فهرس الكتاب

الصفحة 2328 من 2431

أي: حسن بوسوسته وإغوائه، فأراهم أعمالهم القبيحة حسنة فغرر بهم. فصدهم عن السبيل وهي طريق الإيمان بالله ورسله. وذلك أن الشيطان أتاهم من هذه الثغرة المكشوفة، وهي غرورهم بأنفسهم، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع 122.

(وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: «معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جدًا؛ لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا» 123.

أما مظاهر هذه الغفلة وصورها فتظهر في كثير من أقوالهم وأعمالهم فمن الأقوال:

«عن ابن عباس في قوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) يقول: بعيد بعيد» 124.

«استبعد القوم بعثهم بعد الموت؛ إغفالًا منهم للتفكر في بدو أمرهم، وقدرة الله على إيجادهم، وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدًا، (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) يعنون: ما الحياة إلا ما نحن فيه، وليس بعد الموت حياة» 125.

أما الأفعال التي تدل على الإمعان في الغفلة فهي:

الذي دل عليه قوله تعالى: (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت:15] .

وقوله: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) [هود:53] .

(وَتِلْكَ عَادٌ ? جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [هود:59] .

الذي دل عليه قوله تعالى: (إِنْ هَ?ذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ?137?وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ?138?فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً ? وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ?139?ٹ) [الشعراء:137 - 139] .

الذي دل عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى? عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) [الأحقاف:26] .

كما وصفهم نبيهم عليه السلام بعد أن بذل أقصى ما في وسعه من التبليغ والبيان قال تعالى: (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) [الأحقاف:23] .

وعدم الاكتراث بكل ما جاء به هود عليه السلام: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ?) [هود:53] .

فأكدوا عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد لتقوية جوابهم، دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه 126.

وقال: (? وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [الأعراف:72] .

رابعًا: الاتهام بالجنون والسفه والكذب:

وجهت عاد إلى نبيها هود عليه السلام عدة اتهامات أظهرها الاتهام بالسفه والجنون والكذب، وإليك بيان ذلك من خلال الآيات التي دلت عليه:

قال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ?66?قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?67?أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ?68?) [الأعراف:66 - 68] .

بينت هذه الآيات الاتهام الأول وهو السفه بقولهم: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) . والسفاهة: مصدر يعبر به عن الحال المهلهلة الرقيقة التي لا ثبات لها ولا جودة، والسفه في الثوب خفة نسجه 127، أي: «متمكنا في خفة عقل راسخًا فيها؛ حيث فارقت دين آبائك» 128. حيث «جعلوا قوله: (مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ?) [الأعراف:65] كلامًا لا يصدر إلا عن مختل العقل؛ لأنه من قول المحال عندهم» 129.

وقولهم: (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) في دعوى الرسالة، وظن على بابه؛ لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص 130.

«وفي تعبيرهم (فِي سَفَاهَةٍ) جعلوا السفاهة ظرفا على طريق المجاز، أرادوا أنه متمكن فيها غير منفك عنها 131.

وفي أسلوب الإجابة الذي واجههم به، بطريق الحلم والإغضاء مع رميهم له بالسفاهة، وترك المقابلة بما قالوه مع علمه بما هم عليه من السفاهة أدب حسن وخلق عظيم، وحكاية الله عز وجل ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويحلمون عليهم» 132.

واكتفى بنفي السفاهة عن نفسه بإثبات ما يضادها فقال: (?يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حيث يستحيل أن يرسل الله سفيهًا.

وفي مضمون الإجابة بقوله: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) «أي: عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة، فما حقي أن أتهم. أو أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه» 133.

ولما كانت السفاهة من صفات النفس وهي ضد الحلم، وهو معنى ثابت يولد الخفة والعجلة المذمومتين، والحلم معنى ثابت يولد الأناة المحمودة، فقد أجابهم هود عليه السلام بما يتناسب مع قولهم وينفي عن نفسة ما رموه به بإثبات صفة ثابتة في النفس تبطلها 134.

فوصف نفسه بأن ناصح بصيغة اسم الفاعل الدال على الثبوت، ولم يقل أنصح بصيغة الفعل الدال على الحدوث. وفي هذه الإجابة ما يدل على بطلان قولهم من المقال، ومن واقع الحال، فإن الناصح الأمين لا يكون سفيهًا أبدًا وفي طريقة إجابته لهم بنفي السفه عن نفسه دون أن ينسبهم إلى السفاهة ولو كان حقًا، فلو قال: بل أنتم السفهاء لكان صادقًا ولكنه أعرض عن مواجهة السفهاء بأسلوبهم، وكان في غاية الرزانة حيث لم يستثيروه ولم يستفزوه؛ ليخرج عن حدود الحلم والحكمة والأدب، وهذا من أبلغ الأحوال الدالة على نزاهته من السفاهة.

وفي جوابه ترفق بهم وتجرد عن حظ نفسه لا يخفى، فلم يستثرهم بما يحملهم على النفور ولم يذمهم بوصفهم بالسفه انتصارًا لنفسه؛ كي لا يتحول الحوار إلى مساجلات شخصية.

أما الاتهام الثاني وهو الجنون فقد ورد في قوله تعالى: (إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا) [هود:54] .

أي: لا نجد قولًا نقوله فيك إلا أن بعض آلهتنا أصابك بمس من جنون أو خبل؛ لإنكارك لها؛ وصدك إيانا عن عبادتها، والمراد أن أصنامهم كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء أي: إن ما تقوله لا يصدر إلا عمن أصيب بشيء اقتضى خروجه عن قانون العقل، فلا يعتد به؛ لأنه من قبيل الخرافات والهذيانات التي لا تصدر إلا عن المجانين فكيف نؤمن بك؟! 135.

وأوردوا تعبيرهم بصيغة الحصر الموهم أنهم قد سبروا غور كل الاحتمالات المتوقعة التي تناسب حاله فما وجدوا أصوب ولا أمثل ولا أجدر في إصابة الحق من هذا القول.

الاتهام الثالث: الكذب حيث ادَّعوا أنه يفتري عليهم الكذب فقالوا: (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا) [الأحقاف:22] .

«الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، وفي قوله تعالى: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا) ، استعملوا الإفك في ذلك لما اعتقدوا أن ذلك صرف من الحق إلى الباطل فاستعمل ذلك في الكذب» 136.

أي: أنهم أتهموا نبيهم بأنه يريد إزالتهم عن عبادة آلهتهم بالإفك. ولما عقبوا عليه بقولهم (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الأحقاف:22] .

أضمروا الإصرار، أي: لن ننصرف عن آلهتنا، فأتنا بالعذاب الذي تتوعد به، ونزلوا الوعيد منزلة الوعد استهزاء وإمعانا في التكذيب. فقال لهم هود عليه السلام (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ) [الأحقاف:23] .

أي: لا علم لي بالوقت الذي عيَّنه الله لتعذيبكم، فلا معنى لاستعجالكم (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ) [الأحقاف:23] .

وما علي إلا أن أبلغ رسالة ربي، فالأمر كله بيده وحده وما على الرسول إلا البلاغ، ثم استدرك عليه السلام فأعلن ما استقر في إدراكه من حالهم قائلا: (وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) [الأحقاف:23] .

أي: أعلمكم علمًا هو كالرؤية (قَوْمًا) ليعم الحكم جميعهم (تَجْهَلُونَ) جهلًا متجددًا، لم يحدد مفعوله ليشمل كل ما يستدعي الأمر علمه من استبانة ضلالهم من إصرار على آلهة باطلة، وتكذيب لنبي صادق، واستعجال بعذاب مستحق دون الاحتراز منه، وجهل في ادعاء قدرة النبي على العذاب ونحوه، ولا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا معذبين مقترحين 137.

وأي جهل أعظم من الشرك بالله ونسبة نبي الله إلى الكذب. ومن ترك طريقة الاحتياط واستعجال ما فيه الهلاك 138.

ومن علائم جهلهم إصرارهم على طلب العذاب ولم تظهر لهم بينة على كونه كاذبًا، فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم 139.

خامسًا: التعجيز والتحدي:

قال تعالى: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ?53?إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) [هود:53 - 54] .

جمعت هذه الآيات خلاصة موقف عاد من نبيهم هود عليه السلام وأجوبتهم له «ودلت على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح. ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا يدل على جهل مفرط وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب» 140، واشتملت إجابتهم على أربعة أمور:

الأول: الإنكار والجحود للبينات.

الثاني: الإصرار على ما هم عليه بالتمسك بآلهتهم.

الثالث: عدم الاكتراث بقوله حيث لا تقوم به الحجة عليهم وهو إنكار للنبوة.

الرابع: ادعوا أن لآلهتهم تأثيرا عليه، وأنه قد أصابه بعضها بسوء بلغ به حد الجنون. وهذا القول يتضمن التهديد والتخويف، فهذا فعل بعضها فكيف لو اجتمعت إذا لدكته دكا 141.

فكل ما بذله من جهد وبيان لا يبلغ حد الاعتبار في نظرهم، مع التهديد والتخويف من آلهتهم، وهذا يستدعي تصعيد المواجهة بما تقوم به الحجة وهي المعجزة التي تظهر بالتحدي وإثبات تفاهة آلهتهم وعجزها الذي دلت عليه الآيات الآتية: (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ?54?مِنْ دُونِهِ ? فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ?55?إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ? مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ? إِنَّ رَبِّي عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?56?فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ? وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ? إِنَّ رَبِّي عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ?57?) [هود:54 - 57] .

ففي هذه الآيات أجاب هود عليه السلام إجابة جامعة ترد على الأمور الأربعة التي أعلنوها، وتبدد كل أباطيلهم حيث أعلن نبي الله براءته من آلهتهم مشهدا لله تعالى، معلنا عن ذلك بصيغة الجملة الخبرية وهي في المعنى إنشائية بمعنى (اللهم اشهد) «لأن كل إنشاءٍ لا يظهر أثره في الخلق من شأنه أن يقع بصيغة الخبر، لما في الخبر من قصد إعلام السامع بما يضمره المتكلم» 142.ومشهدا لهم على هذه البراءة استخفافا بهم وبآلهتهم، وإعلاما لهم بعجزها، مؤيدا ذلك بالتحدي الذي يقيم البرهان على إثبات عجزها وقصورها فضلا عن أن تعتريه بسوء، وذلك بقوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا) أي: «كيدوا لي، وخذوني بما تستطيعون من كيد، والكيد: إعمال الحيلة، وإحكام التدبير، لما يراد من الأمور ويستعمل الكيد غالبا في الشر، (ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) : أي: لا تتوانوا في إعمال كيدكم لي، والمبادرة به» 143.

وفي قوله: (جَمِيعًا) رد على قولهم: (بَعْضُ) أي: أنه أمرهم بالاجتماع والاحتشاد مع آلهتهم جميعًا دون بعضٍ منها مبالغة في التحدي 144.

وجعل هذا التحدي ردًا عمليًا على قولهم (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) وعلى قولهم: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) «ووجه الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما لا يعقل ولا يسمع، فأمر قومه بأن يكيدوه. وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراةً لاعتقادهم واستقصاءً لتعجيزهم، أي: أنتم وأصنامكم، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم» 145.

والنتيجة الحتمية لهذا التحدي الذي أثبت جدواه بعجزهم وعجز آلهتهم عن إيذائه بأي شيء دليل على صدقه وحجية قوله وأنه نبي مرسل يلزمهم ترك آلهتهم طاعة له، وهي دليل على عظمة إلهه الذي حماه وأيده ورد الكيد عنه في مثل هذا الوسط مع كثرتهم وقوتهم وشدة بأسهم، وحرصهم على تكذيبه وهو فرد ليس له نصير إلا مولاه الذي يدعو إليه.

سادسًا: استعجال العذاب:

قال تعالى: (. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ? فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الأعراف:70] .

وقال: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الأحقاف:22] .

وذلك أنهم طلبوا الإتيان بالعذاب إمعانا في التكذيب وتماديا في الضلال، واستهانة بوعد نبيهم عليه السلام، ويدل على أنهم كانوا يستبعدون العذاب ويكذبون بكل ما جاءهم به نبيهم قولهم: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [الشعراء:138] .

وبينما هم غارقون في غفلتم متمادون في تكذيبهم إذ جاءتهم بوادر العذاب بصورة يتوهمون فيها البشارة بالغيث بعد سنين من القحط ليكون وقع العذاب أنكى وأشد. قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَ?ذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ? بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ? رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ?) [الأحقاف:24] .

قال ابن كثير: «كان أول ما ابتدأهم العذاب، أنهم كانوا ممحلين مسنتين 146، فطلبوا السقيا فرأوا عارضًا في السماء وظنوه سقيا رحمةٍ، فإذا هو سقيا عذابٍ 147.

أي: فلما رأوا العذاب في صورة سحاب يوهم بالغيث، حسبوه سحابًا يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه عارضًا ظاهرا في عرض السماء (مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) فرحوا واستبشروا. وكان قد جاءهم من وادٍ جرت العادة أن يأتي منه الغيث 148.

قيل لهم ردًّا على توهمهم: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ) يعني: من العذاب الذي استعجلوه بقولهم: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) وذلك استبعادًا منهم لوقوعه، ثم بين ماهيته فقال: (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) ثم وصف تلك الريح بأوصاف مفزعة كما سيأتي بيانه.

أخرج الإمام أحمد عن الحارث بن يزيد البكري، قال: (خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوزٌ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة فإذا المسجد غاصٌ بأهله، وإذا رايةٌ سوداء تخفق، وبلالٌ متقلدٌ السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزله-أو قال: رحله-فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت، فسلمت فقال:(هل كان بينكم وبين بني تميمٍ شيءٌ؟) قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوزٍ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميمٍ حاجزًا، فاجعل الدهناء، فحميت العجوز، واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: قلت: إنما مثلي، ما قال الأول: معزاةٌ حملت حتفها، حملت هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا أعوذ بالله، ورسوله أن أكون كوافد عادٍ قال: (هيه، وما وافد عادٍ؟) وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم، يقال له: قيلٌ، فمر بمعاوية بن بكرٍ، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج جبال تهامة، فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريضٍ فأداويه، ولا إلى أسيرٍ فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت مسقيه، فمرت به سحاباتٌ سودٌ فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رمددًا ولا تبق من عادٍ أحدًا، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح، إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا، قال أبو وائلٍ: وصدق قال: (فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم، قالوا: لا تكن كوافد عادٍ) 149.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال:(اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) قالت: (وإذا غيبت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر. فإذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عادٍ:(فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) 150.

فكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشية لله ويعلم من حاله ومقاله كيف يحذر المرء من غضبه ليكون حذرا من الخروج عن طاعته، غير آمن من مكره أمنا يدفع إلى الاستهانة بحق الله قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ? فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99] .

[انظر: عاد: موقفهم من رسولهم ومعجزاته]

أولًا: المقدمات التي سبقت العذاب:

جاءت المقدمات التي سبقت العذاب بصور من التحذير والوعيد والإمهال ثم حلول الرجس والغضب؛ ففي مشهد من المشاهد الأخيرة من الحوار بين هود عليه السلام وقومه يقول: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ? وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ? إِنَّ رَبِّي عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود:57] .

محذرًا لهم من النهاية التي لا تدع منهم أحدا لهوانهم على الله واقتداره عليهم. أي: إن تتولوا أهلككم الله، ويستبدل قومًا غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه. (وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم، وذلك أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئًا؛ لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء 151.

ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدًا مجددًا فقال: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) [الأعراف:71] .

أي: فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام إني معكم من المنتظرين. وهو أمر يتضمن الوعيد والإمهال 152، وقال: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) [الحج:44] .

«أي: أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) عاقبتهم» 153، وهذه سنة إلهية ماضية في المكذبين يمهلهم إلى آجالهم، ثم يأخذهم بجميع ما صدر منهم.

وذكر استحقاقهم للعذاب وحلول النقمة من الله عليهم بجحودهم لوحدانية الله (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) [الأعراف:70] .

استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ?) [الأعراف:71] .

أي: حق عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب.

أي: «أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت لا جرم قال هودٌ في ذلك الوقت: وقع عليكم من ربكم رجسٌ وغضبٌ، أو أنه جعل التوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع. ونظيره قولك لمن طلب منك شيئًا قد كان ذلك بمعنى أنه سيكون ونظيره قوله تعالى: (أَتَى? أَمْرُ اللَّهِ) [النحل:1] .

بمعنى: سيأتي أمر الله» 154.

«الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب؛ لأن المراد من الغضب العذاب فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير وأيضًا الرجس ضد التزكية والتطهير. قال تعالى: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة:103] .

وقال في صفة أهل البيت: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ?) [الأحزاب:33] .

والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة وإذا كان كذلك وجب أن يكون الرجس عبارةً عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة» 155. ويدخل فيه: الرين على القلب بزيادة الكفر 156.

«وحاصل الكلام في الآية: أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفرًا وهو المراد من قوله: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ) ثم خصهم بمزيد الغضب وهو قوله: (وَغَضَبٌ) » 157 وهو ما يوجب العذاب.

ثانيًا: صورة العذاب:

تحدثت الآيات القرآنية عن العذاب الذي حل بقوم عاد بأساليب متنوعة وصيغ متعددة، تعرض لحقيقته وصورته من عدة وجوه لا تعارض بينها؛ فأحيانا يذكر العذاب بإجمال كما في قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً ? وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) [الشعراء:139] .

فرتب على التكذيب إهلاكهم دون أن يفصل في بيان طريقة الإهلاك الذي تولت بيانه سور أخرى.

(إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [ص:14] «فوجب أو لزم وثبت أن أعاقبهم» 158.

(. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) [الفجر:6] .

إلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) [الفجر:13] .

أي: أفرغ عليهم أشد أنواع العذاب. فالصب يعبر به عن الكثرة، والسوط يعبر به عن الشدة.

وقال كذلك على سبيل الإجمال: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى?) [النجم:50] .

وقال: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) [الحج:44] .

وأحيانًا يذكر ما حل بهم على جهة التفصيل كما في قوله تعالى: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ?41?مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ?42?) [الذاريات:41 - 42] .

وقوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى? ? وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) [فصلت:16] .

وقوله: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ?18?إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ?19?تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ?20?) [القمر:18 - 20] .

وقوله: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ?6?سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى? كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ?7?فَهَلْ تَرَى? لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ?8?) [الحاقة:6 - 8] .

فبين في هذه الآيات أن العذاب الذي حل بهم كان بالريح الشديدة المهلكة التي وصفها بأوصاف عديدة تدل على ما جمعت من خصائص العنف والنكال.

فمرة وصفها بالعقيم «وأصل العقم: اليبس المانع من قبول الأثر، والريح العقيم: وهي التي لا تلقح سحابا ولا شجرا وهي التي لا تقبل أثر الخير، وإذا لم تقبل ولم تتأثر لم تعط ولم تؤثر» 159. وهي التي لا رأفة فيها ولا رحمة 160.

كما وصفها بصرصر وهذا اللفظ يجمع ثلاثة معاني هي الصوت والبرد 161 والعزم 162.فيكون وصفها أنها «الريح العاصفة الشديدة الهبوب التي يسمع لهبوبها صوتٌ شديدٌ، وعلى هذا، فالصرصر من الصرة التي هي الصيحة المزعجة. ولا يمنع أن يكون بردها واصلا درجة الإحراق مأخوذ من قوله تعالى: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) [آل عمران:117] . أي: فيها بردٌ شديدٌ محرقٌ» 163.

ووصفها كذلك بالعاتية، وأصلها من «عتا يعتو عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد» 164 الريح العاتية: «أي: مبالغة في الشدة» 165 أو «شديدة الهبوب» 166.

أما دوامها على هذه الحال بما جمعت من أوصاف الشدة فقد استمرت طيلة أيامٍ وصفت في سورة فصلت بأنها (نَحِسَاتٍ) دون ذكر عددها، وقال المفسرون في معنى (نَحِسَاتٍ) قولين أحدهما: الشديدة البرد والآخر: أنها المشؤومة 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت