أولًا: التعريف اللغوي:
يدور معنى البخس في اللغة حول مطلق النقص، سواء كان النقص على سبيل الظلم، أو بغير ظلم.
فمن الأول: قولهم في المثل: تحسبها حمقاء وهي باخس، ويقال: باخسة 1.
ومن الثاني: قول الشاعر 2:
قالت سليمى اشتر لنا سويقًا وهات بر البخس أو دقيقًا
ومعنى «بر البخس» في البيت هو الذي لم يسق بماء عدٍ، إنما سقاه ماء السماء، ووجه إطلاق البخس عليه أنه لم ينل من الماء حظًا كافيًا.
إلا أنه اشتهر عرفًا في المعنى الأول، وهو النقص على سبيل الظلم.
وللبخس معان أخرى غير النقص، فيطلق على الظلم، والتغابن، والمكس، وعلى الأرض تنبت من غير سقي، والزرع لم يسق بماء عدٍ، ذلك حاصل ما ذكره أهل اللغة 3.
ثانيًا: التعريف الاصطلاحي:
البخس في الاصطلاح هو: نقص حقوق الناس ظلمًا، قال الراغب الأصفهاني: «البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم» 4.
وعرفه الطاهر ابن عاشور بأنه: إنقاص شيء من صفة أو مقدار هو حقيق بكمال في نوعه 5. وهو قريب مما قبله.
والعلاقة بين معنى البخس في الاصطلاح ومعناه في اللغة واضحة، فهو في الاصطلاح أخص منه في اللغة.
وردت مادة (بخس) في القرآن الكريم (7) مرات 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 5 ... {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42]
المصدر ... 2 ... {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272]
وجاء البخس في القرآن على معناه اللغوي، وهو: المكس ونقص الشيء على سبيل الظلم 7.
النقص:
النقص لغة:
خلاف الزيادة 8.
النقص اصطلاحًا:
عرفه الراغب بأنه الخسران في الحظ 9.
وقال ابن القطاع: النقص في الشيء: ذهاب شيء منه بعد تمامه 10، نحو قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) } [البقرة: 155] .
وقوله جل شأنه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} [ق: 4] .
الصلة بين النقص والبخس:
ويفرق بين النقص والبخس من وجهين:
الأول: أن النقص يكون ظاهرًا وخفيًا، بخلاف البخس.
الثاني: أن النقص يكون بظلم وبغيره، بخلاف البخس. فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص مطلق.
التطفيف:
التطفيف لغة:
من الطفيف، وهو الشيء النزر القليل، وتطفيف المكيال والميزان، أي: نقصه.
قال بعض أهل العلم: إنما سمي بذلك، لأن الذي ينقصه منه يكون طفيفًا 11.
التطفيف اصطلاحًا:
تقليل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه 12. وعرفه الجوهري بأنه: نقص المكيال، وهو أن لا تملاه إلى أصباره 13، وذلك كما في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين: 1 - 3] .
الصلة بين التطفيف والبخس:
التطفيف أخص في الاستعمال من البخس من وجهين:
الأول: التطفيف خاص بنقص المكيال والميزان، والبخس عام في كل حق للإنسان، يقول رشيد رضا: «البخس أعم من نقص المكيل والموزون، فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل» 14.
الثاني: أن التطفيف يكون بالشيء النزر اليسير، والبخس يكون بالقليل والكثير، وبالخسيس والنفيس.
وذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى أنهما متباينان، فخص التطفيف بالأموال المثلية، والبخس بالأموال القيمية 15.
الغبن:
الغبن لغة:
النقص والخدعة، يقال: غبنه في البيع غبنًا بالسكون، وهو الأكثر، وغبنًا بالفتح، أي: غلبه ونقصه، وغبن رأيه غبنًا بالفتح أي: ضعف 16.
الغبن اصطلاحًا:
عرفه الراغب بأنه: أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء 17. وعرفه تقي الدين النبهاني بأنه: بيع الشيء بأكثر مما يساوي، أو بأقل مما يساوي 18.
الصلة بين الغبن والبخس:
البخس نقص الشيء على سبيل الظلم، فإن كان على سبيل الخدعة والخفية فهو الغبن.
القسط:
القسط لغة:
القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط؛ فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ: إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع 19.
القسط اصطلاحًا:
«القسط بالكسر، النصيب بالعدل» 20.
الصلة بين القسط والبخس:
والعلاقة بين القسط -بفتح القاف- والبخس علاقة عموم وخصوص مطلق؛ فإن كلاهما عدول عن الحق، لكن القسط عام في كل عدول عن الحق، لا سيما في العقيدة، والبخس متعلق بحقوق الناس.
والعلاقة بين القسط -بكسر القاف- والبخس علاقة تقابل.
لا تستقيم الحياة الاقتصادية إلا بالمعاوضة القائمة على العدل، ومن ثم حرم الله تعالى كل ما يؤدي إلى اختلال ذلك النظام من الربا، والميسر، والغصب، والسرقة، والغش، والتدليس، والاحتكار، فتلك معاملات محرمة، إما لأنها لم تقم على مبدأ المعاوضة كالسرقة والغصب، أو لأنها تقوم على المعاوضة المبنية على الظلم كالربا والغش والتدليس والبخس.
وتحريم هذه الأنواع يأتي في ضوء تنظيم الشريعة الإسلامية لكيفية حيازة الأموال، وهو أحد دعامتي تنظيم الإسلام للحياة الاقتصادية، والدعامة الثانية تتمثل في تنظيم مصارفها، وهاتان الدعامتان أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) 21.
فالبخس محرم لكونه ظلمًا وتعديًا على حق الغير، وقد سلك القرآن الكريم في ذمه والتنفير عنه كل مسلك، فقد نهى عنه صراحة تارة، وضمنًا أخرى، وعلل النهي عنه بالوعيد الشديد، ورتب عليه فساد الأرض، وأمر بالتوبة عنه، وأخيرًا تنزه الله عز وجل عنه في الدنيا والآخرة. والآن نشرع في تفصيل تلك المسالك منتظمة فيما يلي:
أولًا: تنزيه الله تعالى عنه:
صرح القرآن الكريم بتنزيه الله تعالى عن البخس في الدنيا والآخرة، وذلك من آكد الأساليب في ذم البخس والتنفير عنه، ألا ترى أن الله -جل شأنه- لما حرم الظلم على عباده أكد ذلك التحريم ببيان تنزهه تعالى عنه، فقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) 22.
وقد صرح القرآن الكريم بتنزيه الله تعالى عن البخس في آيتين:
الأولى: قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) } [هود: 16،15] .
والمعنى -كما قال ابن عطية-: «من كان يريد بأعماله الدنيا فقط -إذ لا يعتقد آخرة- فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنعم والحواس وغير ذلك، فمنهم مضيق عليه ومنهم موسع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا النار، ولا تكون لهم حال سواها» 23.
وهذا التوجيه مبني على أنها نزلت في عموم الكفار، وهو ما اقتضاه سياق الآيات وظاهرها.
وقيل: إن الآية نزلت في المرائين، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة 24.
والمعنى: أن من قصد الدنيا بعمله من صلاة وزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة فإن الله يجازيه عليها بالنعم في الدنيا، ولا يحق لهم في الآخرة إلا النار.
وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، وهو مروي عن أنس رضي الله عنه والحسن 25. ولا يبعد هذا القول عن الأول.
والفرق بين الرأيين السابقين: أن ظاهر الآية الكريمة يقضي بخلود من نزلت فيه في النار، فعلى الرأي الأول لا إشكال فيها. وعلى الثاني فهو مشكل لإيمانهم، فقد ثبت -عندنا نحن أهل السنة والجماعة- بالدليل القطعي أن عصاة المؤمنين لا يخلدون في النار، فتؤول ظاهرها بأن قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} بمعنى: ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار 26، وذلك لا ينفي أن يتفضل الله عليهم بالخروج من النار وإدخالهم الجنة بإيمانهم.
وأيًا من نزلت في شأنه الآية الكريمة فإنها صريحة الدلالة على أن الله تعالى لا يبخس أحدًا أجره، ولو كان كافرًا أو عاصيًا، وذلك من كمال عدله جل شأنه، فالبخس صفة ذمٍ، تنزه الحق تعالى عنه. يقول محمد القوجوي: «سواء نزلت في المؤمنين ... أو المنافقين .... أو في الكفار يكون معناها: من كان يريد بما عمله من أعمال البر والإحسان التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها من ثناء الخلق عليه في الدنيا ونحو ذلك، فإن جزاء عمله من أعمال البر والإحسان يصل إليه في الدنيا تامًا كاملًا» 27.
الثانية: قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) } [الجن: 13] .
والآية الكريمة إخبار عن قول الجن إذ استمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أنا لما سمعنا الهدى -وهو القرآن الكريم- سارعنا إلى التصديق به والإذعان له، فمن يؤمن من الجن والإنس بربه فلا يخاف أن يبخس من حسناته شيئًا، ولا أن يحمل عليه من سيئات غيره.
والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة في عدالة الله تعالى 28، فلا يبخس الله أحدًا حقه، ولا يرهقه بما لم تقترف يداه؛ إذ البخس والرهق يتنافيان مع كمال عدل الله تعالى.
وقد دلت الآية الكريمة على ثقة المؤمن بكمال عدل الله تعالى بأبلغ الأساليب، حيث عدل عن التعبير بالجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية في قوله: {فَلَا يَخَافُ} ، قال الزمخشري: «فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرًا له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف؟
قلت: الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالَا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره» 29.
ثانيًا: النهي عنه:
نهى الله تعالى عن البخس في القرآن الكريم، والنهي عن الشيء -بصورة عامة- يستلزم أمرين:
الأول: كونه حرامًا؛ إذ النهي يقتضي التحريم ما لم يرد دليلٌ يصرفه عن التحريم إلى غيره من الكراهة أو الدعاء أو الالتماس أو التحذير أو اليأس أو تحقير شأن المنهي عنه 30.
الثاني: كونه قبيحًا، فقد عرفنا أن النهي عن الشيء يعني قبحه شرعًا، كما أن الأمر بالشيء يعني حسنه شرعًا، إذ العقول السليمة تدرك حسن ما أمر به الله -جلت حكمته- وقبح ما نهى عنه.
وقد جاء النهي الصريح عن البخس في أربعة مواضع، واحدة منهن وردت في سياق آية المداينة، وثلاثة في سياق قصة نبي الله شعيب عليه السلام.
أولًا: ما ورد في سياق آية المداينة، وهو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .
فالنهي عن البخس في قوله: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ورادٌ في سياق الأمر بتوثيق الدين بالكتابة حفظًا للحقوق، وحسمًا للنزاع.
فقد أمر الله تعالى المتداينين بكتابة دينهما -والأمر للندب عند جمهور العلماء، وقيل: للوجوب- وأن لا يكون الكاتب أحد المتعاقدين ضمانًا للحيادية وعدم الانحياز، وأن يكون ذا خبرة بشروط العقود وتوثيقها، وهو اللازم من اشتراط العدالة فيه في قوله: {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} ؛ إذ الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يكتب أجلًا باطلًا في الشرع أو نحو ذلك 31.
وقد أكد اشتراط علمه بقوله: {كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} .
وأن يتولى المدين الإملال 32 على الكاتب بما اتفقا عليه؛ ليكون إقراره أثبت وأوثق.
وأن لا ينقص منه شيئًا، وهو المراد بقوله: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ، وذلك بأن لا يسوغ عبارات محتملة أو يضع شروطًا أو غير ذلك من وجوه الاحتيال التي من شأنها الإضرار بصاحب الدين، هذا التوجيه مبني على أن مرجع الضمير المستكن في {وَلْيَتَّقِ} و {يَبْخَسْ} يعود إلى {الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} ، وهو الراجح؛ صناعةً لكونه أقرب مذكور، ومعنىً لكونه هو من تنازعه نفسه ببخس صاحب الحق حقه.
ونقل الآلوسي جواز رجوعه إلى الكاتب، وضعفه بأن الكاتب يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص، فلو أريد نهيه لنهى عن كليهما 33.
وقد اقترن هذا النهي بالأمر بالتقوى، فقال جل شأنه: {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ، ولهذا الاقتران دلالات عدة، منها:
-ربط الأحكام الشرعية بالوازع الديني.
وذلك لأن الوازع النفسي للتمسك بها أقوى وأعم من الوازع الخارجي، ومن ثم كثر اقتران الأوامر والنواهي بالتقوى، كما في قوله جل شأنه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: 1] .
وقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ? لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ?) [الطلاق: 1] .
ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم.
-النهي ضمنًا عن البخس خاصة، وعن سائر ما يؤدي إلى الخصومة والنزاع بين المتداينين عامة.
فمعنى قوله: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) أي: عليه عند الإملاء أن يراقب الله ربه جل جلاله فلا يملي بما يضر بصاحب الدين، وقد جمع بين لفظي الألوهية والربوبية ترهيبًا وترغيبًا، فلفظ الجلالة (للَّهَ) له من الدلالة على معاني الترهيب ما يردع عن اقتراف الذنب، كبيرًا كان الذنب أو صغيرًا، ولفظ (رَبَّهُ) له من الدلالة على معاني الترغيب ما يحمل النفس على الالتزام بما أمر الله به وبما نهى عنه.
قال العلامة أبو زهرة: «وإذا كانت تبعة الإملاء قد وضعت في عنق من عليه الحق، فإن عليه عند الإملاء واجبين: تقوى الله، وعدم البخس؛ ... وقد وثق سبحانه الأمر بالتقوى بأن جعل التقوى من الله، وهو رب كل شيء ورب من عليه الحق، أي: عليه عند الإملاء أن يراقب الله جل جلاله الواحد القهار، الغالب على كل شيء، المسيطر على كل شيء، الذي يغلب ولا يغلب، فلا يتلاعب بالعبارات حتى لا يذهب بحق صاحب الحق، ثم ليعلم أن الذي عليه أن يتقيه هو ربه الذي ذرأه ورباه ونماه، ووهب له المواهب التي توجب الشكر، ولا تسوغ التلاعب بالحقوق» 34.
-تأكيد النهي عن البخس وتوثيقه؛ لما يترتب عليه من أضرارٍ خطيرة.
قال أبو السعود: «وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس؛ لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه؛ فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما في ذمته بما أمكن» 35.
ثانيًا: ما ورد في قصة نبي الله شعيب عليه السلام.
بعث الله تعالى نبيه شعيبًا عليه السلام إلى مدين -وهي اسم قبيلة تنسب إلى مدين ابن خليل الله إبراهيم عليه السلام - وأصحاب الأيكة، كلاهما سكن شمال الحجاز، وكانوا عربًا مستعربة، عبدوا غير الله، وكانوا في رغد من العيش، ومع ذلك نقصوا الكيل والميزان، وبخسوا الناس أشياءهم، وسعوا في الأرض فسادًا، فأمرهم نبي الله شعيب عليه السلام بعبادة الله وحده، وترك ما هم عليه من صور الظلم والفساد، ولنقف مع الآيات التي ورد فيها النهي عن البخس إجمالًا:
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف: 85] .
وقال جل شأنه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) } [هود: 86،86] .
وقال سبحانه: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) } [الشعراء: 181 - 183] .
فالآيات السابقة اشتملت على النهي عن البخس بأبلغ الأساليب وأدقها، وإن اختلفت طريقة العرض فيما بينها على حسب اختلاف موضوع السورة وسياقها، ولنقصر الحديث هنا على ما يتعلق بالبخس، وأوجز القول عنه فيما يلي:
أولًا: أن النهي عن البخس جاء صريحًا تارة، حيث قال: {وَلَا تَبْخَسُوا} ، وضمنًا تارة أخرى، حيث أمرهم -في المواضع الثلاثة- بإيفاء الكيل والوزن والعدل فيهما، ونهاهم عن نقصانهما، وكل ذلك يتضمن النهي عن البخس.
فإن قيل: هل للنهي عن البخس بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان والعدل فيهما فائدة؟
فالجواب: نعم، له فائدة من وجهين:
الأول: أنه أفاد التأكيد، فإن القوم كانوا مصرين على بخس الناس أشياءهم، فكرر النهي عنه -تارة صريحًا وأخرى ضمنًا- والتكرار يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام 36.
قال أبو السعود: «وقد صرح بالنهي عن البخس بعد ما علم ذلك في ضمن النهي عن نقص المعيار، والأمر بإيفائه اهتمامًا بشأنه وترغيبًا في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها» 37.
الثاني: أن النهي عن بخس الناس أشياءهم أعم من الأمر بإيفاء الكيل والميزان والعدل فيهما، قال الفخر الرازي: «لما نهى قومه من البخس في الكيل والميزان، منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل» 38.
كذلك النهي عن الفساد في الأرض أعم من النهي عن البخس؛ بل إن البخس يؤدي إلى المنازعة والخصومة وسفك الدماء، فالجمع بينهما إنما هو جمعٌ بين النهي عن السبب ومسببه معًا.
قال الطاهر ابن عاشور: «وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج، فابتدأه بنهيهم عن نوع من الفساد فاش فيهم وهو التطفيف، ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس، ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال» 39.
ثانيًا: أن النهي عن البخس جاء معللًا:
ففي سورة الأعراف جاء التعليل بقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فاسم الإشارة {ذَلِكُمْ} يعود على جملة ما أمرهم به ونهاهم عنه، أي: إنما طلبت منكم ما طلبته؛ لأن ذلكم خير لكم، والمراد بالخيرية ما يشمل خيري الدنيا والآخرة بشرط الإيمان، فإن ذلك يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاء الود بين الأمة، وزوال الإحن المفضية إلى الخصومات والمقاتلات، فإذا تم ذلك كثرت الأمة وعزت، وهابها أعداؤها، وحسنت أحدوثتها، وكثر مالها بسبب رغبة الناس في التجارة والزراعة لأمن صاحب المال من ابتزاز ماله.
وفيه خير الآخرة؛ لأن ذلك إن فعلوه امتثالًا لأمر الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله، فنجوا من العذاب، وسكنوا دار الثواب، فالتنكير في قوله: {خَيْرٌ} للتعظيم والكمال؛ لأنه جامع خيري الدنيا والآخرة 40.