فهرس الكتاب

الصفحة 1505 من 2431

والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين يجد أنّ كلّ آية منهما حصرت طعام أهل النار بنوع من الطعام غير النوع الآخر؛ فذكرت الآية الأولى أنّ الكافر لا طعام له يوم القيامة إلا من ضريع، وذكرت الآية الثانية أنّ الكافر لا طعام له يوم القيامة إلا من غسلين، وهذا الحصر في كلا الآيتين قد يفهم منه البعض أنّ فيه تعارضًا وتناقضًا؛ وقد جمع المفسرون بين الآيتين بما لا يبقي تعارضًا؛ ولكن قبل بيان ذلك لا بدّ من بيان معنى الضريع، ومعنى الغسلين.

فأصل الغسلين في اللغة: ما يخرج من الثوب ونحوه بالغسل؛ ثمّ استعمل في كل جرح غسل فخرج منه شيء، فهو غسلين، واستعمل القرآن لفظ الغسلين في كل ما يسيل من جلود أهل النار؛ كالقيح والصديد وغيرهما، كأنه يغسل عنهم 83.

وللمفسرين أقوال متعددة في المقصود بالغسلين في القرآن الكريم؛ والمنقول عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه: الصديد والدم والماء يسيل من لحوم أهل النّار، والمنقول عن قتادة أنّ الغسلين: شر الطعام وأخبثه وأبشعه 84.

أمّا الضريع: فهو نبت يقال له: الشبرق، ويسمّيه أهل الحجاز: الضريع إذا يبس، وهو نبات ذو شوك، لا تقربه دابّة إذا يبس، وهذا المعنى في الضريع مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وعن عكرمة، وعن مجاهد وقتادة، وقال بعض المفسرين: الضريع شوك من النار 85.

وعلى ضوء معنى الغسلين ومعنى الضريع يتبين أنّهما ليسا شيئًا واحدًا، وأنهما ليسا اسمين لمسمى واحد؛ بل هما شيئان مختلفان، وقد جمع المفسرون بين الآيتين بما بعدة أقوال:

الأول: أنّ العذاب يوم القيامة ألوان وأشكال، والمعذبون طبقات ودرجات؛ فمنهم من لا طعام له إلا من غسلين، ومنهم من لا طعام له إلا من ضريع؛ يرشد لهذا التنوع في العذاب قوله تعالى في وصف النار: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر: 44] ؛ فكلّ باب من هذه الأبواب اختص بفريق من أهل الكفر، وكل باب من هذه الأبواب داخله مغاير لما في داخل الباب الآخر، فإذا تعددت الأبواب، وتنوعت المقامات دلّ ذلك على تنوع أنواع العذاب والطعام.

وبحسب هذا التوجيه، يكون كل نوع من الطعام مخصصًا لفريق من أهل النار؛ ففريق يكون طعامه الغسلين، وفريق آخر يكون طعامه الضريع، وفريق ثالث يكون طعامه الزقوم، وهكذا؛ فغاية ما في الأمر أنّ كلّ آيةٍ تحدثت عن نوع من الطعام المخصص لهذا الفريق أو ذاك 86.

الثاني: أنّ المعنى في الآيتين أنّهم لا طعام لهم أصلًا؛ لأنّ الضريع لا يصدق عليه اسم الطعام، ولا تأكله البهائم -فضلًا عن الآدميين-، وكذلك الغسلين ليس من الطعام في شيء؛ فمن طعامه الضريع لا طعام له، ومن طعامه الغسلين كذلك، ويكون التعبير بهذا الأسلوب من باب المبالغة. ومنه قولهم: فلان لا ظل له إلا الشمس، ومرادهم. لا ظل له أصلًا 87.

الثالث: أن تحمل الآيتان على حالتين، حالة يكون فيها طعامهم الضريع دون غيره، وحالة ثانية يكون طعامهم الغسلين، ولا شيء غيره. ويستنبط هذا المعنى قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] .

أي: تارة يعذّبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب، يقطع الأمعاء والأحشاء، وعلى هذا يكون طعامهم الضريع في وقت، وفي وقت آخر يكون طعامهم الغسلين، والله أعلم.

وقد وصف الله عز وجل طعام الضريع الذي أعدّه سبحانه لأهل الجنّة بأنه: {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} [الغاشية: 7] .

وذلك لبيان أنّ ذلك الطعام كلّه ضرر، لا نفع فيه أبدًا؛ «فلا يعود على آكليه بسمنٍ يصلح بعض ما التفح من أجسادهم، ولا يغني عنهم دفع ألم الجوع» 88.

وهناك طعام ثالث لأهل النار، وهو شجرة الزقوم، وقد أخبر الله عز وجل عنها في غير موضع من كتابه العزيز، من ذلك قوله تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 62 - 68] .

وقوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46] .

إنّها لشجرة شنيعة المنظر، فظيعة المظهر، مرّة المذاق، وهي شجرة خلقها الله في نار جهنم، وسمّاها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي المهل، وهو النحاس المذاب 89، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدّة مرارة تلك الشجرة فقال: (ولو أنّ قطرةً من الزقوم قطرت؛ لأمرّت على أهل الأرض عيشهم؛ فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم؟!) 90.

وكل طعامٍ يأكله أهل النار يجمع عليهم مرارة الطعام وغصته، كما قال تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل: 12 - 13] .

والغصة هي التي يعلق بها الطعام في الحلق؛ فلا يسهل عليه دخوله إلى الجوف، ولا يسهل خروجه عنه للتخلص منه، وفي هذا غاية الألم وغاية العذاب 91.

والخلاصة أنّه لا طعام لأهل النار إلا الضريع والغسلين والزقوم، وكلّ ذلك ما هو إلا عذاب فوق العذاب، ليس فيه من خصال الطعام الطيّب شيء؛ فيا قبح طعم ما يأكلون! ويا بشاعة ما يطعمون؛ لا تستسيغه أذواقهم، ولا تقبله ألسنتهم، ومن شدّة ما هم فيه من آلام الجوع ومرارة الطعم يتمنّون الموت فلا يموتون، بل يزدادون عذابًا فوق عذابهم، قال تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 16 - 17] .

نعوذ بالله العظيم من النار وما فيها من طعام ذي غصة وعذاب أليم.

وبعد الحديث عن طعام أهل الجنّة وطعام أهل النّار فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ إخبار الله عز وجل عن ذلك في سياق الحديث عن نعيم الجنّة وعذاب النّار فيه أعظم النفع للعباد؛ إذ فيه الترغيب العظيم في نعيم الجنّة، والتنفير الشديد من عذاب النّار، وإذا ما علم العبد ما أعدّ الله سبحانه لعباده الطائعين من النعيم، وعلم ما أعدّ الله عز وجل للعصاة من العذاب الأليم فإنّه سيسعى سعيًا حثيثًا للفوز بذلك النعيم، وللنجاة من ذلك العذاب الأليم.

إنّ التفكر في خلق الله عز وجل، وفي آياته وآلائه عبادة قلبية عظيمة؛ يزيد بها الإيمان، وينشرح بها الصدر، وتطمئن بها النفس، ويستنير بها القلب، ولقد حثّ الله عز وجل عباده بأن ينظروا في آياته، ويتفكروا في خلقه، وذلك في مواضع عديدة من الكتاب العزيز، من ذلك قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .

وقوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 6 - 8] .

ولقد مدح الله عز وجل عباده الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فقال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

وختمت آيات عديدة من كتاب الله عز وجل بقول الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

وقد ذم الله عز وجل من لا يعتبر بمخلوقاته وآياته الدالّة على ربوبيته وألوهيته، فقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .

فالتفكر في آيات الله عز وجل مستحبٌّ، مندوبٌ إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «النظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه» 92، والتفكر في آيات الله عز وجل «من أفضل أعمال القلب وأنفعها» 93.

وآيات الله عز وجل مبثوثة في مخلوقاته؛ في أرضه وسمائه؛ فالكون كلّه كتاب مفتوح، جعله الله تبارك وتعالى دليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا على وحدانيته وعظمته، يقف العاقل فيه على صنع الله {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] .

والذي {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .

قال الله عز وجل منبهًا عباده إلى بعض آياته وعظيم مخلوقاته: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

وإنّ في الطعام الذي خلقه الله عز وجل، وجعله غذاءً نافعًا للإنسان لآياتٍ باهراتٍ تدلّ على عظمة الخالق سبحانه، وبديع صنعه، وعظيم فضله على عباده، والعبد المؤمن كلّما أكل طعامًا أذهب جوعه، وأقام صلبه، وأمدّه بالقوة والنشاط زاد شعوره بعظيم نعم الله عز وجل عليه، وكلّما تأمّل في أصناف الأطعمة، وألوان الطيبات التي أحلّها الله عز وجل لعباده زاد يقينه بالله، وزادت معرفته لربّه، وازدادت خشيته ومهابته للخالق بديع السماوات والأرض.

ولقد أمر الله عز وجل الإنسان أمرًا صريحًا بأن يتفكر ويتأمل في طعامه؛ ليصل بهذا التفكر إلى الإيمان الراسخ بعظمة الخالق وألوهيته، فقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24 - 32] .

فليتأمل الإنسان أولًا في الماء النازل من السماء، من الذي خلقه وأنزله؟ وهل يقدر أحدٌ غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا الوجه الذي يحصل به النفع؛ رشًّا صغيرًا رقيقًا حتى تروى به تدريجًا، من غير أن يحصل به هدم ولا غرق، وهل يقدر أحدٌ غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها النبات؟ وهل يقدر أحدٌ غير الله أن يخرج السنابل والثمار من ذلك النبات؟ وهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبّه وينقله من طور إلى طور حتى ينضج ويكون صالحًا للغذاء والقوت؟ ومن يقدر على إنبات الثمار والعنب والزيتون والنخيل؟ ومن خلق الحدائق وجعل فيها أصناف الفواكه؟ لا يقدر على شيء من ذلك إلا الله، الواحد الأحد، {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] 94.

ولينظر الإنسان إلى الحبّة إذا وضعت في الأرض؛ ينشق أعلاها وأسفلها؛ فيخرج من أعلاها النبتة الصاعدة، ويخرج من أسفلها الجذور الضاربة في الأرض، والحبّة واحدة، والتربة واحدة، والماء واحد.

فمن الذي سيّرها؟ ومن الذي يرعاها؟

ومن الذي جعل منها غذاءً للإنسان والدّواب؟

إنّه الله عز وجل {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 53 - 54] .

ومن عجيب آيات الله عز وجل في خلق الطعام والغذاء أنّه سبحانه يخرج من التربة الواحدة، والتي تسقى بماء واحد، يخرج منها سبحانه أصناف الثمار، وألوان الطعام، فلينظر الإنسان وليتأمل فيما يخرج من قطع الأرض المتجاورة، ليرى زروعًا مختلفةً، وزهورًا يانعةً، وفاكهةً كثيرةً متنوعةً، وثمارًا عديدة، ولكلّ صنف منها طعمٌ مختلفٌ، ولونٌ متباينٌ، وحجمٌ متفاوتٌ، ولكلّ صنف منها خصائصه ومنافعه وفوائده، فسبحان من أبدعها، وسبحان من يرعاها.

وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] 95.

إنّ من تأمّل في تلك الآيات، وتفكّر في تلك الجنات وتنوع ثمارها وأكلها علم بأنّ لها صانعًا حكيمًا، قادرًا مدبرًا، لا يعجزه شيء، ولا تخفى عليه خافيه، له سبحانه آياتٌ بيناتٌ في خلقه تدلّ على ربوبيته وقدرته، وتشهد بوحدانيته 96.

ومن آيات القرآن الكريم التي تدعو العباد للتفكر فيما خلق الله عز وجل لهم من خيرات وطيبات قول الله عز وجل: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 65 - 67] .

إنّها آياتٌ عظيمةٌ من آيات الله عز وجل؛ يخرج سبحانه اللبن الخالص، ناصع البياض، طيّب الرائحة من بين الفرث والدم؛ فليس عليه لون الدم، ولا رائحة الفرث؛ بل هو خالصٌ من الكدر، سائغٌ للشاربين، يروى من العطش، ويشبع من الجوع، ويشهد بعظمة الخالق سبحانه 97.

إنّ الطعام الذي يأكله الإنسان مليء بالآيات والعبر؛ فلو تأمل الإنسان في تنوع الأطعمة واختلافها لوجد منها الرطب ومنها اليابس، ومنها الحلو ومنها المالح، ومنها ما ينبت صيفًا ومنها ما ينبت شتاءً، ومنها الكبير ومنها الصغير، ومنها اللين ومنها القاسي، ومنها ما يؤكل نيًا ومنها ما يحتاج للطبخ، ومنها ما يؤكل للغذاء ومنها ما يؤكل للتفكه، ومنها ما يناسب الإنسان في الصيف فينبته الله عز وجل صيفًا، ومنها ما يحتاجه الإنسان في الشتاء فينبته الله عز وجل شتاءً، فسبحان الخالق ما أعظمه، وما أعظم منّه وفضله على عباده، ولا يسع المؤمن حين يتأمل في تلك الآيات البيّنات إلا أن يقول كما قال ربّ العالمين: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] .

موضوعات ذات صلة:

الأكل، الحلال، الحرام، الحيوان، الخبيث، الشرب، الطير، الطيبات

1 مقاييس اللغة 3/ 410.

2 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه، رقم 6513، 7/ 152.

3 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 125.

4 المفردات ص 304.

5 انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/ 2673.

6 انظر: المفردات، الراغب ص 304.

7 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 5/ 391.

8 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص 425 - 426.

9 انظر: والوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص 194 - 19، نزهة الأعين، ابن الجوزي ص 412 - 413، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 322 - 323.

10 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 100.

11 انظر: المصدر السابق 5/ 3223.

12 معجم الصناعات الغذائية والتغذية، محمد فهمي صديق ص 207.

13 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 267.

14 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 257.

15 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/ 55.

16 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 445.

17 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 813.

18 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 435.

19 معالم التنزيل 3/ 83.

20 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 592.

21 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 9/ 112.

22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 364.

23 كتاب التوحيد ص 124.

24 أخرجه الإمام مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها عن حضور المسجد، رقم 1284، 2/ 80.

25 انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 116.

26 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 240.

27 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 10/ 287.

28 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 6/ 73.

29 أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 18.

30 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 79.

31 الأب هو كل ما أنبتت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس.

انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 229، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 14/ 252

32 انظر: جامع البيان، الطبري 3/ 317.

33 انظر: روح المعاني، الألوسي 18/ 40.

34 مفاتيح الغيب 11/ 290.

35 تيسير الكريم الرحمن ص 741.

36 انظر: جامع البيان، الطبري 10/ 522.

37 انظر: الوسيط، طنطاوي 4/ 262.

38 الجامع لأحكام القرآن 6/ 262.

39 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/ 74.

40 أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، رقم 2819، 4/ 510.

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

والحديث صححه الألباني في غاية المرام، رقم 75.

41 سبل السلام 2/ 86.

42 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 194، فتح القدير، الشوكاني 2/ 250.

43 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 115، البحر المحيط، أبو حيان 4/ 243.

44 تيسير الكريم الرحمن ص 70.

45 الحلال والحرام في الإسلام ص 29.

46 انظر: المصدر السابق ص 30.

47 روضة المحبين، ابن القيم ص 11.

48 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، رقم 169، 1/ 47، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

49 أخرجه الترمذي في سننه، رقم 2485، 4/ 264، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وصححه الألباني في الصحيحة، رقم 569.

50 أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، رقم 2126، 2/ 12، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وأخرجه الطبراني في الكبير عن أنس رضي الله عنه، بلفظ (ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه) ، رقم 751، 1/ 259.

والحديث صححه الألباني في الصحيحة، رقم 149.

51 انظر: معاني القرآن، النحاس 4/ 274، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2/ 385.

52 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 1/ 448.

53 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 67، وقد فصل القرطبي القول في المسألة، فذكر تسعة أقوال لأهل اللغة والمفسرين والفقهاء انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 168.

54 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافًا) ، رقم 1479، 2/ 125.

55 انظر: الوسيط، محمد سيد طنطاوي 1/ 363.

56 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 9/ 135، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 14/ 361.

57 مفاتيح الغيب 31/ 169.

58 التحرير والتنوير 30/ 358.

59 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 8/ 434، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 129.

60 انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 642.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت