وظائفه كثيرة: كالكلام، والتذوق، وتقليب الطعام أثناء مضغه في الفم، والمساعدة في البلع، حيث يعطي البلعوم إشارة عاجلة بالانفتاح، ويبقي الأسنان نظيفة بحمايتها من تجميع الحموض عليها، أو تسوسها، وهو وسيلة للوقاية من الأطعمة الضارة، التي لا يستسيغها الذوق؛ لتلوثها أو تسممها، فيدرك اللسان ذلك أول وهلة، فيسمح للنافع بالمرور، ويمنع الضار، ويرسل ما يمكن معالجته للأسنان، ويمنع غير ذلك؛ فهو حارس أمين بما قدره الله له.
وهو عامل مهم في مضغ الطعام وبلعه، يدفع باللقمة إلى الأسنان، ويلتقطها دون أن يتعرض هو للقطع، وقد يحدث نادرًا أن يقع اللسان في مصيدة الأسنان أثناء الأكل، فنشعر بالألم، ونفهم عندئذٍ مدى مهارة اللسان في تجنب الانزلاق تحت الأسنان مع أنه ملاصق لها! واللسان بعد ذلك ينظف جوف الفم والأسنان من بقايا الطعام.
ولو تعرض هذا اللسان لقطع أو جرح أو عضته الأسنان عفويًا فإنه لأهميته من أسرع عضلات الجسم التحامًا.
جعل الله للإنسان لسانًا يترجم به عن ضمائره، وبه تنعقد المعاملات، وتحصل الشهادات، ولو لم يكن اللسان لاحتاج الإنسان إلى الإشارة أو الكتابة فتعسر أمره، وقد سبق الكلام على دور اللسان، وأنه وسيلة في البيان والإفصاح عما يريده الإنسان.
فأهم وظائف اللسان الكلام بتحركه السريع المتواصل المنظم في الجهات الست، وهو دور عجيب، والإمعان فيه يثير الدهشة والحيرة، فقد يسر الله تعالى للإنسان وسيلة سهلة للتكلم، وفي متناول الجميع، فلا يصيبها تعب ولا نصب ولا ملل، ولا تكلف الإنسان خرجًا!
وقد قيل: إن كل حرف ينطقه اللسان يسهم في تكوينه سبعة عشر عضلة، فكم يا ترى حركة يتحركها اللسان إذا نطقت بحرفٍ واحد؟!
وأعجب من ذلك موضوع استعداد الإنسان للكلام، وهذا الاستعداد أودعه الله في الإنسان؛ ليستطيع من خلاله تكوين الجمل بأشكال لا تعد ولا تحصى، وأن يبين ما لا نهاية له من الغايات، وتنوع اللغات أيضًا وقابلية الإنسان على وضع لغات مختلفة هذه الأهمية تتضح من خلال مطالعة مفردات آلاف اللغات المنتشرة في العالم.
يقول ابن القيم وهو يتكلم عن منافع اللسان: «وأودع في اللسان من المنافع منفعة الكلام -وهي أعظمها- ومنفعة الذوق والإدراك» 136.
ومن عجائب قدرة الله في اللسان أن يأتي النطق من هواء يكون من الرئة يخرج من مخارج معينة، إن مر بشيء صار حرفًا، وإن مر بشيء آخر صار حرفًا آخر، وهو هواء واحد من مخرج واحد، لكن يمر بشعيرات دقيقة في الحلق، وفي الشفتين، وفي اللثة، هذه الشعرات تكون الحروف، فتجد مثلًا الباء والشين كلها بهواء يندفع من الرئة، ومع ذلك تختلف باختلاف ما تمر عليه في هذا الفم، ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله عز وجل 137.
والمختصون في الأصوات ونبراتها يوزعون حروف الهجاء على أجزاء الفم واللسان، وسموها مخارج الحروف، وهي أربعة عشر مخرجًا، ومن صنع الله الذي أتقن كل شيء، فلا يخرج حرف مع مخرج حرف آخر، ولا تتشابه نبرة حرف بنبرات حرف آخر، حتى يسهل التفاهم بين الناس، وحتى تمر حوائجهم بسهولة، كما هيأ سبحانه لمخارج الحروف التي ينطقها اللسان قدرة عجيبة على التكيف مع كل لغة يريد الإنسان دراستها، بحيث يتعود لسانه عليها كما ينطقها أبناؤها الذين مارسوها طوال حياتهم.
ثم إنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة؛ لتختلف الأصوات باختلافها، فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان، وهذا من أظهر الأدلة، فإن هذا الاختلاف -الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان- ليس في الطبيعة ما يقتضيه، وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء، وأحسن كل شيء خلقه، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين، فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر 138.
ونلحظ حتى الطفل الصغير قد وهبه الله لسانًا يعبر به عن نفسه، ووهبه غريزة حب الكلام والتعبير عن النفس، وهذه الغريزة تجعله يخترع دلالات بلسانه قبل أن يعرف المعنى الذي يريد، فيقول عن كل شيء غير حسن مثلًا: (كخه) والقبيح: (يعه) ، وهكذا يخترع كلمات تعبر عن مفهومه، وقد قيل عن سكان الغابات: إنهم يتفاهمون مع حيواناتها والوحوش بنغمات قريبة من نطقها، فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!
يقول الغزالي: «فإن اللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغير جرمه، عظيم طاعته وجرمه؛ إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان، وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان؛ فإنه لا تعب في إطلاقه، ولا مئونة في تحريكه، وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله، وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان، واللسان رحب الميدان ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى وحد، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله» 139.
والمقصود أن من أهم وظائف اللسان الكلام، وهذا الكلام الذي امتن الله تعالى به على العبد يمكن أن يرتقي به الإنسان إلى أعلى الدرجات، ويمكن أن ينحط به إلى أسفل الدركات، فالكلمة ذات جوانب متعددة الأهمية: بها يتم إعلان المبادئ والمعتقدات، وبها يتم التلفظ بالعقود والشهادات، كما أنها هي التي يعرف بها كفر الكافرين وجحود الجاحدين، كما قال القائل 140:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فالألسنة -كما يقال- مغاريف القلوب، فهي التي تعبر عما استقر فيها من الإيمان والمعتقدات؛ ولذلك قال جل وعلا: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح:26] .
وكلمة التقوى هنا هي كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
خامسًا: اللسان والتذوق:
خلق الله في اللسان حاسة التذوق، بما يسمى قنوات التذوق، فيوجد في اللسان مع صغر حجمه تسعة آلاف برعم ذوقي؛ لمعرفة الطعم الحلو، والحامض، والمر، والمالح، ولا يختلط بعضها ببعض، حيث تتميز بها طعم الفاكهة بأنواعها، ويظهر التمايز بينها وبين الخضروات من طماطم وخيار وخس وجرجير وغيرها من المأكولات والمشروبات من أنواع المأكولات والمشروبات العديدة التي سخرها الله لعباده في الحياة الدنيا، فضلًا منه جل وعلا.
ومن بديع صنع الخالق سبحانه وتعالى أن جعل لكل طعم منطقته الخاصة في اللسان، فتتذوق المادة الحلوة بطرف اللسان، بينما تتذوق المادة المالحة على جانبي اللسان من الأمام، وتتذوق المادة المرة في نهاية اللسان والحنك، بينما تتذوق المادة الحامضة على جانبي اللسان والحنك، أما وسط اللسان فهو لا يميز أي مذاق.
ويكسو اللسان غشاء مخاطي، كما يتصف سطح اللسان السفلي بالنعومة، أما العلوي فخشن بسبب النتوءات المنتشرة على سطحه، وتوجد ضمن هذه النتوءات أربعة أصناف من النتوءات الذواقة التي تساعدنا على التمييز بين الطعم الحلو والحامض والمالح والمر.
وتتأثر حاسة التذوق بعوامل كثيرة، منها: وجود التهاب، أو اضطراب في الجهاز التنفسي، أو في حاسة الشم.
سادسًا: من عجائب اللسان:
نعمة اللسان موجودة في الإنسان والحيوان ولكن ما يميز الإنسان عن الحيوان أن الله أعطاه اللسان وسيلة للتخاطب والتعارف والقدرة على الكلام، ومناجاة الخالق سبحانه وتعالى، بينما الحيوان لا يستطيع سوى تحريك الطعام بلسانه، فسبحان الله الخالق الحكيم!
ومن عجيب حكمة الله أن جعل في كل آدمي من الأعضاء النافعة -في الغالب- اثنين اثنين، والأعضاء الضارة واحدًا واحدًا، فهناك أذنان حتى إذا أصيبت واحدة بالصمم عملت الثانية، وجعل يدين ورجلين وكليتين، فإذا خربت واحدة عملت الأخرى.
لكن الأشياء الضارة واحدة واحدة، عضلة اللسان واحدة، وفرج واحد، تأمل كيف سيكون الحال لو أن مع الإنسان لسانين واحدًا هنا وواحدًا هنا؟! كيف سيكون حاله؟ هو ما نجح ولا أفلح مع لسان واحد فكيف سيفلح مع لسانين؟! ما أمسكه، بل تجده أفسد الدنيا بلسانه، ولا نجح في الدنيا بفرج واحد، فلو كان معه فرجان؟! كان ذلك همًّا عليه كبيرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن رحمة الله وحكمته أن جعل له من النافع اثنين، ومن الضار واحدًا، إلا القلب جعله واحدًا وهو نافع، قال الله عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4] .
فلماذا يا ترى؟ فالجواب: لو أن معه قلبين والقلب هو مركز الإحساس لكان قلب يريد أن يرقد وقلب يريد أن يذهب، للعمل، وقلب يحب فلانًا وقلب يكرهه، وقلب يريد أرزًّا، وقلب يريد عصيدة ومرقًا، وقلب يريد أن يواصل الدراسة وقلب يقول: لا والله لا أواصل، فمن يطيع منهم يا ترى؟! إذن لا يصلح أن يكون معه قلبان إنما الذي يصلح أن يكون معه قلب واحد؛ ولهذا قال: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4] .
وإنما تعدد العين والأذن وتفرد اللسان؛ لأن حاجة الإنسان إلى السمع والبصر أكثر من حاجته إلى الكلام، وفيه تنبيه أيضًا على أن يقلل من الكلام إلا في الخير، وألا يتكلم فيما لا فائدة فيه، وهو السر في أن الله تعالى جعل اللسان داخل الفم، وجعل دونه الشفتين اللتين لا يمكن الكلام إلا بفتحهما؛ ليستعين العبد بإطباق شفتيه على رد الكلام، وقد حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يجعل في فمه حجرًا؛ ليمتنع من الكلام فيما لا يعنيه، وقد قيل: «ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك بطبقتين فأطبق» 141.
ومن عجيب حكمته تعالى أنه أجرى في هذا الرأس أربعة أنهار: نهر في العين مالح، ونهر في الأذن مر، ونهر في الفم عذب، ونهر في الأنف مخاطي مالح، فمن الذي أفرز الأنهار هذه كلها والمادة كلها واحدة؟ مالح في العين، لماذا؟ لأن العين شحمة لو لم يكن فيها مادة مالحة؛ لتعفنت ودودت، وظهر الدود من العين، ومر في الأذن؛ لأن الأذن مجرى للسمع، فلو أن الله لم يجعل هذه المادة الصمغية المرة موجودة؛ لقام الإنسان في الصباح ومسمعه مليء بالبراغيث أو بالقمل، ودخلت في رأسه، فمن الذي سوف يخرجها من رأسه؟ لكن الله جعل هذه المادة السامة المرة بمجرد وأنت نائم تأتي الحشرات إلى مسمعك ثم تهرب ولا تدخل مسمعك، من الذي قام في يوم من الأيام وقال: والله في مسمعي حشرات؟ لا أحد، لا تستطيع أن تدخل؛ لأنه يوجد مادة ضدها.
والفم جعل الله فيه اللعاب، واللعاب حلو، ومذاقه طيب، لماذا؟ من أجل أن تهضم به الطعام وتمضغه، وتقطع وتكسر وبعد ذلك تنزل! وجعل الله المادة المخاطية في الأنف، لماذا؟ لتمتص وتحجز الأتربة والغبار الذي يدخل الرأس، ولو كنت الآن في المزرعة من الصباح إلى الظهر، ثم جئت تتوضأ وتستنثر، أما تلحظ أنه يخرج من الاستنثار تراب؟ أين كان هذا التراب؟ لقد أمسكته الأغشية التي في الأنف، ولولاها لدخلت إلى الرأس، ودخل غدًا مثلها، وتتكون في الرأس كوم طين من يخرجها من الرأس؟
وما ظنك لو أن الله تبارك وتعالى جعل المادة التي في أذنك تفرز من فمك، فكيف تأكل؟! أو جعل الله المادة التي في أنفك تخرج من فمك (المخاط) كيف تصنع؟! أو جعل الله المادة الملحية تخرج من فمك، كيف تصنع؟! لكن من علم العين أن تفرز مادة ملحية؟ من علم الأذن أن تفرز مادة صمغية مرة؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو.
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن: «وأما الفم فمحل العجائب، وباب الطعام والشراب والنفس والكلام، ومكان اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم، وترجمان القلب، ورسوله المؤدي عنه، ولما كان القلب ملك البدن، ومعدنًا للحرارة الغريزية، فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه، فاعتدلت حرارته، وبقي هناك ساعة، فسخن واحترق، فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه، فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببًا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة، وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض، ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف؛ ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به.
فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج إلى دفعه وإخراجه، بل جعل فيه إذا استغنى عنه منفعة ومصلحة، هي من أكمل المنافع والمصالح، فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب، فأما إخراج النفس هو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة، فصرف ذلك سبحانه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى، وجعله سببًا للأصوات والحروف والكلام» 142.
وجعل سبحانه الفم أكثر الأعضاء رطوبة، والريق يتحلل إليه دائمًا، لا يفارقه، وجعله حلوًا لا مالحًا كماء العين، ولا مرًا كالذي في الأذن، ولا عفنًا كالذي في الأنف، بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها، حكمة بالغة، فإن الطعام والشراب يخالطه، بل هو الذي يحيل الطعام، ويمتزج به امتزاج العجين بالماء، فلولا أنه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب، ولا ساغه إلا على كره وتنغيص 143.
سابعًا: دلالة اللسان على حالة الجسم الصحية:
يقول ابن القيم وهو يتكلم عن منافع اللسان: «وجعله دليلًا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه، كما جعله دليلًا على استقامته واعوجاجه، فترى الطبيب يستدل بما يبدو للبصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج، وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء، كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب، فيبدو عليه صحة القلب وفساده، معنىً وصورة» 144.
فتعرف حالة الإنسان الصحية من مظهر لسانه، كالتالي:
-فإذا كان اللسان كالقطيفة، وردي غامق اللون: فدل على أن الشخص سليم.
-وإذا كان على سطح اللسان غطاءٌ أبيض: فالشخص عنده سوء الهضم، أو ارتفاع في درجة الحرارة.
-وإذا كان اللسان يميل إلى الاصفرار: فهذا دليلٌ على أن نسبة الصفار عالية في الدم.
-وإذا كان اللسان يميل إلى الزرقة: فهذا يدل على وجود مرضٍ بالقلب، أو الجهاز التنفسي.
-وإذا كان لون اللسان باهتًا: فذلك يدل على وجود أنيميا.
-وإذا كان هناك رعشة في اللسان عند إخراجه من الفم: فهذا يدل على وجود تسمم، أو توتر عصبي.
-وإذا كان في اللسان بقع حمراء أو بقع حمراء محوطة بخطوط بيضاء: نقصٌ في حمض الفوليك، أو بسبب تغير المكان، وتسمى مشكلة اللسان الجغرافية.
-وإذا كان لون اللسان أسود مغطى بالشعر: فهو شكل غريب، وليس بخطير، وهو ناتج عن تزايد النتوءات بشكل كبير لدى بعض الناس، وهذا يجعلها أكثر عرضة لإيواء البكتيريا، التي عندما تنمو تتلون باللون الأسود، وتزيد من تكون تلك النتوءات التي تبدو كالشعر، وهذه الحالة ليست شائعة، وتظهر بشكل محدد لدى الأشخاص الذين لا يتبعون نظامًا صحيًا مع أسنانهم، كما يمكن أن تصيب الأشخاص الذين يستخدمون العلاج الكيميائي، أو المضادات الحيوية، وكذلك المصابين بمرض السكر.
-وإذا وجدت تشققات في اللسان: فهذا يدل على أن الشخص يعاني تعبًا في الجهاز الهضمي أو الجهاز التنفسي.
ثامنًا: اللسان والعبادة:
فأما عبودية اللسان فواجبها النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن، وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه، وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله، كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود، وأمر بقول: ربنا ولك الحمد بعد الاعتدال، وأمر بالتشهد، وأمر بالتكبير 145.
تاسعًا: شهادة الألسن على أصحابها يوم القيامة:
اللسان سبب في نعيم الإنسان أو عذابه، فيجب على المؤمن الموحد أن يحفظ لسانه من كل ما يؤذيه في الدنيا والآخرة فكم من إنسانٍ حافظ على لسانه من الضرر الدنيوي، ولم يحفظ لسانه من الضرر الأخروي!
وقد أخبر الله تعالى أن الجوارح ومنها اللسان تشهد على ما اقترفه المذنبون، يقول سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] .
فالآية صريحة في شهادة اللسان على ما فعله الإنسان، ولعله في موقف خاص من مواقف القيامة بشهادة أن القرآن يذكر أنه يختم على أفواههم فلا تتكلم ألسنتهم وإنما تتكلم أيديهم وأرجلهم، كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس:65] .
أو يكون المراد بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد على بعض، لا أن ألسنتهم تنطق وقد ختم على الأفواه 146.
وقد يكون الختم على الأفواه ليس بعدم شهادتها؛ إذ المراد منه منع المحدث عنهم عن التكلم بألسنتهم، وهو أمر وراء تكلم الألسنة أنفسها، وشهادتها بأن يجعل فيها علم وإرادة وقدرة على التكلم فتتكلم هي، وتشهد بما تشهد، وأصحابها مختوم على أفواههم لا يتكلمون 147.
والمقصود أن كل جارحة تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد عدل في العباد من جعل شهودهم من أنفسهم.
فقال في هذه الآية: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} بحيث يقول اللسان: نطقت بكذا {وَأَيْدِيهِمْ} تقول اليد: بطشت كذا، {وَأَرْجُلُهُمْ} تقول الرجل: مشيت إلى كذا.
و (ما) في قوله: {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} موصولة، والمراد: جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة، لا عن جناياتهم المعهودة فقط 148. ونلحظ أن الله جل وعلا ذكر الأعضاء من الأعالي إلى الأسافل، فذكر أولًا شهادة اللسان، ثم شهادة الأيدي، ثم شهادة الأرجل، وأسندها إلى الجميع، فقال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] ، وهذا ترتيب بديع.
وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر مع أن الشهادة تكون من جميع الجسد كما قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت:21] ؛ لأن لهذه الأعضاء عملًا في رمي المحصنات، فهم ينطقون بالقذف، ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات، ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف 149.
فيكون ذكر شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم؛ للتهويل عليهم، لعلهم يتقون ذلك الموقف فيتوبون؛ لأن شهادة الأعضاء على صاحبها من أحوال يوم القيامة الفظيعة، حيث يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال.
وتكون شهادة الألسنة يوم القيامة بنطقها من غير اختيار الإنسان، فاللسان في الدنيا آلة خاضعة لإرادة الإنسان أما في الآخرة فسوف ينطق اللسان على غير مراد صاحبه؛ لأن صاحبه ليس له مراد يومئذٍ، فتتعطل إرادته وسيطرته على جوارحه كلها، فتنطق وتتحرك لا بإرادته، إنما بإرادة الله وقدرته، ولا يبعد أن يخلق الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء، ثم يوجه السؤال عليها 150.
فإن قلت: ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلامًا ونطق الرجل شهادة في قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس:65] ؟
فالجواب: إن اليد مباشرة، والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة بما رأى، وقول الفاعل إقرار على نفسه بما فعل 151. والله أعلم.
موضوعات ذات صلة:
الافتراء، التسبيح، الحمد، الذكر، الشكر، الصدق، العربية، الكذب، النعم
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 247.
2 لسان العرب، ابن منظور 13/ 385.
3 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1588.
4 انظر: المصباح المنير، الفيومي 2/ 553.
5 التعريفات ص 620.
6 مفاتيح الغيب 6/ 44.
7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 647.
8 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 534، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 410.