فهرس الكتاب

الصفحة 1755 من 2431

قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ? وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت:45] .

فهي تنجي من فتنة السراء بشكر المنعم والضراء بالصبر عليها واحتسابها، كما أنها الملاذ للعبد مما يهمه في الدنيا، كما قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ?45?) [البقرة:45] .

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) 93.

ولأهميتها لم يرخص الشرع لأحد بتركها وللقادر كذلك أن يترك صلاة الجماعة، فقد روى أن رجلًا أعمى قال: (يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فلما ولى دعاه فقال:(هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) وفي رواية قال: (لا أجد لك رخصة) 94.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح يعدون ترك صلاة الجماعة مصيبة تستحق التعزية، وقال حاتم الأصم: مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، ولقد ماتت لي بنت فعزاني أكثر من عشرة آلاف وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد.

ومن مصائب الدين الإقبال على المعاصي وإلفها، والتفاخر والمجاهرة بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) 95.

قال أبو الدرداء: (من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها) 96.

ومثل ذلك بقية العبادات ففي الزكاة والصيام والحج فوائد وحكم لا تحصى على مستوى الفرد والجماعات والأمة، فنرى كل عبادة لها طابع اجتماعي، فعلاوة على الفوائد الروحية والصحية فهي كلها تزيد من رابطة الإخاء بين المسلمين في كل بقاع الأرض، وهي من مقومات وحدة الأمة لما فيها من توحد المشاعر والشعائر التي تشعر الجميع بالمساواة والعدل وتلغي فوارق ومقاييس المجتمعات الأخرى، وتجعل المسلم فخورا بدينه، وهذه نعمة لا يدركها إلا من ابتعد عنها بترك تلك العبادات.

وبما أن العبادات بمفهومها الواسع تشمل كل عمل صالح، وليس فقط بالمفهوم الضيق بما هو مشهور للعبادات المحضة، فترك العمل الصالح ينعكس على الفرد والمجتمع ويعرضهم للفتن بجميع أنواعها فيقبلون على المعاصي ومن ثم نجد للذنوب والمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله فمن ذلك:

••حرمان العلم.

فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئ ذلك النور، يقول تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282] .

ومثلها حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة فكفاه أنه صد عن طاعة الله فالعاصي يقطع عليه طاعات كثيرة كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها.

••هوان العبد على ربه.

لأن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها كما قال بعض السلف في قول الله تعالى (كَلَّا ? بَلْ ? رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين:14] .

الران: هو الذنب بعد الذنب.

ثانيًا: الفتنة عن الجهاد ووحدة الصف:

الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به، وبه نال المسلمون العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله حصل للمسلين الذل والهوان والصغار، واستولى عليهم أعداءهم، بل تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وأصبحوا مع كثرتهم غثاءٌ كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب أعدائهم ووضعها في قلوبهم.

ولقد حرص الأعداء على تشويه صورة الجهاد والمجاهدين وتخذيل المسلمين عنه، ووضع العراقيل دونه، وقد دل القرآن الكريم على توقي الفتنة بالجهاد فقال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) [البقرة:193] .

وقوله تعالى: (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [التوبة:39] .

وهو من فروض الكفاية لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122] .

قال ابن تيمية رحمه الله: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال عن المنافقين: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ? وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) [التوبة:49] .

فإعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) [البقرة:193] .

فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد 97.

وقد وردت في الكتاب والسنة فضائل كثيرة للجهاد منها:

••الثواب العظيم للمجاهد من حين يخرج من بيته، قال تعالى (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121 ) ) [التوبة:120 - 121] .

••أنه أفضل من نوافل العبادات، قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَيُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:19 - 22] .

••أنه سبب لدخول الجنة، قال تعالى (? إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111 ) ) [التوبة:111] .

••أنه سبب للفلاح، قال تعالى: (ے يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:35] .

••أنه سبب لتحقيق الإيمان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:74] .

••أنه سبب لحفظ الحق وتمكينه ودفع الباطل، قال تعالى: (ٹ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40] . (? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251] .

ومما سبق نستخلص عظم الفتنة في ترك الجهاد مع القدرة عليه لأن:

••ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة والاستعباد وتسلط الكفار عليهم، وأما هلاك الآخرة فمعلوم.

قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195] .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ*إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?39?) [التوبة:38 - 39] .

••ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه.

قال تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?39?) [التوبة:39] .

••ترك الجهاد والفرح بالقعود من صفات المنافقين.

قال الله تعالى مبينًا أنه لا يترك الجهاد إلا المنافقين والذين في قلوبهم مرض: قال تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45 ) ) [التوبة:44 - 45] .

وقال سبحانه: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ*فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:81 - 82] .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبةٍ من نفاقٍ) 98.

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن تبوك: (فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء) 99.

••ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم.

قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251] .

وقال سبحانه (ٹ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج:40] .

••ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة وفضائل جمة منها الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية ودفع شر الكفار وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم.

••ترك الجهاد قد يعرض لعقوبة عاجلة تنزل بالقاعدين عن الجهاد.

كما قص الله تعالى من خبر بني إسرائيل لما طلب إليهم موسى عليه السلام أن يدخلوا الأرض المقدسة فقالوا: (قَالُوا يَا مُوسَى? إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ? فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ? فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ? أَرْبَعِينَ سَنَةً ? يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ? فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [المائدة:24 - 26] .

وقد وعى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس جيدًا، ففي يوم بدر لما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال؛ قال له المقداد: (يا رسول الله: إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك) 100.

••ترك الجهاد سبب للذل والهوان.

قال تعالى: (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التوبة:39] .

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) 101.

إن من أهم وأخطر الفتن هو تفرق الأمة وتشتت جمعها وكلمتها، فوحدة الصف ضرورة أجمع عليها العقلاء من الناس، والائتلاف مطلب ضروري لا غنى عنه لأمة تريد الفلاح.

حثت النصوص على لزوم الجماعة والحذر من الفرقة والاختلاف بشكل عام وفي وقت الفتن بشكل خاص. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ?) [آل عمران:103] .

وقد جاءت تفاسير عديدة لمعنى الحبل لا تعارض بينها، منها لزوم الجماعة.

قال البغوي: «الحبل: السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وسمي الإيمان حبلًا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف» 102.

كما جاء ت أحاديث نبوية تؤكد لزوم الجماعة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار) 103.

وقوله تعالى في الآية «ولا تفرقوا» «أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلف اليهود والنصارى أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة» 104

كما جاءت آيات تحث على لزوم الجماعة محذرة من الفرقة والاختلاف في قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:105] .

كما برأ الله ورسوله من مثل هؤلاء فقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ? إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [الأنعام:159] .

ولأجل الحفاظ على الجماعة دون التفرق، نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الخروج على أولي الأمر وأداء النصح لهم إن اقتضى الأمر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلاص العمل لله عز وجل و مناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين) 105.

وقال كذلك: (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) 106.

كما حذرت أحاديث من مفارقة الجماعة فقال صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) 107.

وفي آخر: (ومن فارق الجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية) 108.

وفي حديث آخر قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 109.

وحرصًا على الجماعة فإنه ينبغي الموالاة والنصرة و الإيواء لكل المسلمين وبعكسه البراء من الأعداء والعصاة المشركين قال تعالى: (? إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73] .

ومن لوازمها كذلك إصلاح ذات البين وتحكيم كتاب الله فيما شجر من التنازع وإحياء مفهوم الأمة.

ومن الفتن التي تترتب على الخروج عن وحدة الصف وتفرق الكلمة:

••ضعف الأمة وفشلها في تحقيق مصالحها العليا.

يقول الله تعالي: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ? وَاصْبِرُوا ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] .

ويقول الله تعالي: (وَالْعَصْرِ ?1إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3?) [العصر:1 - 3] .

ولهذا أصبحت الجماعة والاجتماع علي الخير والطاعة من ضروريات الدين ومحكماته، والعبادات العامة كالصلاة، والصوم والحج، والأعياد وغيرها دليل عملي علي ذلك.

إن الفرقة والاختلاف داءان وبيلان يقعدان بالأفراد والأمم عن الإصلاح والبناء، ويمكنان للهدم والفساد، ويسببان ظلمة القلوب، وفساد الألسن، والطعن في الناس، وقد يؤديان إلى الاحتراب والتقاتل.

••التنافر وفقدان الإلفة بين المجتمع الواحد.

وقد امتن الله على المسلمين الأوائل بتأليف قلوبهم حين وحدهم ىلإسلام فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران:103] .

وقال تعالى: (. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ? لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ? إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:63] .

ولأن تأليف القلوب ميزة خصها الله تعالي بالمؤمنين، فقد وصف الله تعالي اليهود بأن قلوبهم متفرقة فقال: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ? بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ? تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (?) [الحشر:14] .

ولذلك أكد الإسلام على ضرورة الأخوة في العقيدة والتي تثمر المحبة والموالاة، وإلا لانتفت صفة الإيمان منهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه) 110.

ويعود ذلك لاضطراب مفهوم الولاء والبراء عند كثير من المسلمين.

••تشجيع أعداء الأمة في الداخل والخارج للتدخل بشؤون المسلمين.

فالمستفيد الأول من حالة التنازع ما بين المسلمين بشكل عام هم أعداء هذا الدين، سواء من الداخل أم من الخارج، فتشتيت الجهود غاية كل أفاق، وأمل كل أفاك، فالجهود المتفرقة غير موجعة، والكن الجهود المتوحدة قوية لا شك أنها ضربة قاصمة رادعة، توقف المنافقين ومبتغي الفتن عند حدودهم، وتردعهم عن مزيد من حملات تشويه الصورة وإسقاط الرموز.

كما أن في الفرقة تشويه صورة المسلمين أمام العالم، وإظهارهم بمظهر الأمة المشتتة والمتعصبة لشتى الولاءت وبذلك لا يستحقون التقدير والاحترام، وصدق الله عز وجل إذ يقول: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) [آل عمران:120] .

ويضاف إليها تضخيم مواطن الخلاف، فيظهر التنابز بالألقاب والسعي بالغيبة والنميمة بين أبناء الدين الواحد والقبلة الواحدة، فتتشتت جهودهم في كيل التهم لبعضهم، والتنظير لإثبات مخالفة فريق ما لقواعد الإسلام وأصوله، حتى يضيع وقت الأمة في قيل وقال، بدلًا من أن تصرف الأوقات للدعوة إلى التوحيد والأخلاق الفاضلة والسعي في الأرض والإنتاج والتقدم والنهضة.

••الفرقة مدعاة لسخط الله والحرمان من رحمته.

فقال سبحانه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات:10] .

ومن أسباب هذه الفرقة الموجبة لذلك عدوم اتباع السنة، فالابتداع في الدين، والميل إلى الهوى، والغرور بالدنيا هو سبب التفرق والاختلاف.

••التخلف الحضاري وسقوط الدول تحت الاستعمار.

وهو نتيحة للولاء لأعداء الأمة والاتكال عليهم في أمورنا وخلافاتنا، وحل مشاكلنا، ولذلك يذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يمكن به أن نتجنب ذلك ويعصمنا من هذه القواصم، وجاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ترسخ هذه الأخوة، وتدعو إلى ما يعززها ويقويها، وتنهى عما يضعفها ويصدعها، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس) 111.

وفي جانب النصرة وعدم الخذلان قال صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) 112.

ومن أساليب القرآن في الحث على الجماعة أن الله جعل من أخص صفات المؤمنين أنهم أولياء بعض؛ فقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:71] .

والولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) 113.

ومن أساليب الشريعة في الحث على الوحدة بين المسلمين: تحذيرها من الشذوذ ومفارقة الجماعة، ففي سنن الترمذي عن ابن عمر قال: (خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس: إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، ثم ذكر خطبة جاء فيها:(عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته، فذلكم المؤمن) 114.

إن إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، والوقوف على مواطن القوة فيه، والتي كان من أهم أسبابها وحدة المسلمين قلبًا وقالبًا، وانضواؤهم تحت راية واحدة هي راية الإسلام، وعدم تخوين بعضهم بعضًا، هي الاستفادة الحقيقية من التاريخ، فليس التاريخ مجرد قصص وحكايات تقضى بها الساعات وتقتل بها الأوقات، وليست عيشًا في الماضي، وإنما هي دروس وعبر تدفع الأمة دفعًا نحو المستقبل، بفكر واعٍ وقلب نابض بالحياة.

أولًا: التمحيص والتمييز ورفع المنزلة:

في الفتن يظهر الناس على حقيقتهم، ففي التجربة تتبين حقيقة الفرد فليس كل من يدعي الصبر هو صابر، أو يدعي الزهد هو زاهد، والطريق لكشف هذه الحقائق حقائق الناس هو الفتن ويظهر التمييز في أمور مهمة منها:

••تمييز الصادقين من الكاذبين.

وذلك لأن الصدق أساس الإيمان، ويترتب الثواب عليه، كما قال تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَ?ذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ? لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:119] .

والحكمة في تمييز الصادق من الكاذب يدل عليه قوله تعالى: (الم ?1?أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ?2?وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ?3?) [العنكبوت:1 - 3] .

قال الزمخشري: «والفتنة الامتحان بشدائد التكليف، من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، هجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم، والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله بضروب المحن حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف» 115.

ومن الفتن التي يتميز فيها الصادقون من الكاذبين فتنة الحرب والقتال، فيتوعد الله الجبناء المنهزمين بقوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى? فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:16] .

والتمييز في الفتن التي تصيب الأمة في عقائدها، ويوم تقلب الحقائق، هنا يظهر الصادقون الذي يراقبون الله في كل حال ويقولون كلمة الحق ولو اجتمعت الدنيا ضدهم، وعلى النقيض يظهر الكذابون الدجالون الذين شغلتهم الدنيا عن الدين، وتزداد الفتنة بهم، وتشتد بهم محنة الصادقين:

وفي فتنة الابتلاء بالغنى والسعة في الرزق، كما أخبرنا بذلك تعالى فقال: (? وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ(75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى? يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة:75 - 77] .

فالآيات تتحدث عن طائفة من الناس الذين تظهر الفتنة بالغنى نفاقهم، فقد ادعوا إن أغناهم الله أن يتصدقوا، فلما رزقوا نكصوا وكذبوا فحرمهم الله ما هو أعز من المال، وذلك بأن (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَعَلَى? سَمْعِهِمْ ? وَعَلَى? أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?7?) [البقرة:7] .

••تمييز الصابرين من القانطين.

فالفتنة إذا حلت ميزت الناس على هذين المستويين، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ? وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) [الفرقان:20] .

قال البغوي في تفسير الآية: « (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) أي: بلية، فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله، والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع، وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى، وقيل نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف وقال: أسلم بعده فيكون له علي السابقة والفضل فيقيم على كفره، ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض» 116.

إن فتنة المؤمنين بالكافرين وأذاهم تميز الصابر الذي لا يفت في عضده سخرية جاهل أو بطش كافر أو كيد منافق يتميز هؤلاء من صنف آخر إيمانه ضعيف وعقيدته مهزوزة يفقد زمام الصبر عند تسلط الكفار، ويقنط وييأس، وقد يصل إلى الردة وقد ذم الله تلك الطائفة فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) [العنكبوت:10] .

وقال ابن عباس في الآية: «فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله، وكذا قال غيره من علماء السلف 117.

وهي كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى? حَرْفٍ) [الحج:11] .

إذن لا بد من الفتنة ليتحقق الإيمان، ويدل عليها قوله تعالى: (الم ?1?ھأَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ?2?) [العنكبوت:1 - 2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت