وأخبر تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:90] .
فمدحه تعالى في إسراعه بالخير ودعائه له، وذلك كله من زكريا من حسن تصرفه في وقته وعمارته له.
ثالثًا: توبيخ مضيعي الوقت:
ومما يبين اهتمام القرآن الكريم بالوقت وعنايته به: توبيخه لمضيعيه من الكفرة والعصاة والغافلين عن طاعة رب العالمين، ممن أضاعوا أوقاتهم في اللهو واللعب، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
قال الله تعالى في وصف حال أهل النار: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) } [فاطر:37] .
فأخبر تعالى عن صراخهم واستغاثتهم وعويلهم 47، يقولون: ربنا أخرجنا من هذه النار لكي نعمل صالحا غير ما كنا نعمل في دنيانا من قبل، فيقال لهم جوابا على ما طلبوه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} «والاستفهام تقريع للتوبيخ والتعمير: تطويل العمر، كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة:96] » 48.
والغرض من الاستفهام في قوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} توبيخهم في إضاعة أعمارهم وأوقاتهم، وعدم الانتفاع بها.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟» 49.
ومن توبيخ القرآن الكريم على إضاعة الوقت، ما ذكره الله تعالى في كثير من الآيات من التعريض بالكفرة لإضاعتهم أوقاتهم في اللعب والخوض في الباطل، وتوعدهم بالعذاب.
قال تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) } [الزخرف:83] .
والمعنى: «فذرهم يخوضوا ويلعبوا أي: اترك الكفار حيث لم يهتدوا بما هديتهم به ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في أباطيلهم، ويلهوا في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة» 50
كما قال تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) } [المعارج:42 - 44] .
قوله تعالى: « {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} أي: يخوضوا بالأقوال الباطلة، والعقائد الفاسدة، ويلعبوا بدينهم، ويأكلوا ويشربوا، ويتمتعوا {حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} فإن الله قد أعد لهم فيه من النكال والوبال ما هو عاقبة خوضهم ولعبهم.
ثم ذكر حال الخلق حين يلاقون يومهم الذي يوعدون، فقال: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} أي: القبور، {سِرَاعًا} مجيبين لدعوة الداعي، مهطعين إليها {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أي: كأنهم إلى علم يؤمون ويسرعون أي: فلا يتمكنون من الاستعصاء للداعي، والالتواء لنداء المنادي، بل يأتون أذلاء مقهورين للقيام بين يدي رب العالمين، {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} .
وذلك أن الذلة والقلق قد ملك قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، فخشعت منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات، وانقطعت الأصوات، فهذه الحال والمآل، هو يومهم {الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} ولا بد من الوفاء بوعد الله» 51
ثالثًا: المفاضلة بين الأعمال بسبب الوقت:
ومن اهتمام القرآن بالوقت واعتنائه به أنه فاضل بين بعض الأعمال بسبب الوقت والتبكير فيه، ومنه قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) } [الحديد:10] .
فجعل تعالى النفقة والقتال في سبيله قبل الفتح وهو فتح مكة -وعليه أكثر المفسرين- أو صلح الحديبية، أعظم من نظيريهما مما كان بعد الفتح المذكور 52، وذلك لعظم موقع نصرة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بالنفس، وإنفاق المال في تلك الحال وذلك الوقت، وفي المسلمين قلة، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد، بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا، والكفر ضعيفا 53.
وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة:100] .
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ، ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه) 54.
وفي رواية مسلم عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه: قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوفٍ شيءٌ، فسبه خالدٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه) 55.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: «فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد رضي الله عنه ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) ، يعني عبد الرحمن رضي الله عنه وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية. والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يسب من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» 56.
ومن تفضيل الأعمال بالوقت قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال:(الصلاة على وقتها) قال: ثم أيٌ؟ قال: (بر الوالدين) قال: ثم أيٌ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) 57.
وكقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنةً 58، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) 59.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله: فكأنما «قرب بدنة» أي: تصدق بها متقربا إلى الله وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان؛ لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة» 60.
وهكذا تظهر فضيلة الوقت في مضاعفة ثواب العمل، وفي ذلك حث للمسلم على حفظ الوقت والتبكير فيه.
لقد حث القرآن الكريم على استثمار الوقت، واستغلاله الأمثل بالعمل الصالح النافع، وذلك لأن الإسلام دين العمل والجد والإنتاج، لا دين الكسل والنوم، وسنبين من خلال المطلبين التاليين مجالات استثمار الوقت، والتي تتمثل في: عبادة الخالق وعمارة الأرض.
أولًا: عبادة الخالق:
من أشرف الأمور التي يجب على المسلم أن يشغل بها أوقاته ويعمرها به هي عبادته لربه وخالقه الذي خلقه وملك أمره، وبيده رزقه وهدايته ومصيره، فبعبادة العبد لربه يحصل نجاته وفوزه وسعادته، وبدونها يكون من الآبقين الخاسرين في الدنيا والآخرة.
وعمارة الوقت بالعبادة عند العبد اللبيب الذي فقه معنى العبادة تستغرق جميع الوقت، وذلك كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وعمارة الوقت الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب، أو منكح، أو منام، أو راحة. فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله، وتجنب ما يسخطه. كانت من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات، فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه، وجماع أهله وراحته، أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان» 61.
والآيات في الأمر بعمارة الوقت في طاعة الله أكثر من أن تحصى، منها قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } [الشرح:7 - 8] .
وهو أمر من الله لنبيه أصلا وللمؤمنين تبعا 62 إذا فرغ من أمور الدنيا وأشغالها وقطع عنه علائقها، فلينصب في العبادة، ويقوم إليها نشيطا فارغ البال، وأن يخلص لربه النية والرغبة 63.
والنصب: التعب بعد الاجتهاد، والأمر بالنصب في الآية توجيه عام للأخذ بحظ الآخرة بعد الفراغ من عمل الدنيا، كما في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء:79] .
وقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) } [المزمل:6] .
أي: لأنها وقت الفراغ من عمل النهار وفي سكون الليل، وهكذا يكون وقته كله مشغولا، إما للدنيا وإما للدين، وفي ذلك حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم حيث لم تترك للمسلم فراغا في وقته؛ لأنه إما في عمل للدنيا، وإما في عمل للآخرة 64.
ومن الآيات التي تحث على توظيف الوقت وإعماره في تحقيق العبودية لله، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) } [الأحزاب:41 - 42] .
وهي في الإكثار من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتعظيمه، وإعمار المؤمن وقته بذلك.
ثانيًا: إعمار الأرض:
من الأمور التي حض القرآن الكريم على استثمار الوقت فيها: عمارة الأرض وإصلاحها.
قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] .
وقد نهى في المقابل عن الفساد في الأرض، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74] .
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: «وقوله: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} يعني: أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية» 65.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: «جعلكم فيها عمارا تعمرونها وتستغلونها» 66.
وقال السعدي: « {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} أي: خلقكم فيها {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته. {فَاسْتَغْفِرُوهُ} مما صدر منكم، من الكفر، والشرك، والمعاصي، وأقلعوا عنها، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح، والإنابة، {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب» 67.
وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى عمارة الأرض وإصلاحها في أكثر من حديث، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق) 68.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «المراد من أعمر أرضا بالإحياء فهو أحق به من غيره وحذف متعلق أحق للعلم به» 69.
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحيا أرضًا ميتةً فهي له) 70.
والأرض الميتة أي: «التي لم تعمر شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة وإحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد سواء أذن له الإمام في ذلك أم لم يأذن وهذا قول الجمهور» 71.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقةٌ) 72.
كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل) 73.
يقول الدكتور وهبة الزحيلي «إن الله سبحانه استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته، والناس في ذلك شركاء، والمسلمون ينفذون أمر الله ومقاصده، قال الله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .
والاستعمار: معناه التمكين والتسلط، كما هو واضح من قوله سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) } [الأعراف:10] .
وقوله عز شأنه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29] .
واللام في {لَكُمْ} تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي: أن ذلك مختص بكم، مما يدل على أن الانتفاع بجميع مخلوقات الأرض، وما فيها من خيرات مأذون فيه، بل مطلوب شرعًا، واعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام الدين والدنيا من فروض الكفاية» 74.
في هذا المبحث نذكر بعض المعوقات في استثمار الوقت مما أشار إليه القرآن الكريم، وذلك لخطورتها في إضاعة الوقت وإذهابه، وبالله التوفيق.
أولًا: طول الأمل:
وأول هذه المعوقات وأخطرها على الوقت والانتفاع به: هو طول الأمل، بمعنى «استشعار طول البقاء في الدنيا حتى يغلب على القلب فيأخذ في العمل بمقتضاه» 75.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل، ما وقع إهمال أصلًا، وإنما تقدم المعاصي، وتؤخر التوبة، لطول الأمل، وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة، لطول الأمل» 76.
وقد ذكره الله تعالى في صفات أهل الكفر والشرك، قال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) } [الحجر:3] .
فبين تعالى حالهم في غفلتهم وإضاعتهم لأوقاتهم في الباطل والشهوات، وأن من أسباب ذلك طول أملهم في البقاء في الدنيا وانشغالهم بها، فيلهيهم ذلك عن الآخرة 77، ولا يزالون في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة في عدم بعثهم وحسابهم حتى يأتيهم أجلهم ويروا من الله ما يوعدون.78
كما بين تعالى أن المشركين لطول أمل الواحد منهم يود لو عاش ألف سنة، وذلك من حرصه على الحياة الدنيا، وعدم إيمانه بغيرها، فيتمنى لو عاش هذا الوقت ليزداد من الدنيا نعيما، قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة:96] .
والسبب في طول الأمل عند هؤلاء، واغترارهم به عدم رجائهم للقاء الله وحسابه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) } [يونس:7] .
وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } [النبأ:27] .
ولو علموا يقينا أنهم محاسبون، وبين يدي الله موقوفون، وأن أعمارهم بيد الله متى شاء أنهاها وقبض أرواحهم، وأن طول العمر -ولو بلغ ما بلغ- مع سوء العمل لا ينفعهم شيئا، لما اغتروا بذلك.
قال ابن قدامة: «واعلم: أن السبب في طول الأمل شيئان: أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل.
أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من ذكره شيئًا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيمني نفسه أبدًا بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه من مال وأهل ومسكن وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر، فيلهو عن ذكر الموت، ولا يقدر قربه. فإن خطر له الموت في بعض الأحوال والحاجة إلى الاستعداد له، سوف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب. وإذا كبر قال: إلى أن تصير شيخًا، وإن صار شيخًا، قال: إلى أن يفرغ من بناء هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة، أو يرجع من هذه السفرة.
فلا يزال يسوف ويؤخر، ولا يحرص في إتمام شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال، وهكذا على التدريج يؤخر يومًا بعد يوم، ويشتغل بشغل بعد شغل، إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرته.
السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع الشباب وأصل هذه الأماني كلها، حب الدنيا والأنس بها، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص، من شاب وشيخ أو كهل أو غيره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت» 79.
ثانيًا: الجهل بقيمة الوقت:
ومن أعظم أسباب إضاعة الوقت الجهل بقيمته، ولو فكر الإنسان في أن ما مضى من الوقت لن يعود ولا يعوض، لاغتنم كل لحظة من عمره فيما يعود عليه بالنفع عاجلا وآجلا، وقد قال الله تعالى في حق المال: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] .
وذلك لأن السفيه لا يعرف قيمة المال، ولا يحسن التصرف فيه فيضيعه، فمن لم يعرف قيمة الشيء تهاون فيه وضيعه، وأما الوقت فما أكثر السفهاء في حقه، من الذين يضيعون أعمارهم وأوقاتهم في الباطل واللهو واللعب وتفاهات الأمور، ومن هؤلاء الجاهلين لقيمة الوقت، المضيعين له، أهل الكفر والشرك.
قال تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) } [المؤمنون:112 - 114] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} أي: الحاسبين، {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} أي: مدة يسيرة على كل تقدير {لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته-كما فعل المؤمنون-لفزتم كما فازوا» 80.