فهرس الكتاب

الصفحة 1017 من 2431

الدعوة إلى الباطل الذي هو نقيض الحق سبب في خسران الإنسان، فإن الباطل هو الطاغوت سواء أكان ذلك شيطانًا أم صنمًا، أم معتقدًا، أم معبودًا غير الله، وهو نقيض الإيمان بالله تعالى، وإن اعتقاد الباطل والعمل به يخرج الإنسان عن دينه وإيمانه؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } [النحل:72] .

فالنتيجة التي ينالها هؤلاء هي الخسران المبين.

سابعًا: خفة الموازين:

خفة موازين الإنسان يوم القيامة نتيجة عدم الإكثار من الطاعات، والعبادات، وكسب الحسنات، مما يؤدي إلى أن تكون سيئاتهم أكثر من حسناتهم، وبالتالي تكون خفة موازينه يوم القيامة، ونيل الخسران المبين؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) } [الأعراف:9] .

يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به، وبرسوله، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته؛ بسبب كونهم بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها ولا يوقنون بحقيقتها 58.

ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، وتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها، أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة، والمراد بالخسران: كونه في الهاوية من النار؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) } [المؤمنون:103 - 104] 59.

ثامنًا: الأمن من مكر الله:

إن المؤمن يتفطن دائمًا لمقام قدرته سبحانه وتعالى، فإذا عصى يتوقع عذاب الله تعالى بسبب عصيانه، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة، ولفرط حسّه بمعصيته، وإيمانه بالله يخاف دائمًا عذابه، ولا يرجو أن يمهله الله وقد عصاه، على عكس الكافر تمامًا، فإنه يعصي، ويرى عصيانه حسنًا، وينسى قوة الله، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه، ناسيًا أنه يعاند القوي القهار القادر الذي هو غالب على كل شيء، وأنه لا إرادة لمخلوق بجوار إرادته سبحانه وتعالى وعلى ذلك يأمن عذاب الله ومكره.

قال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) } [النحل:45] .

فيلاقي العذاب الشديد، وما لا يحسب عقباه.

قال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) } [النمل:51] .

وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) } [الأنعام:124] .

وقوله أيضًا: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) } [الأعراف:99] .

يوبّخ الله الذين يكذّبون رسله، ويجحدون مكره؛ لأنهم غفلوا عن الحق، ونسوا تدبير الله تعالى المهلك لهم جزاء بما كسبوا، وبما كذبوا بآيات الله، والفاء: في قوله: {فَلَا يَأْمَنُ} جاءت عاطفة يترتب ما بعدها على ما قبلها؛ لأنهم إذا كانوا لم تجدهم النقمة ولا النعمة، وبأس الله يأتيهم في مأمنهم ليلًا وهم نائمون، وضحى وهم يعملون، ومع ذلك لا جدوى فيه، فهو لعب، أو كاللعب، فهم لا يأمنون المكر الإلهي.

قوله: {أَفَأَمِنُوا} استفهام إنكاري بمعنى النفي والتوبيخ، فهم لا يأمنون مكر الله، ومكر الله تعالى تدبيره المحكم الذي ينزل به العذاب السريع على من يستحقه، والأمن والطمأنينة لمن يستحقه، وهو الحكيم، وقد فسر بعض المفسرين بأنه العذاب أو البأس الشديد 60.

«والمكر قسمان:

1.مكر سيء: وهو الذي يكون من الأشرار، ونتيجته شر.

2.ومكر طيب: وهو رد مكر الأشرار، ونتيجته طيبة.

ولقد قال في شأن قريش في تدبيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) } [آل عمران:54] أي: أنهم كانوا يدبرون لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ويمكرون المكر السيئ الذي لا يحيق إلا بأهله، والله تعالى يدبّر لنبيه نجاته منهم، وهجرته من أرضهم من غير إخراج، حتى يكون الفصل بينه وبينهم» 61.

والكافر يعمل المعصية، ويعتقد أنه آمن، وما يغفل عن مكر الله إلا الذين هلكوا بذنوبهم؛ ولهذا ختم الله الآية بقوله: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} أي: حكم الله تعالى بخسارتهم، مؤكدًا الخسارة بالقصر، وأن الخسارة مقصورة عليهم، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم، فليسوا في حال عقلية مدركة، وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل، والله سبحانه هو الذي يقي المؤمنين شر الغفلة والنسيان، وأمن عذاب الله، وجعلهم في فطنة دائمة، واعتبار بأمر الله ونهيه، وهو الهادي إلى سواء السبيل 62.

من رحمة الله بعباده أنه ذكر في كتابه العزيز الكثير من الأساليب والوسائل، ومنها على سبيل المثال ضرب الأمثال، وسرد القصص، وذكر الأخبار، وذلك لحكمة يريدها الله؛ ليعتبر أولو الألباب، ويتخذوها قدوة لهم في الحياة، وإظهار مدى قدرة الله وعظمته، وإعجاز قرآنه وغيرها؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) } [غافر:78] .

فإذا جاء الوقت وحان موعد العذاب، ينزله الله على الكافرين لإهلاكهم، وينجي الله رسله، والذين آمنوا معهم، ويهلك الذين افتروا وكذبوا وجحدوا آياته عز وجل وخسر في ذلك العذاب المتمسكون بالباطل على الإطلاق، فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولًا أوليًّا، لكونهم يجادلون في آيات الله سبحانه وتعالى 63.

وسنورد إن شاء الله نماذج من الخاسرين في القرآن في السطور الآتية:

أولًا: قابيل ابن آدم عليه السلام:

قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } [المائدة:30] .

هذه الآية تتحدث عن ابني آدم قابيل وهابيل؛ حيث إن هابيل كان أول من قتل في الأرض.

وقال الماوردي في كتابه: «إن (طوعت) فيها ثلاثة تأويلات، وهي:

أحدها: يعني: شجعت، وهو قول مجاهد.

والثاني: يعني: زينت، وهو قول قتادة.

والثالث: يعني: ساعدته» 64.

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} أي: زيّنت له وسهّلت عليه القتل، والإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفًا له عن القتل فلا يقدم عليه، فإذا سهّلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغير كلفة.

وقرئ {فَطَاوَعَتْ} على أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع.

وروي أنه جهل كيف يقتله، فجاء إبليس بطائر -أو حيوان غيره- فجعل يشدخ رأسه بين حجرين؛ ليقتدي به قابيل ففعل، وقال ابن عباس وابن مسعود: وجده نائمًا فشدخ رأسه بحجر، وكان ذلك في ثور «جبل بمكة» . وقيل: عند عقبة حراء، ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه؛ لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها، فأخذ حجرًا فقتله، ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك 65.

{فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي: ممن خسر حسناته، وقال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.

قال ابن عطيه: «فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمّنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة» 66.

ثانيًا: قوم إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) } [الأنبياء:70] .

قد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب «بالنمرود» وهو ملك الآراميين بالعراق، وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله، تختلف الروايات في تفصيلاته، وليس لنا عليها من دليل.

المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به، وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة، والكيد هنا: أي مكر عظيم في الإضرار به، وقيل: هو الإضرار الشديد الذي يكون نتيجة الكيد والتدبير الخبيث، فأطلقوا السبب وأراد المسبب وهو الضرر، وكيدهم كان في مغالبتهم له ومجادلتهم، فكانوا هم الخاسرين في هذه المغالبة في الدنيا والآخرة، أي: أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته، واستحقاقهم لأشد العذاب، والأخسرون جمع أخسر، والمراد: من بلغوا أقصى درجات الخسران 67.

وقيل: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} أي: في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا، قال ابن عباس: سلّط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا نحوًا من أربعمائة سنة 68.

ثالثًا: قوم شعيب عليه السلام:

قال تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف:92] .

هذه الآية جملة مبنية لما حل بقوم النبي شعيب عليه السلام من النقمة:

فيخبر الله تعالى عن شدة قوم شعيب وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) } [الأعراف:90] .

فلهذا أعقبه بقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف:91] .

والمناسبة في ذلك: أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} [هود:87] فجاءت الصيحة فأسكتتهم، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجساد، فأصبحوا في دارهم جاثمين 69.

وقوله: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} والغنى: المنزل، والجمع المغاني، وهي المنازل التي بها أهلها، يقال: غنيت بالمكان إذا أقمت به، وغني القوم في دارهم، أي: طال مقامهم فيها، وقال ابن عباس وقتادة في معناها: كأن لم يعيشوا فيها، وقال ابن عباس: كأن لم يعمروا فيها.

ومعنى الآية: كأن لم يقيموا في دارهم أصلًا ولم ينزلوها يومًا من الدهر، فإن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب، وقيل: المعنى كأن لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين، يقال: غني الرجل إذا استغنى، وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر، والأول أولى 70.

{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } : هذه الجملة متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين، وهل هناك خسران أشد من أن يخسر الإنسان نفسه، بعذاب في الدنيا والآخرة؟ وإعادة الموصول والصلة كما هي، لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين 71.

فكل من عادى نبيًّا فهو خاسر في عاجل أمره وآجله؛ لأنه قد عادى الله الذي أرسل أنبياءه لخلقه.

بعد الانتهاء من بيان أسباب الخسران بالشرح والتوضيح والبيان، والإشارة إلى نماذج من الخاسرين في القرآن الكريم، كان لابد من وقفة على وسائل النجاة من الخسران التي هي بمثابة الذراع الحامي، والواقي للإنسان من الوقوع في الخسران، وهذه الوسائل هي التي تصل بالإنسان إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

وسنتناول هذه الوسائل بالشرح والبيان؛ ليتضح للإنسان مدى أهميتها، ويتخذها وقايةً له من الوقوع في الخسران، ولذلك كان المثل المشهور: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج» 72.

أولًا: الإيمان والعمل الصالح:

أول وسيلة من وسائل النجاة من الخسران يدور حول تحقيق الإيمان والعمل والصالح، وهذا العنوان يعتبر من أخطر العناوين شأنًا، وأعظمها قدرًا؛ لأنه أصل الأصول في النظام العام لحياة المسلم بكاملها، فالإيمان هو الذي أمرنا الله أن نلتزم به، ونحققه في حياتنا؛ لأنه السبيل إلى فلاحنا يوم القيامة، ونجاتنا من نار جهنم -والعياذ بالله- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) 73.

وليتجنب أيضًا المؤمن الخسارة عليه بطاعة الله ورسله، إذ الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار.

قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة:285] .

فهذا حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، والله حصر الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنًا وظاهرًا في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [الأنفال:2 - 3] .

وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) } [السجدة:15 - 17] .

والإيمان الكامل هو الإيمان الشامل لكلٍّ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقضاء خيره وشره، والإيمان بالغيب، والبعث، والحساب، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن وفد عبد القيس ... أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) 74.

وقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة:177] .

فالإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان 75.

ومن تحقق الإيمان في قلبه حقًّا فقد نال أجره كاملًا؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } [البقرة:62] .

وفاز فوزًا عظيمًا، وكان من المفلحين، ونال ما وعده الله سبحانه به يوم القيامة من نيل رضوان الله ورحمته ودخول جنته، قال تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) } [الفتح:5] .

وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } [البقرة:25] .

ومن الأعمال الصالحة التي لابد أن يقوم بها الإنسان، التزام الأخلاق والسلوكيات الصالحة، والأخلاق قسمان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى تزكية النفوس وتطهيرها؛ حتى تكون كريمة الأخلاق، نبيلة السجايا، فلم تدع خلقًا كريمًا إلا رغّبت فيه، كالصدق، والوفاء بالعهد، والجود، والصبر، والتقوى إلى غيرها من الأخلاق الكريمة، ولم تدع خلقًا ذميمًا إلا حذّرت منه، كالكذب والبخل والتجسس والنميمة إلى غيرها من الأخلاق الذميمة، بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حيث دارت، فلا ترى حكمًا شرعيًّا يعارض الأخلاق ويصادمها، وحسبك أن الله أثنى على عبده ورسوله محمد بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم:4] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، فهو الأسوة والقدوة لنا جميعًا حيث بلغ بأخلاقه الكريمة منازل عالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت