
24 انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري 3/ 440.
25 انظر: هموم الأمة الإسلامية، محمود حمدي زقزوق ص 71.
26 جامع البيان 7/ 70.