أقصد بالدعاة العاملين: أولئك الربانيين الذين علموا الحق ودعوا إليه، وصبروا على الأذى الذي نالهم في سبيله.
ساق القرآن ثلاث جوانب في هذا السياق، ومنها:
••مؤمن آل فرعون.
••صاحب (يس) .
••اتباع المؤمنين.
مؤمن آل فرعون:
تحكي لنا هذه القصة حال رجل عرف الحق فآمن به، ودعا إليه، وكان يكتم إيمانه، ويجادل عن موسى عليه السلام مع أعظم طغاة الأرض فرعون.
والقصة طويلة، لكن المقصود أنه دعاهم إلى توحيد الله تعالى والإيمان بموسى عليه السلام، وحذرهم من الشرك الذي يقود على النار.
قال لهم: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ?38? يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ?39? مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 38 40] .
لم يدعهم الرجل إلى تقليده، بل دعاهم إلى اتباع الحق، ولذلك فإن هذا الرجل إنما اتبع لأنه دعا قومه إلى الحق، لا لأنه دعا إلى نفسه. ثم دعاهم مرة أخرى فقال: (مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ?41? تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) [غافر: 41 42] .
والخلاصة أن هذا الرجل مؤمن آل فرعون- واجه الشرك وأهله - الذي تمثل بفرعون وملئه يدعوهم على إلى عبادة إله لاشريك له، واتباع موسى عليه السلام، حتى انقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما: «إما محمدي موسوي، أو فرعوني» 39.
قصة صاحب (يس) :
قص الله علينا قصة هذا الرجل الذي جاء إلى قومه يدعوهم إلى الله تعالى، وقومه هم أصحاب القرية الذين أرسل الله إليهم ثلاثة من الرسل فكذبوهم جميعًا محتجين بكونهم بشرًا، وفي أثناء الحوار يجيء رجل من أقصى المدينة يسعى ليناظر هؤلاء المعاندين، ويبين لهم حقيقة توحيد الله وعبادته وحده، ومما قال: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ?20? اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ?21? وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?22? أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ?23? إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ?24? إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) [يس: 20 25] .
طلب منهم هذا الرجل أن يتبعوا المرسلين، «فنبه على موجب الاتباع، وهو كون المتبوع رسولًا لمن لا ينبغي أن يخالف ولايعصى» 40.
وأخبرهم بأنه يعبد إلهًا واحدًا، وليس هناك شيء يمنع من عبادة الله تعالى، الذي فطرنا جميعًا وإليه مرجعنا جميعًا، وهذا فيه رد وردع لهم للرجوع عن الشرك من خلال التذكير بالبعث.
وكما في قصة مؤمن آل فرعون؛ فإن هذا الرجل لم يدعهم إلى نفسه، بل دعاهم إلى توحيد الله ونبذ الشرك، واتباع القوم له إنما هو اتباع للحق وليس لشخصه.
••اتباع المؤمنين:
لم يقتصر اتباع الصالحين على قصتين في القرآن فقط، بل إن القرآن دعا إلى اتباع كل من ينيب على الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [لقمان: 15] .
قال ابن كثير: «يعني المؤمنين» 41.
وخصها ابن القيم بالصحابة فقط، فقال: «وكل الصحابة منيبٌ إلى الله، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى؛ أن الله تعالى قد هداهم وقد قال: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: 13] » 42.
والظاهر والله أعلم أن الآية عامة، وأنها تعني الاقتداء بكل منيبٍ إلى الله، أي: راجع إليه، مقلعٍ عن الشرك والمعاصي، وهذا يعني كل إنسانٍ هذا شأنه من عباد الله الصالحين، «واتباع سبيلهم؛ أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي القلب وإرادته إلى الله، ثم يتبعها سعي البدن فيما يرضي الله ويقرب منه» .43
••اتباع الآباء الصالحين:
إن منزلة الآباء عند أبنائهم منزلة عظيمة، ومحبة الابن لأبيه والأب لابنه كبيرة، وقد أمر الابن بطاعة أبيه في مواطن كثيرة، ولكن هذه الطاعة تزول إذا أمر الوالدان أو أحدهما بمعصية الله، فإنه لا طاعة لهما.
إن اتباع الآباء - شأنه شأن بقية أنواع الاتباع - مقيد باتباع الحق، فما دام الأب متبعًا للحق؛ فإنه يتبع، ومتى جانب الصواب؛ فإنه يترك ولا يتابع في ذلك، مع الاحتفاظ بتقديره واحترامه.
قال يوسف عليه السلام: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) [يوسف: 38] .
إن من اتبع طريق المرسلين، وابتعد عن طريق الضالين؛ «فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه مالم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد» 44.
ثم شرع يبين من هؤلاء الآباء: إنهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهؤلاء كلهم أنبياء كما لايخفى -، وهذا هو السبب الأول في اتباعهم، إنهم معصومون وعلى الحق دائمًا 45.
وأما السبب الثاني؛ فقوله: (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) ، فقد «طهر آباءه عن الكفر» 46، وبين أنهم على ملة التوحيد بالدلالة العكسية لعدم الشرك، حتى أصبح التوحيد «كالسجية لهم، عرف بها أسلافه بين الأمم، وعرف بها نفسه» 47.
وتأمل كيف يكون حرص الأنبياء على عقيدة أبنائهم، فهم يتابعون ذلك حتى وهم في أخريات حياتهم ساعة الاحتضار.
قال تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 133] .
ولا يكفي أن يكون ذلك في الدنيا، بل إن الأبناء يلحقون آباءهم، وينالون شرف الاتباع في الدنيا باللحاق بآبائهم المؤمنين في الآخرة، وعنده تكتمل سعادة الآباء والأبناء.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ? كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: 21] .
حيث يخبر الله تعالى عن تمام نعيم أهل الجنة، بإلحاق الأبناء بالآباء، لكن هذا ليس لكل ابن، إنه للأبناء الذين اتبعوا آباءهم بالإيمان فقط، «فعطف الاتباع بالواو؛ يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدًا أو شرطًا في ثبوت الخبر، لا حصوله لكل أفراد المبتدأ» 48.
وعلى هذا؛ فالإيمان شرط لاتباع الأبناء الآباء؛ لأن الآباء في الغالب سببٌ في هداية أبنائهم بعد توفيق الله بتربيتهم وتعليمهم وتهذيبهم.
ولذلك فإن هذا الأب الذي ربى ذريته على الإيمان؛ يتمنى رؤية أبنائه معه في الجنة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه» ، ثم قرأ الآية 49.
وعند أحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يارب: أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك) 50.
[انظر: القدوة: الآباء الصالحون]
لاشك أن مظاهر الاتباع المذموم كثيرة، وذلك ليس بدعًا من القول؛ فإن السبل الموصلة إلى جهنم كثيرة، بينما سبيل الجنة واحد هو اتباع الوحي الذي نزل على الأنبياء عليهم السلام.
وتتكرر مظاهر الاتباع المذموم بحسب الأزمنة والأمكنة، وتتنوع طرائقها، وبعضها يتمسح بمسوح الدين غير أن قائده يظل الهوى أو الشيطان أو كلاهما، أو غيرهما من مظاهر الاتباع المذموم.
••اتباع الشيطان:
حين يتأمل المرء دعاء امرأة عمران العظيم: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36] .
يتعجب من هذا الدعاء، «فاستجاب الله لها، فأعاذها الله وذريتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليها سبيلًا» 51.
وأعاذها وأعاذ ذريتها من بعدها من الشيطان الرجيم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه) .
ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) 52.
و الحذر والتحذير من الشيطان والخوف من وسوسته واجب، فحتى الأنبياء لم يسلموا من وسوسة الشيطان، لكن الله سبحانه عصمهم، والأدلة والأمثلة على ذلك كثيرة.
قال الراغب: «وسمي كل خلق ذميم للإنسان شيطانًا» 53.
ولذلك فقد ميز الله الشيطان بصفات كاشفة كثيرة، جعلته شديد الوضوح لكل من يبحث عن الحق، ومن ذلك أنه وصف بالكفور كما في قوله تعالى: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) [الإسراء: 27] .
والمريد، المتعري من كل خير، كما في قوله تعالى: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) [الحج: 3] .
كما أنه يؤز بالإغواء والإضلال، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّاڑ) [مريم: 83] .
ومن الطبيعي أن يوالي غير المؤمنين، كما في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 27] .
إلى غير ذلك من الآيات، وهي كثيرة جدًا.
لكن المهم أن الشياطين لايريدون سوى الضلال والإضلال، وصرف الناس عن طريق الحق، وتزيين الباطل.
أما أثر اتباع الشيطان؛ فيمكن إجماله في جملة من الآثار، ومنها:
1.الكفر والضلال.
ولا نتوقع من الشيطان غير ذلك، كما لا نتوقع منه إلا كل ما هو مؤذٍ ومضرٍ بالإنسان.
قال تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الحشر: 16] .
نقل الطبري عن مجاهد قوله: « (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ) : عامة الناس» 54.
وكما هو واضح من الآية، يوسوس الشيطان للإنسان بأن يكفر، فإذا فعل؛ تركه وتبرأ منه، «وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم بغرور إلى مايضرهم، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاق بهم أسباب الهلاك؛ تبرأ منهم وتخلى عنهم» 55، ولا لوم عليه؛ لأنه عدوٌ يخطط للإيقاع بخصمه، لكن اللوم على من يتبعه ويتبع وسوسته.
وأما الضلال فقريب من الكفر ومتممٌ له، وحين يقع المرء في الضلال؛ فإنه واقعٌ في الكفر لا محالة، قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 60] . والكفر داخل ضمن الضلال.
2.الردة والانتكاس.
وهذا يقع لكثيرٍ ممن عرف الحق وحاد عنه بداعي الهوى.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى? أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ? الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى? لَهُمْھ) [محمد: 25] .
تحكي الآية صفة من تبين لهم الحق ثم منعتهم شهوات نفوسهم على اختلافها من اتباعه، فارتدوا على أدبارهم، بسبب تسويل الشيطان وتزيينه لهم طريق الباطل، وإيهامهم أن في هذا الطريق إرضاء لشهواتهم وأشباعًا لغرائزهم، ولذلك أسبابٌ كثيرة، لكن الشيطان يقع على رأس هذه الأسباب.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى? أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? ? وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ?71?) [الأنعام: 71] .
3.الصد عن سبيل الله.
حين يقع المرء في الكفر والضلال والردة والانتكاس؛ يتطور أمره إلى أن يصد الناس عن اتباع الحق، ويسعى بكل ما أوتي إلى جعل الناس يسيرون في طريق الضلال والهوى، وهذا من تاثير الشيطان عليه، وتزيينه لسوء العمل، كما يحكي القرآن ذلك على لسان الهدهد مخاطبًا نبي الله سليمان: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) [النمل: 24] .
ظاهر الآية يدل على أن سبب ضلال القوم؛ صد الشيطان إياهم عن السبيل، فهم لايهتدون للسجود لله تعالى، قال ابن القيم: «ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك؛ وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لاينبغي السجود إلا له» 56، ويقترب من الصد تزيين الباطل، وهو كثير في القرآن.
4.الجدال بغير علم.
وهي نتيجة أخرى للصد عن سبيل الله، حيث يبدأ المرء في الدفاع عن مبدئه الفاسد وضلاله المستحكم، وسبب هذا اتباعه الشيطان، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) [الحج: 3] .
تتحدث الآية عن قوم يجادلون في الله جدالًا مبنيًا على جهل، «أي: جدلًا ناشئًا عن سوء نظر وتفكير، فلا يعلم ما تقتضيه الألوهية من الصفات» 57.
وهؤلاء القوم تبعٌ لكل شيطان مريد، سواء أكان من شياطين الجن أو الإنس من أئمة الكفر والضلال؛ فإن هؤلاء هم الذين صدوهم عن الحق.
وكم يجد المرء من العنت في مجادلة هؤلاء الأتباع؛ لأنهم ليس لديهم نقل تحاكمهم إليه ولاعقلٌ، فإذا ما جاءته الحجة الدامغة وأوقفته؛ زعم أنها لم تخف على شيطانه الذي يتبعه، فإن قبلها ذلك المتبوع، وإلا فلا حجة.
5.إيقاع العداوة والبغضاء.
وهذه من أحب الصفات إلى الشيطان أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] .
إن الشيطان يهيئ للعداوة والبغضاء بين الناس عن طريق الخمر والميسر؛ لأنهما من أسرع الوسائل في حصولها، وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) 58.
قال النووي: «أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء، والحروب والفتن ونحوها» 59.
وأعظم التحريش عند الشيطان أن يفرق بين المرء وزوجه 60.
ولذلك فالمطلوب من الإنسان الحذر من الشيطان ومزالقه التي توصل إلى العداوة والبغضاء بالقول والفعل.
6.إلقاء الرعب في قلوب المسلمين.
في غزوة أحد تولى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الزحف.
فجاءت هذه الآية تحكي قصتهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: 155] .
في الآية بيان سبب التولي يوم الزحف، وأنه إنما كان استزلال الشيطان لهم، بسبب بعض ذنوبهم السالفة، وكانت هذه الذنوب سببًا خفيًا وراء التولي، وقد نقل ابن كثير عن بعض السلف: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها» 61.
7.نسيان ذكر الله.
وهذا أمر طبيعي، فإن من استولى عليه الشيطان؛ أنساه ذكر الله، كما في قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) [المجادلة: 19] .
وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَ?نِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف: 36] .
إن هذا القرين هو الذي ينسي المرء ذكر الله تعالى - بكل أنواعه، ولعل المقصود أن هؤلاء القوم نتيجة استيلاء الشيطان عليهم وغلبته على نفوسهم؛ أنساهم ذكر الله، فلم يعودوا يذكرونه بألسنتهم، ولم يعودوا يتذكرونه بأفعالهم.
8.التناجي المذموم.
وهي إحدى الصفات المذمومة التي يزين فعلها لبني آدم حتى يعمق بينهم العداوة والبغضاء.
قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى? مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [المجادلة: 10] .
والمتأمل للآية يلاحظ قصر النجوى بـ (إنما) على الشيطان، فهو المختص بها وهي المختصة به، يوسوس إلى قلوب العباد بوساوسه الخبيثة ليحزن الذين آمنوا، لما يقع في نفوسهم من خوف الشر.
وقد ورد في السنة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة؛ فلا يتناجى اثنان دون الثالث) 62، ولذلك فالمطلوب تفويت الفرصة على الشيطان، حتى لا يوقع العداوة والبغضاء بين الناس.
9.التبذير.
لا يحب الشيطان إلا أن يوقع المرء بشر أفعاله؛ لأنه لا يريد له الخير، وكل من أمعن في اتباعه؛ بالغ في إيقاعه في الخطأ.
قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ?27?) [الإسراء: 27] .
التبذير صفة مذمومة، منشؤها الشيطان، حتى عد المبذرون إخوان الشياطين، نتيجة ملازمتهم لهم واتباعهم إياهم، «وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ (كَانُوا) المفيد أن تلك الإخوة صفة راسخة فيهم، وكفى بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحًا» 63.
10.دخول النار.
هذا الأثر قاصمة الظهر، وهو الذي لا نطيق؛ لأن اتباع الشيطان يؤدي بالمرء إلى السعير.
ألم يقل الله تعالى: (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى? عَذَابِ السَّعِيرِ) [لقمان: 21] ؟.
لنتأمل في الاستفهام الذي يظهر منه التعجب، ومعناه: أيتبعون الشيطان وهو يدعوهم إلى عذاب السعير؟
إن العاقل لا يفعل ذلك بلا شك، وهذا يدل على أن هؤلاء القوم ليست لهم عقولٌ، وهو في حد ذاته ذمٌ لهم، ولكن: أين عقولهم؟ لقد سيطرت عليها الشهوات واتباع الهوى، فتبعوا الشيطان مع علمهم بعداوته الشديدة لهم.
إن حب الابن لأبيه مغروسٌ في نفسه، وهو من أعراف الأقوام، وآدابهم الاجتماعية، فالطفل «يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم» 64.
هذا؛ وقد كان العرب إذا قضوا حجهم وقفوا عند الجمرة، وطفقوا يتفاخرون بالآباء، ويذكرون أيام أسلافهم في الكرم والشجاعة ونحو ذلك، حتى قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: 200] .
إذن فمحبة الابن لأبيه أمرٌ معتبرٌ شرعًا، وقد حث عليه الإسلام في مواضع كثيرة، ولكن يجب ألا تطغى هذه المحبة على الحد الطبيعي، بحيث تكون سببًا في رد الحق، وعدم اتباعه بحجة اتباع الآباء.
وحين تتأمل دعوات الأنبياء؛ تجد أنها بدأت بدعوة الآباء أولًا، وأوضح الأمثلة على ذلك: دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه، وقد صورها القرآن في مواضع كثيرة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الراغب الأصفهاني عد العلماء والمعلمين داخلين في مفهوم الآباء، فقال: «الأب: الوالد، ويسمى كل من كان سببًا في إيجاد شيء أو صلاحه أو ظهوره أبًا، .... ، وسمي معلم الإنسان أبًا لما تقدم ذكره.
وقد حمل قوله تعالى: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] على ذلك؛ أي: علماؤنا الذين ربونا بالعلم بدلالة قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: 67] » 65.
وعلى هذا؛ فالمعنى يأخذ بعدًا أوسع من المعنى القريب للأب.
هذا وقد توسع القرآن في الحديث عن هذه ظاهرة اتباع الآباء، عارضًا أقوالهم، ومن هذه المظاهر:
1.اتباع الآباء في الشرك.
لقد كان اتباع الآباء سببًا رئيسًا في رد دعوات الأنبياء عليهم السلام إلى التوحيد.
فهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه إلى التوحيد؛ فيجيبه الملأ: (مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون: 24] .
وحين سأل إبراهيم عليه السلام قومه عن سبب عبادتهم الأصنام؛ أجابوا: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: 53] .
ومثل ذلك نبي الله هود عليه السلام دعاهم إلى توحيد الله فأجابوا: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [الأعراف: 70] .
وكذا نبي الله صالح وشعيب وموسى عليهم السلام حتى نصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حيث رد عليه كفار قريش بهذا الرد.
ثم يبين لنا القرآن أن هذه المقولة هي مقولة جميع الأمم لرسلهم، فيقول تعالى: (وَكَذَ?لِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف: 23] .
وهذا فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلم أن كل ما يلاقيه من صدود وإعراض عن دعوته؛ قد لقيه الأنبياء جميعًا مع أقوامهم، وأن ردهم كان واحدًا، وهو يعكس طبيعة المعرضين: (أَتَوَاصَوْا بِهِٹ) [الذاريات: 53] .
2.اتباع الآباء في التحليل والتحريم.
فاتباع الآباء في الشرك هو اتباع لهم في العقائد، وإذا كانوا قد اتبعوهم في العقائد؛ فمن باب الأولى أن يتبعوهم في الشرائع، وما يتعلق بها من التحليل والتحريم، والإخلال بالأحكام.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ?168? إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?169? وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 168 170] .
جاء الأمر بالاستمتاع بما أحل الله والابتعاد عما حرم، وقد عبرت عنه الآية باتباع خطوات الشيطان.
قال الشاطبي: «فكأنهم استندوا إلى دليل جملي وهو الآباء؛ إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صوابٌ فنحن عليه؛ لأنه لو كان خطأ؛ لما ذهبوا إليه» 66.
وبهذا نفهم أن الشرك الذي كان عليه الآباء أصبح في نظر هؤلاء ندًا لاتباع الحق، كما أصبح مصدرًا للتشريع، كما نفهم أن هؤلاء القوم ليس لديهم أدنى استعداد للبحث في شيء خارج عما وجدوا عليه آباءهم ألبتة.
3.اتباع الآباء في المجادلة بغير علم.
وهي صفة ناشئة عن محبة الابن لأبيه، فإنه سوف يدافع عما يراه حقًا، ودفاعه هذا دفاعٌ بغير علم، إذ كيف يتبع أباه في شيء فيه حتفه؟ ومعلومٌ أن اتباع الآباء لو كان في أمرٍ من أمور الدنيا، ورأوا بطلانه؛ لم يقبلوا به، فكيف بأمرٍ من أمور الدين؟!
قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ?20?وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ? أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى? عَذَابِ السَّعِيرِ ?21?) [لقمان: 20 21] .
نعى الله سبحانه عليهم المجادلة بغير علم، وهذه المجادلة «مع كونها من غير علم؛ فهي في غاية القبح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى كلام الله، وهو يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بونٌ عظيم، فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء» 67.
4.اتباع الآباء في فعل الفاحشة.
وإذا كان هؤلاء القوم يتبعون آباءهم في التحيل والتحريم؛ فإنهم يتبعونهم فيما يتفرع عن ذلك، ألا وهو فعل الفواحش.
قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ? قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ? أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 28] .
الفاحشة في الأصل: اسم «للعمل الذميم .. وغلبت الفاحشة في الأفعال الشديدة القبح، وهي التي تنفر منها الفطرة السليمة، أو ينشأ عنها ضر أو فساد» 68.
وكما تلاحظون؛ فإن القوم لم يكتفوا باتباع آبائهم في فعل الفاحشة، بل تعدوا ذلك إلى أمر عظيم زاعمين أن الله أمرهم بها.
ولا يخفى أن هذين القولين هما النتيجة الحتمية للولاية الشيطانية المذكورة قبل هذه الآية: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 27] .