فقوله تعالى: {خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور: 43] .
فيه سر لا يعرفه إلا من تمكّن من مراقبة مراحل تكوين البرد داخل السحاب، ومن الذي أنبأه بأن للبرد برقًا، وأن البرد هو السبب في حصوله، وأنه يكون أشد أنواع البرق ضوءًا؟ إن ذلك لا يعرفه إلا من درس الشحنات الكهربائية داخل السحاب واختلاف توزيعها ودور البرد في ذلك؛ ولشدة خفاء هذا الأمر فقد نسب المفسرون البرق إلى السحاب، وإن كان السحاب يشتمل على البرد في كلام المفسرين، ولم نجد من نسب هذا البرق إلى البرد مع أنه المعنى الظاهر؛ لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43] 27.
أخبر القرآن عن اتخاذ الإنسان الجبال كحصون وبيوت للسكن، وسوف نبين ذلك فيما يأتي:
أولًا: الجبال والوزر:
الوزر في اللّغة: ما يلجأ إليه الإنسان من حصنٍ أو جبلٍ أو غيرهما.
ومنه قول طرفة 28:
ولقد تعلم بكرٌ أنّنا
فاضلو الرّأي وفي الرّوع وزر
وقول حسان بن ثابت 29:
الناس ألبٌ علينا ثم ليس لنا
إلا السيوف وأطراف القنا وزر
وقال الطاهر ابن عاشور: «الوزر: المكان الّذي يلجأ إليه للتّوقّي من إصابة مكروهٍ مثل الجبال والحصون» 30.
ومنه قول الله تعالى: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] .
وقوله تعالى: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ} [القيامة: 10 - 11] .
فـ {كَلَّا} ردع عن طلب المفرّ وتمنّيه، و {لَا وَزَرَ} أي: لا ملجأ ولا حصن، استعير من الجبل، فـ {لَا وَزَرَ} أي: لا ملجأ من النّار. فـ {كَلَّا لَا وَزَرَ} أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار ولا جبل ولا حصن، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل، ولا ملجأ من اللّه.
وقال ابن مسعودٍ والضحاك: لا حصن، وقال الحسن: لا جبل، وقال ابن عباس: {لَا وَزَرَ} لا حصن ولا ملجأ.
وقال عكرمة: لا منعة، وقال ابن جبيرٍ: لا محيص ولا منعة، وقال مطرف بن الشخير: {لَا وَزَرَ} لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر، وقال السّدّيّ: كانوا في الدّنيا إذا فزعوا تحصّنوا في الجبال، فقال اللّه لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منّي، واشتقاقه من الوزر وهو الثقل، أي: ملجأٌ للخائف، وكذلك هو قول أبي قلابة ومجاهد وقتادة 31.
قال القرطبي: «المعنى في ذلك كلّه واحدٌ» 32.
وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضيق عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره 33.
وقال عبد القادر العاني: «كانوا إذا فزعوا من شيء يلجأون إلى الجبال؛ ولذلك قال ابن نوح عليه السلام: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43] .
فتقدّم الله تعالى لهؤلاء بما يقطع أملهم بأن لا شيء هناك يعصمهم من عذاب الله إلا هو؛ ولهذا قال: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 12] » 34.
وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2] .
قال محمد ثناء الله: « {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} الوزر في الأصل الجبل، قال الله تعالى: {كَلَّا لَا وَزَرَ} يعنى: جبل هناك يلتجئ إليه، والمراد ها هنا الثّقل على سبيل الاستعارة» 35.
ثانيًا: الجبال بيوت وسكن:
تحدثت عدة آيات عن اتخاذ الجبال بيوتًا وسكنًا، فهل سكنى الجبال أمر محمود؟ أو مرغوب فيه ابتداء؟ أم يلجأ إليه عند الحاجة فقط؟ سنقف عند هذه الآيات أولًا، ثم نذكر جوابًا جامعًا من خلالها:
قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] .
تفسير علماء الدين: ألهم ربك النحل أسباب حياتها ووسائل معيشتها بأن تتخذ من الجبال بيوتًا في كهوفها، وتتخذ من فجوات الشجر ومن عرائش المنازل والكروم بيوتًا لها كذلك.
قال البغوي والبيضاوي في تفسير الآية: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} : «أي: ألهمها وقذف في أنفسها، ففهمته» 36 أو جعل في غرائزها ذلك، كما قال السمعاني 37 أي: اتخذي {مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي: يبنون {مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} أي: أوكارًا مع ما فيها من الخلايا 38.
والنظرة العلمية: إن بعض العلماء الذين كرّسوا جهودهم لدراسة حياة الحشرات، وقفوا على حقائق عجيبة، وألّفوا مئات الكتب التي أثبتت صحة ما جاء في القرآن من أن هناك فصائل برّية من النحل تسكن الجبال، وتتخذ من مغاراتها مأوى لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار سكنًا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة في جذوع الأشجار وتتخذ منها بيوتًا تأوي إليها، ولما أراد الإنسان أن ينتفع بعسل النحل استأنسها وصنع لها خلايا من الطين، أو الخشب يعيش فيها، وهكذا تبيّن الآية الكريمة كيف كانت هذه الحشرات بإلهام من الله تأوي إلى مساكنها المختلفة منذ القدم إلى يومنا هذا 39.
وقال تعالى في معرض الامتنان على بني آدم: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] .
قال الكفوي: {مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} مواضع تستكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها، من «الكن» وهو السترة 40.
وأخبرنا تعالى أن صالحًا عليه السلام قال لقومه ثمود: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] .
وأخبرنا عنهم أيضًا: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82] .
قال ابن كثير: «أي: من غير خوفٍ ولا احتياجٍ إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: (لا تدخلوا بيوت القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ خشية أن يصيبكم ما أصابهم) 41» 42.
وقال أيضًا عنهم: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 149 - 150] .
قال ابن كثير: «قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} قال ابن عبّاسٍ وغير واحدٍ: يعني: حاذقين، وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي: أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم؛ لتعبدوه، وتوحّدوه، وتسبّحوه بكرة وأصيلًا» 43.
وأثبت العلم الحديث أن سكان الجبال الذين تختفي أحوالهم دائمًا خلف جمالها الخلّاب، وتبعدهم عن مرمى السمع والبصر عزلتهم وصعوبة الوصول إليهم، ويواجهون تدهورًا مستمرًّا في النظم الإيكولوجية وتزايدًا في مستويات الفقر وتفاقمًا في الأوضاع المزعزعة والصراعات المسلحة.
ويقدّر على وجه العموم أن زهاء 10 في المائة من سكان الأرض يقطنون مناطق الجبال، وإن رأى «برونو ميسيرلي» من جامعة «برن» بسويسرا أن المسوحات الجديدة كشفت عن وجود أكثر من 25 في المائة من سكان العالم يقطنون مناطق الجبال أو في محيط قدره (50) كيلو مترًا منها.
ويميل سكان الجبال بسبب وجودهم في مناطق نائية أن يكونوا أفقر من نظرائهم في الأراضي الواطئة، وهو سبب يدفع كثرة من شبيبة هذه المناطق إلى هجرها.
ويقول «لاكاباشيربا» مدير برنامج «كومولانغما» للمحافظة على الطبيعة التابع لمعهد الجبال في منطقة التبت الصينية المتمتعة بالاستقلال الذاتي أنه بمجرد أن يغادر الشباب مناطق الجبال فإنهم «يحلّقون بعيدًا ولا يعودون أبدًا» ، وأكد أن مشاركة أهالي الجبال أساسية في تنمية مناطقهم وتطوير أنفسهم، وبدون ذلك سيكون كسر دائرة الفقر مستحيلًا حسب رأيه.
إذن الجواب: الجبال سكن للنحل بوحي من الله، وحصن عند الحاجة، ولا يلجأ إليها للمعيشة العادية؛ نظرًا لصعوبة الحياة بها، والله أعلم.
ثالثًا: الخشوع، والإشفاق عن حمل الأمانة، والتأويب، والذكر:
بالرغم من ضخامة الجبال وعظمتها إلا أن هناك لغة مشتركة بين الجبال والإنسان، وهي لغة تسبيح الله عز وجل، ولكن لا نعلمها ولا نعرفها، إنما يعرفها خالقها -جل شأنه-.
فهناك مجموعة من الآيات الكريمة تشير إلى إحساس الجبال الإيماني، وخضوع الجبال وتسبيحها للخالق -تبارك وتعالى -، فذكر الله عز وجل في مواضع عديدة من كتابه العزيز أن هناك لغة مشتركة بين الجبال والإنسان في معرفة حقوق المولى عز وجل، ومن هذه المواضيع:
الخشوع:
قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .
في هذه الآية الكريمة يذكر المولى عز وجل أن الجبال تسابق الإنسان في معرفة الله والخوف منه، فإنها تتصدّع من خشية الله.
قال ابن كثير: «يقول تعالى معظّمًا لأمر القرآن، ومبيّنًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبّر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه؛ ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] » 44.
الإشفاق من حمل الأمانة:
قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
في هذه الآية الكريمة يذكر المولى عز وجل أن الجبال تشفق من حمل الأمانة التي هي بالمعنى العام.
قال السعدي: «يعظّم تعالى شأن الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلّفين، التي هي امتثال الأوامر واجتناب المحارم في حال السر والخفية كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة السماوات والأرض والجبال عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدّيتها على وجهها فلك الثواب، وإن لم تقومي بها ولم تؤديها فعليك العقاب.
{فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ} أي: خوفًا أن لا يقمن بما حمّلن، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل» 45.
التأويب والذكر:
قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] .
بل ذكر المولى عز وجل أن الجبال في حالة من التسبيح الدائم! فقال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18]
قال سيد قطب: «لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ؛ إذ يخالف مألوفهم، ويخالف ما اعتادوا أن يحسّوه من العزلة بين جنس الإنسان، وجنس الطير، وجنس الجبال! ولكن فيم الدهش؟ وفيم العجب؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة، وراء تميّز الأجناس والأشكال والصفات والسمات، حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله: أحيائه وأشيائه جميعًا، وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء، فإن ذلك الحاجز تنزاح، وتتكشف الحقيقة المجردة لكل منهم، فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة! وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية، وسخّر الجبال معه يسبّحن بالعشي والإشراق، وحشر عليه الطير ترجّع مع ترانيمه تسبيحًا لله، وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان مع النبوة والاستخلاص» 46.
تحدث القرآن عن أحوال الجبال في أحداث القيامة، وسوف نوضّحها فيما يأتي:
أولًا: دكّ الجبال:
اعلم أنّه جلّ وعلا بيّن الأحوال الّتي تصير إليها الجبال يوم القيامة في آياتٍ من كتابه، فبيّن أنّه ينزعها من أماكنها ويحملها فيدكّها دكًّا، وذلك في قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 13 - 14] .
قال الطبري: « {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} يقول: فزلزلتا زلزلةً واحدةً» 47.
وقال البغوي: « {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} رفعت من أماكنها {فَدُكَّتَا} كسرتا {دَكَّةً} كسرةً {وَاحِدَةً} فصارتا هباءً منبثًا» 48.
وقال ابن كثير: « {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14] .
أي: فمدّت مدّا لأديم العكاظي، وتبدّلت الأرض غير الأرض» 49.
ثانيًا: الجبال كثيب مهيل، كالعهن:
قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 14] .
قال السعدي: « {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} من الهول العظيم {وَكَانَتِ الْجِبَالُ} الراسيات الصّم الصلاب {كَثِيبًا مَهِيلًا} أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تبس بعد ذلك، فتكون كالهباء المنثور» 50.
وقال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج: 9] .
قال الطبري: «قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} يقول: وتكون الجبال كالصوف» 51.
وقال البغوي: « {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} كالصّوف المصبوغ» 52.
ولا يقال: عهنٌ إلّا للمصبوغ.
وقال مقاتلٌ: كالصّوف المنفوش.
وقال الحسن: كالصّوف الأحمر وهو أضعف الصّوف، وأوّل ما تتغيّر الجبال تصير رملًا مهيلًا ثمّ عهنًا منفوشًا ثمّ تصير هباءً منثورًا 53.
وقال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5] .
قال الطبري: «قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصّوف المنفوش؛ والعهن: هو الألوان من الصّوف» 54.
ثالثًا: نسف الجبال:
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105 - 107] .
قال ابن كثير: «يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ {فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيّرها تسييرًا {فَيَذَرُهَا} أي: الأرض {قَاعًا صَفْصَفًا} أي: بساطًا واحدًا، والقاع هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم؛ ولهذا قال: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} أي: لا ترى في الأرض يومئذٍ واديًا، ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف» 55.
وقال الشنقيطي: «جرت العادة في القرآن: أن الله إذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: يسألونك قال له: قل بغير فاء، كقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ} [الإسراء: 85] .
وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] .
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215] .
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] .
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] .
إلى غير ذلك من الآيات، أما في آية (طه) هذه فقال فيها: {فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} بالفاء.
وقد أجاب القرطبي عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} أي: عن حال الجبال يوم القيامة، فقل، جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن (قل) بغير فاء إلا هذا؛ لأن المعنى: إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت، سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه انتهى منه، وما ذكره يحتاج إلى دليل، والعلم عند الله تعالى» 56.
قوله تعالى: {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 106 - 107] .
الضمير في قوله: {فَيَذَرُهَا} فيه وجهان معروفان عند العلماء:
أحدهما: أنه راجع إلى الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45] .
وقوله: {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61] .
فالضمير فيهما راجع إلى الأرض، ولم يجر لها ذكر.
والثاني: أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها؛ لأنها مفهومة من ذكر الجبال، والمعنى: فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعًا صفصفًا، والقاع: المستوي من الأرض، وقيل: مستنقع الماء، والصفصف: المستوي الأملس الذي لا نبات فيه، ولا بناء، فإنه على صف واحد في استوائه، وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى 57:
وكم دون بيتك من صفصف
ودكداك رمل وأعقادها
وقوله: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 107] .
أي: لا اعوجاج فيها ولا أمت، والأمت: النتوء اليسير، أي: ليس فيها اعوجاج، ولا ارتفاع بعضها على بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد 58:
فاجرمزت ثم سارت وهي لاهية
في كافر ما به أمت ولا شرف
وقول الآخر 59:
فأبصرت لمحة من رأس عكرشة
في كافر ما به أمت ولا عوج
والكافر في البيتين: قيل الليل، وقيل المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع، والانحدار في الأرض.