فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 2431

وقوله تعالى: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} ، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة 33.

ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة.

4.جنات عدن.

العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به» 34، وقيل: العدن: الاستقرار 35.

قال البيضاوي رحمه الله: «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة» 36.

وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) } [الرعد: 23] .

وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النحل: 31] .

حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة {جَنَّاتُ عَدْنٍ} ، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل 37.

وذكر {يَدْخُلُونَهَا} ، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين 38.

ويذكر الإمام الماوردي رحمه الله في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن:

الأول: أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس 39.

الثاني: أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا 40.

الثالث: أن عدن اسم لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد الله بن مسعود.

الرابع: أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن.

الخامس: أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين، رواه معاذ بن جبل مرفوعًا.

وعلى الرغم من تعدد الأقوال في جنات عدن إلا أنها لا دليل عليها من الأدلة النقلية والعقلية، وأن جنات عدن اسم يدل على الجنة ذكر في القرآن الكريم وهي دار الإقامة والخلود أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولا يوجد دليل قطعي يؤكد أن جنات عدن هي قصر أو نهر في الجنة، وأما القول بأنها لفظ سرياني فهذا يخالف قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) } [الشعراء: 195] .

5.دار الحيوان.

هي الجنة دار الحياة؛ أي لا موت فيها، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .

أي: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها ها هنا، وبه سمي ما فيه حياة: حيوانًا 41.

قال الراغب الأصفهاني: «وقد نبه بقوله تعالى: {لَهِيَ الْحَيَوَانُ} أن الحيوان الحقيقي السرمدي الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللغة: الحيوان والحياة واحد، وقيل: الحيوان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة، والحيا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) } [الأنبياء: 30] » 42، وقوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: «لآثروا ما يبقى على ما يفنى» 43.

ويتضح مما تقدم أن دار الحيوان هي دار الجنة التي لا تفنى ولا تزول، ولا يقع فيها موت لأحد. ولم تذكر تسمية دار الحيوان إلا في هذه الآية المتقدمة.

6.جنة المأوى.

هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة.

وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علمًا من البعد وأيًّا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا 44.

وورد ذكر هذه الجنة في القرآن الكريم في موضعين: في قوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) } [السجدة: 19] .

وقوله تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) } [النجم: 15] .

ووصف الجنة في آية أخرى بقوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات: 41] .

والمأوى: اسم مكان 45 تدل على الاستقرار في مكان، سواء كان في الجنة أو غيرها.

قال الإمام السيوطي: «هي اسم لجميع الجنان، يدلّ عليه قوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) } [السجدة: 19] .

والجنة اسم الجنس، فمرة يقال جنة، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عدن، وجنة عدن» 46.

7.الفردوس.

وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) } [الكهف: 107] .

وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون: 11] .

يخبر تعالى في الآيتين الكريمتين عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس، أما أصل كلمة الفردوس فقد اختلف في لفظه على أربعة أقاويل:

الأول: أنه عربي، وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب 47.

الثاني: أنه بالرومية، قاله مجاهد 48.

الثالث: أنه بالنبطية، فرداسًا، قاله السدي 49.

الرابع: بالسريانية، قاله أبو صالح 50.

وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه كرم (فردوسًا) ، قال الزجاج: وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية 51.

ويرجح بعض الباحثين أن تكون كلمة الفردوس معربة عن الرومية، أي اليونانية، وعزا سبب ذلك إلى انتشارها على لسان أهل الشام أكثر من غيرهم 52، وللعلماء آراء في معنى كلمة الفردوس، منها:

أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة 53.

الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب مرفوعًا 54.

الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد 55.

الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج 56.

الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، قاله كعب 57.

والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة 58) .

ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا يرى ابن القيم رحمه الله أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه 59.

ثانيًا: درجات الجنة:

لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب الإيمان والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها المؤمن ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة.

قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) } [طه: 75] .

ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالإيمان والعمل الصالح الموصلين إلى الجنة.

والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] .

تنبيهًا لرفعة منزلة الرجال عليهن في العقل والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] .

وقال: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] .

وقال: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163] .

أي: هم ذوو درجات عند الله، ودرجات النجوم تشبيهًا بما تقدم 60.

وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) } [آل عمران: 163] .

أي: «ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه، قيل: هم درجات متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن ابتغى رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم، ومعنى {هُمْ دَرَجَاتٌ} ، أي: ذوو درجات، أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات، وأهل النار أيضًا ذوو درجات، فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم المؤمنون يختلفون أيضًا، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار» 61.

وقال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء: 21] .

قال الإمام الرازي رحمه الله: «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» 62.

ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين.

قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) } [الرحمن: 46] .

وقال تعالى: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) } [الرحمن: 62] .

وإن أعلى درجات الجنة هي الفردوس الأعلى، قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون: 10 - 11] .

وتؤكد السنة النبوية أيضًا أن للجنة درجات، وأن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم، وذلك بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) 63.

وفي الحديث دلالة على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني حصر درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل الله تعالى، لا الإخبار بحصر درجات الجنة، ويؤيد ذلك أن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله، فهو في درجة ليس فوقها درجة، أمّا هذه الدرجات المائة فنالها آحاد أمته بالجهاد.

وصح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) 64.

قال القاضي عياض: «يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: «يتراءون كالكوكب الدري» ، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان مما لا يخطر على قلب بشر، ولا بصفة واصف، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلًا كثيرًا، وينسي بعضه بعضًا، ومثل تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض، والأول أظهر» 65.

ومعنى ذلك أن الجنة مائة درجة جعلها الله تعالى لعباده المؤمنين على قدر أعمالهم في حياتهم الدنيا، وأن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم.

وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] .

قال الزمخشري: «أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس» 66.

ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله تعالى من صفوة الخلق، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات النعيم، أعلى درجة في الجنة، ليس فوقها درجة، اختص بها صلى الله عليه وسلم دون غيره من أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام.

فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) 67.

وسمّيت درجة النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش، وأصل الوسيلة القرب، من وسل إليه إذا تقرب إليه، ومعناها الوصلة، ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورًا ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق عبودية لربه وأشدهم له خشية كانت منزلته أقرب المنازل لعرشه 68.

لذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أمته وأمرها أن يسألوا الله تعالى له الوسيلة لينالوا بهذا الدعاء شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة.

وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهناك أيضًا أدنى أهل الجنة منزلة، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] ) 69.

فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات.

تحدث القرآن كثيرًا عن الجنة وصفاتها وما فيها من النعيم المقيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وسوف نستعرض في هذا المبحث بعض ما جاء فيها من خلال النقاط الآتية:

أولًا: أبواب الجنة:

ذكر القرآن الكريم في آياته أن للجنة أبوابًا يدخل منها المؤمنون إلى جنات الخلد.

وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: «الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25] .

وقال تعالى: {لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] .

ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصل إليهما» 70.

أما أبواب الجنة قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) } [الزمر: 73] .

قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة {زُمَرًا} ، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا» 71.

وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} .

وقال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) } [ص: 50] .

أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب 72، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب 73.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا» 74.

وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد رضي الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون) 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت