فهرس الكتاب

الصفحة 818 من 2431

من مظاهر معاداة الرسل من قبل أقوامهم؛ الترفع عن إفراد الله تعالى بالعباد وعدم توحيده، فقد كانت ثمود شبيهة بنظيراتها من الأمم التي سبقتها التي استنكفت إقرار تفرد الله تعالى بالعبادة تكبرًا وتجبرًا، وأنهم لن يتركوا ما كانوا عليه من عبادة الأصنام التي ورثوها من آبائهم.

قال سبحانه وتعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .

أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيّدًا، وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا 28.

ويقول أبو السعود: كنا نرجو منك لما كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد أن تكون لنا سيدًا ومستشارًا في الأمور.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «فاضلًا خيِّرًا نقدمك على جميعنا» .

وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه 29.

2.الظلم.

دمرهم الله تعالى عاقبة لظلمهم.

قال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) } [النمل:51 - 53] .

ذكر جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة، ثلاث أمور:

الأول: أنه دمّر جميع قوم صالح، ومن جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وذلك في قوله: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} ، أي: وهم قوم صالح ثمود، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} أي: خالية من السكان لهلاك جميع أهلها، {بِمَا ظَلَمُوا} أي: بسبب ظلمهم الذي هو كفرهم وتمرّدهم وقتلهم ناقة اللّه التي جعلها آية لهم، وقال بعضهم: {خَاوِيَةً} ، أي: ساقطًا أعلاها على أسفلها.

الثاني: أنه جلّ وعلا جعل إهلاكه قوم صالح آية، أي: عبرة يتّعظ بها من بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به ما نزل بهم من التدمير، وذلك في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتّقون من الهلاك والعذاب، وهو نبيّ اللّه صالح ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .

وهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها جلّ وعلا هنا، جاءت موضحة في آيات أخر.

3.الاختصام.

قال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45] .

ولم يبيّن هنا خصومة الفريقين، ولكنّه بيّن ذلك في سورة «الأعراف» ، في قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) } [الأعراف:75 - 76] .

فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة: الخصومة في الكفر والإيمان 30.

4.التكذيب.

ورد ذكر تكذيب ثمود بالبعث في موضعين:

الأول: قرن فيه مع عاد، قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } [الحاقة:4] .

الثاني: هو قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) } [المؤمنون:31 - 33] .

ذكر ابن جرير الطبري وآخرون أن المعنيون بهذا الخطاب هم ثمود قوم صالح؛ لأن القصة شبيهة بقصتهم، فهم الذين أهلكهم الله بالصيحة، وقد ختمت هذه القصة بذكر هلاك المذكورين فيها بالصيحة 31.

فقد وصف الله تعالى الملأ الذين تصدروا لمعارضة صالح عليه السلام بثلاث أوصاف قبيحة: الكفر بالله، والتكذيب بالبعث، والترف 32.

5.الترف.

المترف مع ما يترتب عليه سلوكه من الإنكباب على الدنيا والانغماس في الشهوات، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) } .

وقوله: {وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ} أي: كذبوا بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء.

والمراد: بيان تكذيبهم بالبعث بالكلية كما تدل عليه الآيات 33.

وقد جاء تفصيل تكذيبهم بالبعث في الآيات التي بعد هذه، وذلك ضمن المسائل التي أنكروها على صالح عليه السلام، فبعد أن أنكروا عليه ادعاء الرسالة مع كونه بشرًا أنكروا ما يعدهم به من البعث والنشور بعد الموت، فقالوا مخاطبًا بعضهم بعضًا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) } [المؤمنون: 35] .

وهذا الاستفهام على جهة الاستهزاء والاستبعاد 34.

والمعنى: أيعدكم صالح أنكم بعد موتكم، ومصيركم ترابًا، أي: قبوركم، وعظامًا قد ذهب لحوم أجسادكم وأعصابها، أنكم مخرجون أحياء كما كنتم 35.

ثم لم يقتنعوا بالاستبعاد عن طريق الاستفهام حتى قرنوه بالاستبعاد عن طريق الأخبار قالوا {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) } [المؤمنون:36] .

أي: بعيد بعيد ما توعدون من أنكم محيون بعد مماتكم 36.

ثم أكدوا إنكارهم للبعث بذكر تصورهم للحياة، فقالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) } [المؤمنون: 37] .

أي: ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن نحياها في الدنيا، لا الحياة الآخرة التي وعدنا بها صالح بعد البعث 37.

وجملة {نَمُوتُ وَنَحْيَا} مفسرة لما ادعاه من أن الحياة هي الحياة الدنيا 38.

وقد ذكر في معناها أقوال:

فقيل معناها: يموت بعضنا ويولد بعضنًا، وهكذا 39.

وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء 40.

وقيل: يموت قوم ويحيا قوم 41.

وقيل: بمعنى نحيا ونموت ولا نبعث 42.

وهذه الأقوال متقاربة في المعنى، غير متعارضة، فهم لا يقصدون بقولهم {نَمُوتُ وَنَحْيَا} إنهم يموتون ثم يبعثون يوم القيامة، فهم منكرون للبعث إنكارًا شديدًا، وقد استمروا في تأكيد إنكارهم للبعث واستحالته بما يدل عليه قولهم الجازم {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} ، ثم ختموا جدالهم بقولهم: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) } [المؤمنون: 38] .

بذلك أحبوا ما هم عليه من الضلال على دعوة سيدنا صالح عليه السلام للهدى والإيمان، فحقت عليهم كلمة العذاب فأتاهم هلاك الصيحة، كما قال الحق عز وجل: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) } [المؤمنون:41] .

6.الاستهزاء.

ومما اتصف به قوم ثمود الاستهزاء بالرسل وإيذائهم، وما صاحب ذلك من الهزء والوقاحة.

قال تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود: 62] .

أي: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبًا مما قالته الرسل على سبيل الاستهزاء كحال من غلبه الضحك 43.

{افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون:38] .

فجعلوا صالحًا عليه السلام مفتريًا على الله تعالى بسبب دعوته لهم إلى التوحيد، والإيمان بالبعث 44، وصرحوا بأنهم لن يؤمنوا به، أو أنهم فعلوا ذلك إشارة على الأنبياء بالسكوت وإطباق الأفواه استبشاعًا لما قالوه من دعوى النبوة 45، أو أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [إبراهيم:9] .

تنبيهًا على أن هذا هو جوابهم، ولا جواب عندهم سواه، تيئيسًا لهم من التصديق 46.

وذلك ما قاله المستكبرون من قوم ثمود للمستضعفين الذين آمنوا بصالح عليه السلام.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) } [الأعراف:75] .

«وقولهم: {أَتَعْلَمُونَ} استفهامٌ على معنى الاستهزاء والاستخفاف» 47.

فالرسل في نطاق دعوتهم إلى التوحيد ونهيهم عن الشرك يبيّنون بطلان اتخاذ الأصنام آلهة، ويظهرون ضعفها وعجزها عن جلب نفع أو دفع ضرٍّ؛ وهذا في نظر المشركين مسبّةٌ شنيعة، وطعن قادح في آلهتهم التي يعتقدون أنها جالبة الخيرات، ودافعة الشرور والأضرار، فيردون على هذا بالاستهزاء بالرسل، ويسلطون عليهم ألوانًا من ألأذى، وينال أتباعهم قسطًا من ذلك.

ثالثًا: استكبار قوم ثمود:

الكبر والتكبر والاستكبار من مشتقات مادة (كبر) وهي متقاربة في المعنى 48، فالكبر ألصق بالخلق الباطني، وهو: «خلق في النفس دالٌّ على الاسترواح والركون إلى رتبة فوق المتكبّر عليه» 49، فمتى اتصف المرء بهذا الخلق يقال: في نفسه كبر، فإذا ظهر كعمل صادر عن الجوارح كان تكبرًا واستكبارًا 50.

وبهذا فالكبر شعور باطني يستشعره المتكبر، وعندما يصبح هذا الشعور سلوكًا ظاهرًا يقال لصاحبه: متكبر مستكبر، وجاء في حديثه صلى الله عليه وسلم بيان لحقيقة الكبر المتوعد عليه بالعقاب في قوله صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس 51) 52.

وردت آيات مختلفة تتحدث عن استكبار قوم ثمود، فقد وصف الله سبحانه تعالى ملأ منهم بصفة الاستكبار فقال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) } [الأعراف:75 - 76] .

والمستكبرون تتعدد أنواعهم بحسب تكبرهم:

-التكبر على الله تعالى.

وذلك بعدم الطاعة والترفع عن عبادته، ورفض أوامره ونواهيه، التي بأتيهم بها الأنبياء والرسل في دعوتهم، وهذا أكثر ما واجه الأنبياء وهو مقرون بالتكذيب والكفر متمثلًا في رفض رسالاتهم.

-التكبر على الرسل.

وذلك يتمثل فيعدم الخضوع لهم بأسباب متعدده؛ لأنهم بشر، لأنهم ضعفاء.

-التكبر على الناس.

كل الرسل ووجهوا بهذا النوع من التكبر، فكان أهل الشرك والكفر يستعظمون أنفسهم ويرون أنهم فوق أتباع الرسل الذين عادة ما يكونوا من المستضعفين.

يقول سبحانه وتعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) } [الشعراء:111] .

وقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود:27] .

وقد وصف الله سبحانه وتعالى قوم ثمود بالطغيان فقال تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) } [الحاقة:5] .

فقد روي عن قتادة: بأن الطاغية تعني الطغيان وتجاوز الحد في اغتراف المعاصي 53.

ويقول ابن كثير في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) } [الشمس:11] : «كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي» 54.

وذكر البيضاوي أن قوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) } [الفجر:11 - 12] صفةٌ للمذكورين جميعًا: عاد وثمود وفرعون 55.

رابعًا: موقف ثمود من معجزة رسولهم عليه السلام:

كان موقف ثمود من معجزة رسولهم وآياته هو الإعراض والتكذيب.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:80 - 81] .

وقد دلت الأيات على تكذيبهم وإعراضهم عن الآيات التي أظهرها الله تعالى لهم تصديقًا لنبيه عليه السلام، دلالة على عظمته ووحدانيته. وقد أوتي سيدنا صالح عليه السلام الناقة آية، وقد جمعت آيات متعددة في إظهارها.

قال ابن الجوزي: «والمراد بالآيات الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات، خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعًا» 56.

والأولى عدم تخصيص الآيات بالناقة فقط، بل تحمل على الناقة وغيرها، وهو ما جنح إليه بعض المفسرين.

قال الطبري في تفسير الآية: «يقول: وأريناهم أدلتنا وحججنا على حقيقة ما بعثنا به إليهم رسولنا صالحًا» 57.

وهذه الآيات يدخل فيها الناقة دخولًا أوليًّا؛ لأنها ذكرت في القرآن الكريم، ولكن عدم ذكر غيرها لا يدل على أنها هي الآية الوحيدة التي أعطيت لسيدنا صالح عليه السلام حتى يضطر لحمل الآيات على الناقة فقط.

فهذه الآيات تشتمل على الحجج والبراهين الكونية الدالة على عظمة الله تعالى ووحدانيته، ولا شك أن صالحًا عليه السلام قد ذكًر قومه بهذه البراهين والآيات وقد تكون الآيات التي كذبوا بها غير هذه الآيات.

قال البيضاوي: « {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:81] يعني: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزاته المتضمنة في الناقة من سقيها وشربها وغيره، أو ما نصب لهم من الأدلة» 58.

وقد سأل قوم ثمود سيدنا صالح عليه السلام معجزة يخرجها لهم يريدونها، فأشاروا على صخرة بجوارهم، وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة طويلة عشراء، وأخذوا يصفون الناقة المطلوبة ويعددون صفاتها، حتى يعجز صالح عن تحقيق طلبهم، فقال لهم صالح: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم أتؤمنون بي وتصدقونني وتعبدون الله الذي خلقكم؟ فقالوا له: نعم، وعاهدوه على ذلك، فقام صالح عليه السلام وصلى لله سبحانه، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا. وكانت الآية التي أوتيها سيدنا صالح عليه السلام هي الناقة، قال سبحانه وتعالى {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .

وكانت الناقة بطلب من قومه ولم يأت بها من تلقاء نفسه؛ وذكر ابن عطية عن بعضهم أنه جاء بها من تلقاء نفسه من غير طلب 59، والرأي الأول هو الأرجح والأصوب كما جاء في القرآن قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) } [الشعراء:153 - 154] .

وكذلك جاء في الحديث ما يصدق رأي طلبهم الناقة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات، وقد سألها قوم صالح، فكانت -أي: الناقة- ترد من هذا الفج 60، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها) 61.

وذكر العلماء أن قوم صالح هم الذين حددوا نوع الآية أن تكون ناقة، وكيفية خروجها وشكلها وأن تخرج أمام أعينهم من الصخرة في قبيلتهم

وأما صفة الناقة التي جعلها الله عز وجل آية مبصرة لثمود، فقال الله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء:59] .

وقال تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .

قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:81] .

ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء والإضراب عنه 62 وعدم الالتفات إليه؛ كأنه مشتق من العرض بالضم وهو الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه بل يثنى عطفه ملتفتًا صادًّا 63.

ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء وبراء جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعًا، وكثرة شربها؛ كما قال تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155] .

وقال: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) } [القمر:28] 64.

روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله عز وجل من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله عز وجل) ، قيل: من هو يا رسول الله قال: (هو أبو رغال؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم) 65.

ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية الأعراف عند قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} فيقول: «والسياق هنا -لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب- لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة، وكذلك لا يذكر تفصيلًا عن الناقة أكثر من أنها بيّنة من ربهم، وأنها ناقة الله، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجًا غير عادي؛ مما يجعلها بيّنة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته. ولا نزيد على هذا شيئًا مما لا يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن، وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر» 66.

وقد أخذ سيدنا صالح عليه السلام على قومه العهد بعد خروج الناقة.

وبعد أن أخرج الله لهم الناقة بالكيفية التي طلبوها طلب منهم صالح عليه السلام الوفاء بعهدهم ومواثيقهم التي قطعوها على أنفسهم في أمور: منها:

أولًا: الإيمان بالله جل جلاله ونبذ عبادة الأوثان والتصديق برسالة صالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت