أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الزاء والياء والنون: أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه» 1، و «الزينة بالكسر: ما يتزين به» 2، وفي التهذيب: «اسمٌ جامع لكل شيء يتزين به» 3، و «الزّين: خلاف الشّين، وجمعه أزيانٌ» 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
أما في الاصطلاح فقال ابن الجوزي: «الزّينة: ما يحصل به التحسين للشّيء حتّى تتوق النّفس إليه بالشهوة» 5.
ويقال: «الزينة: تحسين الشيء بغيره؛ من لبسة أو حلية أو هيئة» 6.
ويقول ابن عاشور: «الزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسرًّا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد» 7.
وردت مادة (زين) في القرآن الكريم (46) مرة 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 26 ... {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [فصلت:12]
الفعل المضارع ... 1 ... {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر:39]
اسم المصدر ... 19 ... {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46]
وجاءت الزينة في القرآن على وجهين 9:
الأول: ما يتزيّن به، ويشمل الملابس والحلي وغيرها: ومنه قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .
الثاني: التحسين والتجميل: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5] .
الريش:
الريش لغة:
كسوة الطائر الواحدة ريشة واللباس الفاخر والحالة الجميلة، والجمع أرياش ورياش. الريش والرياش: ما ظهر من اللباس 10.
الريش اصطلاحًا:
قال ابن عاشور: «والريش: لباس الزينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطير لأنه زينته، ويقال للباس الزينة رياش» 11.
العلاقة بين الريش والزينة:
الريش جزء من الزينة التي يتزين بها، فالزينة: اسمٌ جامع لكل شيء يتزين به.
الزخرف:
الزخرف لغة:
الزينة، فكل زينة زخرف، يقال: زخرف البيت زخرفة، أي: زينه وأكمله. وكل ما زين، فقد زخرف 12.
ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] .
قال الزجاج: «الزخرف: الزينة، والمعنى أن بعضهم يزيّن لبعضٍ الأعمال القبيحة» 13.
الزخرف اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، الذي هو الزينة وكمال حسن الشيء 14.
العلاقة بين الزخرف والزينة:
زخرف هو حالة اكتمال الزينة وتمامها، وأما الزينة فهي أعم من ذلك.
«من بديع حكمة الله في خلقه: أنه ألبس مطالب الحياة أثواب مطالب الشهوات، لتكون هذه الشهوات بمثابة المحرّض الذاتي على تناول حاجات الجسد، التي تمدّه بالبقاء إلى أمده المقدّر له، أو على ممارسة الغرائز التي تمد النوع بالتكاثر والبقاء، إلى الأمد المقدّر لبقاء النوع، أو لبقاء الحياة على هذه الأرض، أو على السعي لتحقيق حاجاتٍ نفسيّة ترتبط بها مصلحةٌ من المصالح الإنسانية الفردية أو الجماعية.
ولقد أبدع القرآن أيما إبداع؛ إذ اختار لفظة «الزينة» للتعبير عن الخصائص التي أودعها الله في الأشياء، ليكون فيها ملاءمةٌ وجذب للغرائز والطبائع التي فطر الله الأنفس عليها، وتلك نعمةٌ كريمة من نعم الله في الحياة، ولو أن حاجات الحياة مرتبطة بأشياء لا زينة فيها، فلا ملاءمة بينها وبين شهوات الأنفس وغرائزها وطبائعها؛ لكان السعي لاستمرار الحياة مشكلةٌ قد تستعصي على الحل!» 15.
سنحاول في النقاط الآتية التأمل في أنواع الزينة في القرآن الكريم بشيء من التفصيل بعون الله تعالى.
أولًا: زينة الكون:
إن الله سبحانه هو أحسن الخالقين، خلق هذا الكون فأبدع خلقه، وزينه وأتقن صنعه، وجعله كالبيت الواحد؛ فالسماء سقفه المحفوظ، والأرض فرشه الممهود، والجبال جدرانه الراسيات، وخلق فيه كل ما تحتاجه المخلوقات في ذلك البيت: من الماء والنبات وأنواع المشروبات والمطعومات، والأعظم من هذا والأجل: أن الله سبحانه خلق كل ذلك في أحسن صورة، وأجمل منظر، وأبدع شكل، فيه من الزخرف والزينة ما عجزت فصاحة البشر أن تفصح عنه، وبلاغتهم أن تبلغ وصفه!
قال الله سبحانه ممتنًا على عباده: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً} [الكهف:7] .
«قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: «ما عليها» يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها، من زخارف الدنيا وما يستحسن منها» 16.
وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص، وعلى هذا القول فكل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.
فمن أنواع البيان المذكورة في القرآن الكريم: أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) } [الحج:32] .
مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36] الآية.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً} قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .
وقوله: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } [النحل:8] .
إلى غير ذلك من الآيات» 17.
وطوّف الله تعالى بنا في آيات بديعات لنتأمل زينة هذا الكون، وبديع إتقان الله له، فقال في معرض ردّه على المكذبين بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) } [ق:6 - 11] .
«إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه، أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار؟ وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا، مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال، ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج» 18.
وعن بديع لون السماء يقول الرازي رحمه الله: «تفكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير؛ فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية له، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى الزرقة، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم السماء ملونًا بهذا اللون الأزرق، لتنتفع به الأبصار الناظرة إليها، فهو سبحانه وتعالى جعل لونها أنفع الألوان، وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال، وهو المستدير» 19.
ثم قال الحق تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} «وكذلك الأرض صفحةٌ من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس، الجميل البهيج، فالامتداد في الأرض، والرواسي الثابتات، والبهجة في النبات؛ تمثّل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال، التي وجّه النظر إليها في السماء.
وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة، والأرض الممدودة الراسية البهيجة؛ يلمس قلوب أولئك المكذبين، ويوجهها إلى جانبٍ من حكمة الخلق، ومن عرض صفحات الكون: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصيرة، وتفتح القلوب، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب، وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب .. تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب، يرجع إلى ربه من قريب ...
إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح، الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زادًا من الحق، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق» 20.
إن إخبار الله تعالى بمنته على خلقه بهذا الكون المزيّن البديع «يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله؛ إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف، والامتنان بمثل هذا كثير، مثل قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) } [النحل:6] .
وقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران:14] .
ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثةٌ فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها، وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها، وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاصٌ أخرى من نوعها، فيتضمن هذا امتنانًا ببث الحياة في الموجودات الأرضية.
ومن لوازم هذه الزينة: أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها، وتسبر غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم، فمن موفٍ بحق الشكر، ومقصّر فيه، وجاحدٍ كافرٍ بنعمة هذا المنعم؛ ناسبٍ إياها إلى غير موجدها!
ومن لوازمها أيضًا: أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها، فتستثار من ذلك مختلف الكيفيات في تناولها، وتعارض الشهوات في الاستيثار بها، مما يفضي إلى تغالب الناس بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم، ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة بقوله: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7] » 21، «وتحقيق معنى كونها ابتلاء: أن الله تعالى يختبر بها:
-طالبها ما يقصد منها؟
-وواجدها أيشكر المنعم عليه بها إذا استعملها، ويقف عند الحد المشروع فيها، وماذا يقصد وينوي بترك ما يتركه منها؟
-وفاقدها أيصبر على فقدها، أم يكون ساخطًا على ربه، وحاسدًا لأهلها؟» 22.
ولو أردنا استقصاء كلّ زينةٍ لله سبحانه وتعالى في هذا الكون لتطلب منا ذلك كتبًا مستقلة! وهي موجودة ولله الحمد لمن أراد مزيد علم في هذا الباب، لكنا اقتصرنا هنا على ما يناسب هذا البحث؛ فذكرنا أمثلة تدل على ما وراءها.
ثانيًا: زينة بني آدم:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4] .
وامتن عليه سبحانه فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر:64] .
فـ «جعلهم أحسن الحيوان كلّه وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال عز وجل: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4] .
فإن قلت: فكم من دميمٍ مشوّه الصورة!
قلت: الحسن كغيره من المعاني؛ على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بيّنًا وإضافتها إلى الموفى عليها؛ لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه، ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها، ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها، فينبو -ينصرف- عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها، وتهالكك عليها! وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان» 23.
«وإن شئت فتأمل عضوًا واحدًا من أعضاء الإنسان، وهو العين:
فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة، ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر! وليكن هذا المثال الواحد أنموذجًا لك في هذا الباب» 24.
ثم كمّل الله هذا الإنسان بزينة خارجة عن ذاته، ويهمّنا هنا أن ندرس ما ذكره القرآن الكريم من تلك الزينة، وعند البحث في القرآن، نجد أنه ذكر أنواعًا من الزينة لبني آدم، منها:
1.زينة اللباس.
قال الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) } [الأعراف:26] «فالزينة (الإنسانية) هي زينة الستر، بينما الزينة (الحيوانية) هي زينة العري، ولكن (الآدميين) في هذا الزمان يرتدّون إلى رجعية جاهلية! تردهم إلى عالم البهيمة، فلا يتذكرون نعمة الله بحفظ إنسانيتهم وصيانتها!» 25.
قال عبد الرحمن بن أسلم: «يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى» 26.
فجمعت هذه الآية بين الزينتين: الحسية {لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} ، والمعنوية: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} ، «فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه ... والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم! وفي تمكينهم منه بما يسّر لهم من الوسائل: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} » 27.
«والمراد بإنزال ما ذكر: أن الله تعالى خلق لبني آدم مادّته من القطن والصوف والوبر وريش الطير والحرير وغيرها، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) } [النحل:80 - 81] .
وعلّمهم بما خلق لهم من الغرائز والقوى والأعضاء وسائل صنع اللباس منها كالزراعة والغزل والنسج والخياطة، كما قال جل وعلا: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) } [الأنبياء:79 - 80] .
وإن مننه تعالى بهذه الصناعات على أهل هذا العصر أضعاف مننه على المتقدمين من شعوب بني آدم؛ فيجب أن يكون شكرهم له أعظم» 28.
ثم قال رشيد رضا: «فقد بلغ من إتقان صناعات اللباس: أن عاهل ألمانية الأخير (قيصرها) دخل مرة أحد معامل الثياب ليشاهد ما وصلت إليه من الإتقان؛ فجزّوا أمامه عند دخوله صوف بعض أكباش الغنم، ولما انتهى من التجوال في المعمل ومشاهدة أنواع العمل فيه وأراد الخروج؛ قدّموا له معطفًا ليلبسه تذكارًا لهذه الزيارة، وأخبروه أنه صنع من الصوف الذي جزوه أمامه عند دخوله! فهم قد نظفوه في الآلات المنظفة فغزلوه بآلات الغزل، فنسجوه بآلات النسج، ففصلوه فخاطوه في تلك الفترة القصيرة، فانتقل في ساعة أو ساعتين من ظهر الخروف إلى ظهر الإمبراطور» ! 29.
2.زينة النساء.
ولعلهن من أعظم زينة بني آدم، فهي إن كانت أمًّا فهي زينة بحنانها وعطفها ورحمتها، وإن كانت بنتًا فهي زينة كونها نعمة يسعى لها كل والدين، وزينة بدلالها لوالديها وتحببها لهما، والتهائهما بها، وإن كانت زوجة فهي زينة بجمالها وحبها ومشاعرها وسكون الزوج إليها، قال الحق سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ... } [آل عمران:14] .
قال ابن عاشور: «وتعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المزين للناس هو الشهوات، أي المشتهيات نفسها، لا حبها، فإذا زينت لهم أحبوها، فإن الحب ينشأ عن الاستحسان، وليس الحب بمزين، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال: زينت للناس الشهوات فأحبوها ... » 30.
وقال ابن عطية: «وإذا قيل: زيّن الله، فمعناه: بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلّة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل: زين الشيطان، فمعناه: بالوسوسة والخديعة، وتحسين أخذها من غير وجوهها، والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين» 31.
«وأخّر ذكر الذهب والفضة عن النساء والبنين، لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال، فإن الطبع يحث على بذل المال فيحصل النكاح، والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبلية، والبنون أقعد من الأموال، والذهب أقعد من الفضة، والفضة أقعد من الأنعام، إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم، فلما صدّرت الآية بذكر الحب، وكان المحبوب مختلف المراتب، اقتضت حكمة الترتيب أن يقدّم ما هو الأهم فالأهم في رتبة المحبوبات» 32.
3.زينة البنين.
قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .
وأنه من زينة بني آدم قال سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران:14] .
«وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض، وما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه، أو يقيم له في نظره وزنًا» 33.
وقد جعلهم الله هنا زينة «اعتبارًا بأحوال الناس في تزيّنهم بهم، وسماهم فتنة في قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28] اعتبارًا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، وسمّاهم عدوًّا في قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن:14] اعتبارًا بما يتولّد منهم» 34.
فالبنون زينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} [الشورى:49 - 50] .
فمنهم من يرزقه الله إناثًا فقط، ومنهم من يرزقه ذكورًا فقط، ومنهم من يرزقه الزوجين؛ إناثًا وذكورًا، ومنهم من يجعله الله عقيمًا، فالبنون هبة من الله تعالى يزين بهم حياة من شاء من عباده، فواجب المسلم مع هذه المنّة والهبة الإلهية أن يحوطها بالحفظ والرعاية والتربية الحسنة، فهم رعية سيسأل عنهم يوم القيامة.
4.زينة المال.
قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .
«وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا، لأن في المال جمالًا ونفعًا، وفي البنين قوة ودفعًا؛ فصارا زينة الحياة الدنيا» 35.
وهنا تساؤل: لماذا قدّم في سورتي آل عمران والتوبة البنون على الأموال؟
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .