فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس رحمه الله: النون والذال والراء كلمةٌ تدل على تخويفٍ أو تخوفٍ، منه الإنذار: الإبلاغ؛ ولا يكاد يكون إلا في التخويف.

ونذر بالشيء، كفرح: علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارًا ونذرًا -ويضم وبضمتين- ونذيرًا: أعلمه، وحذره، وخوفه في إبلاغه، والاسم: النُذْرى بالضم-، والنذر -بضمتين- والنذير: الإنذار، كالنذارة -بالكسر-، وهذه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه والمنذر، وجمعها: نذرٌ، وصوت القوس، والرسول، والشيب، وتناذروا: أنذر بعضهم بعضًا 1.

والإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف، والاسم النذر 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الإنذار: إخبارٌ فيه تخويف، كما أن التبشير إخبار فيه سرور 3.

والإنذار: الإعلام بما يحذر منه، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه الاحتراز، فإن لم يسع زمانه الاحتراز كان إشعارًا وإيذانًا بوقوع المحذور 4، وهو مقصور على إبلاغ المحذر عن الأمر المخوف منه دون أن يتضمن ذكر الوعيد 5.

والغرض منه الإعلام بموضع المخافة؛ لتقع به السلامة 6.

ويمكن تعريفه بأنه: الإبلاغ عن خطر يترتب على فعل لابد من تركه؛ ليمتنع وقوع الخطر.

فالمعنى الاصطلاحي لا يختلف عن المعنى اللغوي.

وردت مادة (نذر) في القرآن الكريم (130) مرة، يخص موضوع البحث منها (124) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 10 ... {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) } [البقرة:6]

الفعل المضارع ... 26 ... {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام:130]

فعل الأمر ... 9 ... {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [مريم:39]

المصدر ... 1 ... {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) } [المرسلات:6]

اسم الفاعل ... 15 ... {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) } [الصافات:72]

اسم المفعول ... 5 ... {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) } [النمل:58]

صيغة المبالغة ... 44 ... {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) } [هود:2]

الاسم ... 12 ... {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) } [القمر:5]

وجاء الإنذار في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: إخبار فيه تخويف، والنذير: المنذر، ويقع على كل شيء فيه إنذار، إنسانًا كان أو غيره 8.

التخويف:

التخويف لغة:

الإخافة، وهو إدخال الخوف في نفس المخاطب 9.

التخويف اصطلاحًا:

إدخال الفزع في قلب المخاطب 10؛ حثًا على التحرز من ارتكاب محظور 11.

الصلة بين الإنذار والتخويف:

الإنذار تخويف مع إعلام موضع المخافة، فإذا خوف الإنسان غيره وأعلمه حال ما يخوفه به فقد أنذره، وإن لم يعلمه ذلك لم يقل: أنذره 12، ويقال: خوفه.

التهديد:

التهديد لغة:

التخويف 13، والتوعد بالعقوبة 14.

التهديد اصطلاحًا:

زعزعة أمن المخاطب بالوعيد 15، وتخويفه بأمر مكروه مفسد لحاله.

الصلة بين الإنذار والتهديد:

الإنذار: تخويف مع إعلام موضع المخافة، أما التهديد: الوعيد والتخويف بالعقوبة 16، فالإنذار يتعلق بالمخوّف والمخوّف منه، أما التهديد فيتعلق بالعقوبة المحققة للمنذر.

الوعيد:

الوعيد لغة:

التهديد بالشر 17.

الوعيد اصطلاحًا:

إنذار بما سيحدث من دمار ونكبات 18.

الصلة بين الإنذار والوعيد:

سبب الإنذار النصح والشفقة، أما الوعيد فهو حاصلٌ عن غضبٍ 19.

الترهيب:

الترهيب لغة:

التخويف الشديد 20.

الترهيب اصطلاحًا:

المبالغة في إثارة القلق والاضطراب في نفس السامع ظاهرًا وباطنًا 21 من شيء؛ ليتحاشاه.

الصلة بين الإنذار والترهيب:

الإنذار: تخويف مع إعلام موضع المخافة، أما الترهيب: «فهو كل ما يخيف المدعو ويحذره من عدم الاستجابة، أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله» 22، فالإنذار يتعلق بالمخوف والمخوف منه، أما الترهيب فيتعلق بنتيجة عدم الاستجابة.

التبشير لغة:

الخبر الذي يؤثر في البشرة تغيرًا 23.

التبشير اصطلاحًا:

الإخبار بما يفيد السرور 24.

الصلة بين الإنذار والتبشير:

الإنذار فيه إثارة للخوف والقلق، ويؤثر في النفس تنغيصًا، بينما التبشير يعزز الأمن والاطمئنان، ويؤثر في النفس سرورًا، وعليه فإن اللفظين متضادان.

تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الإنذار وهذا ما يتضح فيما يأتي:

أولًا: أسلوب الطلب المباشر:

لقد طلب الله سبحانه وتعالى من الرسول صلى الله عليه وسلم طلبًا مباشرًا بإنذار الخلق عامة، فقال تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] .

أي: قم من مضجعك فحذر الناس من عذاب الله، قال قتادة رحمه الله: «أي: أنذر عذاب الله، ووقائعه بالأمم» 25.

قال ابن القيم رحمه الله: «فإنه لما نزل عليه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 1 - 4] .

شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيامٍ، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ولما نزل عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] .

فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائمٍ، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس» 26.

وقال سيد قطب رحمه الله في تفسير: {قُمْ فَأَنْذِرْ} : «إنه النداء العلوي الجليل للأمر العظيم الثقيل. .، نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان. .، وهو واجب ثقيل شاق، حين يناط بفرد من البشر -مهما يكن نبيًا رسولًا- فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود! {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} .

والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال، وهم لا يشعرون، وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئًا حين يضلون، ولا يزيدون في ملكه شيئًا حين يهتدون، غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية؛ ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم، ويدخلهم جنته من فضله!» 27.

ثانيًا: أسلوب خطاب الأنبياء لإنذار أقوامهم:

خاطب سبحانه وتعالى الأنبياء عليهم السلام طالبًا منهم إنذار أقوامهم، ومن ذلك إنذار نوح عليه السلام لقومه:

قال تعالى طالبًا من نوح إنذار قومه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1] .

فامتثل أمر ربه، وقال: {يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 2 - 3] .

ولكن انتفع بالإنذار من قومه القليل، وهم المؤمنون معه، قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] .

أما الكثير من قومه لم ينتفعوا بإنذاره لهم، وأعرضوا فأخذهم الطوفان، قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] .

ثالثًا: أسلوب القصص:

لقد قص الله في القرآن قصص الأمم السابقة التي أنذرت فأعرضت.

فقال في سورة القمر في حق قوم نوح لما أعرضوا: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 9 - 16] .

لما كذب قوم نوح استنصر بالله، فقال: إن قومي غلبوني، ولم يستجيبوا لي، فانتصر منهم بعقاب تنزله عليهم، ففتح الله أبواب السماء بماء متدفق متتابع، وفجر الأرض فصارت عيونًا ينبع منها الماء، فالتقى الماء النازل من السماء مع الماء النابع من الأرض على أمر من الله قدره في الأزل، فأغرق الجميع إلا من نجاه الله.

وقال تعالى في حق قوم عاد لما أنذروا فأعرضوا: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 18 - 21] .

وكذبت عاد نبيها هودًا عليه السلام، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟ وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟ إنا بعثنا عليهم ريحًا شديدة باردة في يوم شر وشؤم مستمر معهم إلى ورودهم جهنم، تقتلع الناس من الأرض، وترمي بهم على رءوسهم، كأنهم أصول نخل منقلع من مغرسه، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟ وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟

وقال تعالى في حق قوم ثمود لما أنذروا فأعرضوا: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 23 - 31] .

وكذبت ثمود بما أنذرهم به رسولهم صالح عليه السلام، فبعث الله عليهم صيحة واحدة فأهلكتهم، فكانوا كيبيس الشجر يتخذ منه المحتظر حظيرة لغنمه.

وقال تعالى في حق قوم لوط لما أنذروا فأعرضوا: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 33 - 37] .

وكذبت قوم لوط بما أنذرهم به رسولهم لوط عليه السلام، فبعث الله عليهم ريحًا ترميهم بالحجارة، إلا آل لوط عليه السلام لم يصبهم العذاب، فقد أنقذناهم منه.

وقال تعالى في حق قوم فرعون لما أنذروا فأعرضوا: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 41 - 43] .

وكذب قوم فرعون بالبراهين والحجج التي جاء بها موسى عليه السلام، فعاقبهم الله على تكذيبهم بها، عقوبة عزيز، لا يغلبه أحد، مقتدر لا يعجز عن شيء.

تعددت وسائل وأغراض الإنذار في القرآن وهذا ما يتضح مما يأتي:

أولًا: وسائل الإنذار:

1.الوحي:

لقن الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بـ (قل) التلقينية أنه ما يخوف قومه من العذاب إلا بوحي من الله وهو القرآن، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} [الأنبياء: 45] .

قل: أيها المقترحون المتشططون إنما أنذركم بوحي يوحيه الله إلي، وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالى؛ لينظر فيها، كنقصان الأرض من أطرافها وغيره، ولم أبعث بآية مضطرة، ولا ما تقترحون 28.

ولقنه سبحانه وتعالى بأن يقول للمشركين: لقد أوحى الله إلي هذا القرآن من أجل أن أنذركم به من عذابه أن يحل بكم، وأنذر به من وصل إليه من الأمم، قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

قال الربيع بن أنسٍ رحمه الله: «حقٌ على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر» 29.

2.الأنبياء:

أخبر سبحانه وتعالى أنه بعث النبيين دعاة لدينه، مبشرين من أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] .

وبين سبحانه مقصد بعث الرسل، فقال: أرسلت رسلًا إلى خلقي مبشرين بثوابي، ومنذرين بعقابي؛ لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] .

وأخبر سبحانه وتعالى أن من آمن وصدق الرسل، وعمل صالحًا، فأولئك لا يخافون عند لقاء ربهم، ولا يحزنون على شيء فاتهم من حظوظ الدنيا، قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] .

وبين سبحانه وتعالى أن المقصد من إنزال القرآن عليه صلى الله عليه وسلم؛ ليكون من رسل الله الذين يخوفون قومهم عقاب الله، فينذر بهذا الكتاب الإنس والجن أجمعين، قال تعالى {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192 - 194] .

ثم لقن سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن من اهتدى بما في القرآن، واتبع ما جئت به، فإنما خير ذلك وجزاؤه لنفسه، ومن ضل عن الحق، فقال: قل -أيها الرسول- إنما أنا نذير لكم من عذاب الله وعقابه إن لم تؤمنوا، فأنا واحد من الرسل الذين أنذروا قومهم، وليس بيدي من الهداية شيء، قال تعالى: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [النمل: 92] .

3.قصص السابقين:

لقن الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إن أعرض المكذبون بعدما بين لهم من أوصاف القرآن الحميدة، ومن صفات الله العظيم أن يقول لهم: قد أنذرتكم عذابًا يستأصلكم مثل عذاب عاد وثمود حين كفروا بربهم وعصوا رسله، قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .

يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين، صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود ومن شاكلها، ممن فعل كفعلهما؛ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم، كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الأحقاف: 21] .

أي: في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم 30.

وخص عادًا وثمودًا بالذكر؛ لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام 31.

فمن سنن الله أن المثيل يأخذ حكم مثيله، والشبيه يأخذ حكم شبيهه، فخوفهم بتوقع عقابٍ مثل عقاب الذين شابهوهم في الإعراض خشية أن يحل بهم ما حل بأولئك.

وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر حكمه فيمن كذب رسله، وخالف أمره، فقال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 21 - 25] .

والأحقاف: جمع حقفٍ -بكسرٍ فسكونٍ-، وهو الرمل العظيم المستطيل، وكانت هذه البلاد المسماة بالأحقاف منازل عادٍ، وكانت مشرفةً على البحر بين عمان وعدن 32.

«وقد أدت الريح ما أمرت به، فدمرت كل شيء {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} أما هم، وأما أنعامهم، وأما أشياؤهم، وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى، إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة، لا دار فيها ولا نافخ نار، {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} سنة جارية، وقدر مطرد في المجرمين» 33.

4.حوادث المستقبل (القيامة) :

لقد حذر الله عباده عذاب الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير، أو اكتسب من إثم، ويقول الكافر من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أبعث، قال تعالى: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] .

وأمر الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار الناس، فقال: أنذر -أيها الرسول- الناس يوم الندامة حين يقضى الأمر، ويجاء بالموت كأنه كبش أملح فيذبح، ويفصل بين الخلق، فيصير أهل الإيمان إلى الجنة، وأهل الكفر إلى النار، وهم اليوم في هذه الدنيا في غفلة عما أنذروا به، فهم لا يصدقون، ولا يعملون العمل الصالح، قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] .

وأمره سبحانه وتعالى أن يحذر الناس يوم القيامة، وما فيه، فقال: وحذر -أيها الرسول- الناس من يوم القيامة القريب -وإن استبعدوه-؛ إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله قد ارتفعت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم، وهم ممتلئون غمًا وحزنًا، ما للظالمين من قريب ولا صاحب، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيستجاب له، قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت